إغلاق أكثر من مائة موقع ثقافى فى الأقاليم
ونحن تحتفل بمرور 60 عاماً على إنشاء الثقافة الجماهيرية فاجأ المسئولون فى وزارة الثقافة الجميع بإغلاق أكثر من مائة بيت ثقافة ومكتبة وذلك من خلال أمر إدارى تم تداوله عبر المواقع الثقافية وأثار غضب قطاع كبير من المثقفين جاء فيه «يكلف السادة رؤساء الأقاليم الثقافية باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة نحو إعادة توزيع العاملين الموجودين بالبيوت والمكتبات الثقافية المؤجرة والتى تقرر إخلاؤها بناء على موافقة مجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة بجلسته رقم «324» المنعقدة فى 5/3/2025 والمعتمد محضر جلستها من معالى الأستاذ الدكتور/وزير الثقافة فى 13/3/2025 وذلك فى موعد غايته 29/5/2025 وذلك حتى يتسنى العرض على معالى الأستاذ الدكتور فى هذا الشأن». انتهى نص القرار.
هذه الواقعة تجعلنا نطرح سؤالاًً بديهياً على وزارة الثقافة.. ماذا تريد وزارة الثقافة من الثقافة، فمن يتخلص من هذه المواقع الثقافية بهذه السهولة لا بد أنه يرى أنها غير مهمة، بل وأن الثقافة ليست ضرورة للمواطن، فما أعرفه تاريخياً أن وزارة الثقافة تؤسس مواقع جديدة ولا تتخلص من مواقعها بحجة أنها غير مؤهلة فقبل التخلص منها يجب البحث عن بديل وتوفيره.
1
وأنا أتابع الجدل حول هذا القرار اكتشفت ردود الفعل حول قرار استهدف إخلاء أكثر من مائة بيت ثقافة ومكتبة ثقافية وأثار جدلاً كبيراً بين المثقفين وخاصة فى الأقاليم من رواد قصور الثقافة، وتم تقديم طلبات إحاطة فى مجلس النواب من قبل النائبة مها عبدالناصر والنائبة ضحى عاصى لوزير الثقافة، ما توقفت أمامه وأنا أتابع هذا الجدل هو الردود الصادرة عن وزارة الثقافة ممثلة فى وزير الثقافة وأيضاً رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، حيث جاءت المبررات حول عدم ملاءمة هذه المواقع للعمل الثقافى وأنها غير مؤهلة لاستقبال المواطنين، ولا تؤدى دورها لسببين؛ الأول صغر المساحة ما بين 40 و50 متراً وأيضاً تضخم عدد الموظفين التابعين لهذه المواقع، وهذا لا يسمح بتقديم أنشطة مثل المسرح والحفلات. بالطبع ما ذكره المسئولون فى وزارة الثقافة عقبات تعوق النشاط الثقافى وتؤثر على الأداء، لكن مَن المسئول عن هذه العقبات، هل المواطن المقيم فى هذه الأماكن والذى ينتظر حقه من الثقافة، هل الموظف الذى تم تعيينه فى هذا الموقع، المسئول بالطبع السياسات الخاطئة على مدى سنوات، المسئول عدم وجود استراتيجية للعمل الثقافى لدى وزارة الثقافة، ومن يتحدث عن بنية أساسية متهالكة لهذه المواقع يجب عليه إصلاحها لا وضعها عقبة فى طريق النشاط الثقافى، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه بدلاً من سرد هذه العقبات والمبررات كان من الممكن إصلاحها.. فهل نقطع قدم الحافى أم نوفر له حذاء، هذا القرار بإغلاق المواقع الثقافية الصغيرة وغير المؤهلة والمكدسة بالموظفين أقرب إلى قطع قدم الحافى بدلاً من توفير الحذاء.. فهل هذا معقول.؟ ناهيك عن أن هذه المواقع حتى لو كانت فقيرة على المستوى المعمارى، لكنها فضاء يلتقى فيه الأدباء فى القرى والنجوع، فضاء للمناقشة وتبادل الخبرات مع وجود مكتبة ولو صغيرة لكنها تؤدى الغرض حتى يتم التطوير والإصلاح وليس الإغلاق أو قطع قدم الحافى، ومن المبررات أيضاً ما ذكره رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة عن ضرورة تنفيذ القانون رقم 10 لسنة 2022 الذى يقضى بإخلاء الوحدات السكنية المؤجرة لشخصيات اعتبارية فى فترة لا تتجاوز خمس سنوات.. وهذا لا يعنى أن تتخلى وزارة الثقافة عن المواقع دون وجود بديل، فقد صدر القانون منذ ثلاث سنوات أظنها كانت تكفى لإيجاد الحلول لو كانت هناك نية لتوفير بدائل.
2
سوف أعود إلى حكاية تأسيس وزارة الثقافة حتى يعرف أصحاب قرار إغلاق المواقع أهمية هذه المؤسسة ولماذا أنشئت وكيف تُدار؟
فى 25 يناير 1956 أصدرت حكومة ثورة يوