دعوة لتجديد حلم ضاع من 44 سنة .. عيد سنوى للسينما المصرية فى 12 أكتوبر

حسناً فعل نقيب السينمائيين المخرج مسعد فودة عندما قرر أن يُزين جدران النقابة العريقة بصور رواد السينما المصرية وآبائها وصناعها العظام، فهى لمسة تحمل كل المعانى النبيلة تجاه هؤلاء الذين صنعوا أمجاد سينمانا وكتبوا تاريخها..

 لكن تظل هذه الصور - على كثرتها وفخامتها - ناقصة لصورة رجل كان يستحق أن توضع فوق الرؤوس، بل كان من الإنصاف أن تصنع النقابة له تمثالاً، جزاءً وفاقاً لما قدم لصناعة السينما من خدمات وإنجازات كانت فى زمانها بمثابة معجزات..

صاحب الصورة الناقصة والتمثال المستحق هو رائد الاقتصاد الوطنى العظيم طلعت باشا حرب، الرجل الذى وضع دعائم الاقتصاد المصرى الوطنى، وقام بأخطر وأهم عملية لتمصيره وتحريره من تبعية وهيمنة الاستعمار والاحتكار الأجنبى، وذاع اسمه وخُلد تاريخه كرجل اقتصاد، مما طغى وغطى على دوره الوطنى الفارق فى دعم صناعة السينما المصرية، بل نستطيع أن نعتبره - بمعايير موضوعية - رائد تلك الصناعة وأباها الروحى..

سيبمنا

 (1)

لا نريد أن نخوض فى ذلك الملف الشائك عن بدايات السينما فى مصر والتأريخ لها، فهناك خلافات عميقة وجذرية بين مؤرخى السينما فى تحديد بداياتها وميلادها وفجرها، لكن الذى لا خلاف عليه بين الجميع هو الدور الفارق والرائد الذى لعبه تأسيس استوديو مصر، فهو تاريخ فاصل فى مسيرة السينما المصرية، وكان له تأثيره الكبير والعميق.

بوعى وطنى لافت أدرك طلعت باشا حرب قيمة الفن ودوره وتأثيره فى وجدان الناس، ولذلك كان حريصاً على دعمه ونشره، وبعد مساهمته فى إنشاء شركة ترقية التمثيل العربى (إخوان عكاشة) وسعيه لإنشاء مسرح الأزبكية لتقيم عليه عروضها المسرحية، أدرك بحدسه تأثير السينما، الفن الجديد الصاعد والناهض، فقرر أن تكون من بين الشركات الوطنية العشرين التى أنشأها بنك مصر شركة لدعم السينما، فكانت شركة مصر للتمثيل والسينما التى تأسست عام 1925 والتى كان أبرز إنجازاتها ومشروعاتها تأسيس استوديو مصر.

بدأت الاستعدادات الجدية لإنشاء الاستوديو فى العام 1933 بإرسال بعثة من الشباب الموهوب لدراسة فنون السينما فى أوروبا، فأرسلت أحمد بدرخان وموريس كساب لدراسة الإخراج فى فرنسا، وحسن مراد ومحمد عبدالعظيم لدراسة التصوير فى ألمانيا، وذلك لإعداد جيل مؤهل علمياً وفنياً لتشغيل الاستوديو، كما استعانت بعدد من خبراء السينما الأجانب لنقل خبراتهم إلى المصريين وإدارة الاستوديو بطريقة علمية احترافية شبيهة باستوديوهات هوليوود.

وفى يوم 7 مارس 1934 تم وضع حجر الأساس للاستوديو، وفى شهر أغسطس من العام نفسه بدأ تصوير المناظر الأولى لفيلم «وداد» من بطولة أم كلثوم وإخراج أحمد بدرخان، وهو أول فيلم ينتجه الاستوديو، الذى جرى افتتاحه الرسمى فى 12 أكتوبر 1935..

والتاريخ الأخير لم يعد مجرد رقم عابر، بل تاريخ فارق، لأن استوديو مصر تحول سريعاً إلى أكبر صرح سينمائى، بل يمكن أن نعتبره أول استوديو سينمائى فى مصر بالمعنى العلمى، فقد عرفت مصر استوديوهات السينما منذ العام 1917، ووصل عددها خلال تلك الفترة لأكثر من عشرة، ولكنها كانت صغيرة ومحدودة الإمكانيات وبدائية التجهيزات، وتجاملها كثيراً إذا ما منحتها وصف الاستوديو، بل لا تجوز مقارنتها من الأصل باستوديو مصر، بكل إمكانياته الفنية والتقنية التى كانت تجعل منه - بوصف الناقد الكبير سمير فريد - أول استوديو سينمائى بالمعنى الكامل فى مصر والعالم العربى والشرق الأوسط وأفريقيا.. إذ أقيم على مساحة 75 ألف متر مربع، كان يضم أكثر من بلاتوه للتصوير وورش للديكور وغرفاً للممثلين وللماكياج وصالات للمونتاج ومخازن للملابس وأحدث معدات التصوير السينمائى بالإضافة إلى المبانى الإدارية..

ثم إنه بلغة الأرقام تتسع الفوارق ويتجلى التأثير وتتضح النتائج، وكما يؤكد مؤرخو السينما أنتجت شركة مصر للتمثيل والسينما فى استوديو مصر 57 فيلماً طويلاً فى عشرين سنة، أى من 1936 حتى 1956، كما تم فى الاستوديو تصوير 125 فيلما خلال السنوات من 1936 وحتى 1960، أى إن مجموع الأفلام التى صورت فى الاستوديو منذ افتتاحه وحتى تأميمه فى العام 1960 تبلغ 182 فيلماً، بجانب الأفلام الأجنبية التى صورت كلياً أو جزئياً فى مصر والأفلام القصيرة وأعداد جريدة مصر الناطقة التسجيلية التى أخرجها حسن مراد منذ العام 1935.

ويصف سمير فريد الأفلام الـ 57 التى أنتجتها شركة مصر للتمثيل والسينما فى استوديو مصر بأنها «من أهم الأفلام فى تاريخ السينما المصرية».. وحتى عام 1959 - تاريخ إنشاء أول معهد للسينما فى مصر - كان استوديو مصر يقوم بدور معهد السينما ومدرسته الأبرز فى تخريج وصناعة مبدعى السينما، ففيه تعلم وتخرج أسماء فى قامة محمد كريم وأحمد بدرخان وكمال سليم ونيازى مصطفى وكمال الشيخ وحسن الإمام وكامل التلمسانى وحلمى رفلة وغيرهم من الرواد الأوائل الذين قامت على أكتافهم وإبداعهم صناعة السينما المصرية..

سيبمنا

 (2)

قبل نحو 44 عاماً راود عدد من عشاق السينما المصرية حلم نبيل يتمثل فى تخصيص عيد لها، عيد سنوى يحتفلون فيه بالسينما المصرية ويكرمون روادها ويناقشون أوضاعها ويتلمسون الحلول لمشاكلها ويؤكدون على حضورها وتأثيرها، وبعد مناقشات ومداولات اختاروا أن يكون موعد عيدهم فى 12 أكتوبر، تخليداً لذكرى افتتاح استوديو مصر، باعتباره يوماً فارقاً فى تاريخنا السينمائى، وكانت حيثياتهم فى الاختيار لا تختلف عن ما قرأته فى هذا الموضوع، عن أهمية الاستوديو ودوره وتأثيره وقيمته وقيمة أفلامه ومن صنعوها..

وتحمس رئيس اتحاد النقابات الفنية حينها الكاتب الكبير سعد الدين وهبة، ودعا لإقامة عيد للسينما فى 12 أكتوبر من العام 1982، لكن لظروف معينة أقيم الاحتفال بعدها بأسبوعين، وحضره مندوب عن رئيس الجمهورية ووزير الثقافة عبدالحميد رضوان ووزير الداخلية اللواء حسن أبوباشا ومحافظ الجيزة د.عبدالحميد حسن (بحكم أن محافظة الجيزة وقتها كانت هى السكن المفضل لأغلب نجوم الفن)..

وكان من أبرز فعاليات الاحتفال هو عرض فيلم «لاشين» ثانى فيلم أنتجه استوديو مصر (1938)، بعد العثور على نسخة من الفيلم المفقود، بعد أن منعته الرقابة بطلب من القصر الملكى نظراً لما يحمله من مضمون سياسى خطير.. وكان الفيلم من نوع الإنتاج الضخم، وشارك فيه نحو 10 آلاف من الكومبارس، وقام ببطولته حسن عزت، الممثل المصرى الذى كان قد سافر قبلها إلى هوليوود وشارك فى بعض أفلامها، وكان «لاشين» أول ظهور له فى السينما المصرية، وتنبهت السراى إلى ما به من رسائل سياسية تحريضية فحرضت الرقابة على منع عرضه، بدعوى المساس بالذات الملكية، واعتراضاً على نهايته التى يجرى فيها خلع الملك استجابة لإرادة الشعب، واضطر استوديو مصر إلى حذف نهاية الفيلم وتصوير نهاية جديدة، ينتصر فيها الملك على المؤامرة ويسحق المتآمرين ويخرج الشعب ليهتف باسمه وبعدله..

وكانت نسخ الفيلم - الذى شارك فى بطولته حسين رياض وعبدالعزيز خليل ومحمود السباع وأخرجه الألمانى فراتز كرامب - قد اختفت وبات الفيلم لسنوات فى عداد المفقودين حتى - كما قال سعد الدين وهبة رئيس اتحاد النقابات الفنية ونقيب السينمائيين - نجحت النقابة فى العثور عليها فى إحدى الثلاجات فى بنها، وتم عرض الفيلم فى الاحتفال الأول بعيد السينمائيين الذى جرى فى حديقة استوديو مصر..

 (3)

تعرض عيد السينما للوأد سريعاً، وتبخر حلم السينمائيين وضاع..

الآن، وبعد كل تلك السنوات نتصور أن السينما المصرية أحوج ما تكون إلى إحياء هذا العيد السنوى:

أولاً: لتثبت أنها ما زالت على قيد الحياة.

ثانياً: ليكون مؤتمراً سنوياً تستعيد فيه السينما المصرية ما فقدته من حضور وبريق وتأثير، وتتفاوض مع الدولة للحصول على ما تيسر من دعم ولمنحها قبلة الحياة من جديد..

ثالثاً: ليكون فرصة يلتقى فيها السينمائيون بالسيد وزير الثقافة، يسمع منهم ويسمعون له، والمؤكد أن فى هذا الحوار مكاسب لكل الأطراف..

رابعاً: لنقول ونؤكد أن السينما المصرية هى الأصل، وهى الأقدم فى الشرق، وهى الرائدة والقائدة.. صحيح أنها حقائق، لكن فى زمن تاهت فيه الحقائق فإنها تحتاج للتأكيد والتذكير.. فهناك من ينسى أو يتناسى أو يحاول طمس التاريخ.

نتمنى على السيد نقيـــــب السينمائييـــن أن يدعم الاقتراح..

ونتمنى على السيد وزير الثقافة الفنان أحمد هنو أن يتبناه وينفذه..

ونتمنى أن يتم الإعلان عنه فى 12 أكتوبر القادم.. تمهيداً لتنظيم احتفال يليق بالعيد التسعين لتأسيس استوديو مصر فى العام المقبل..

إنه قُبلة الحياة الأخيرة للسينما المصرية.

Katen Doe

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

هنو

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص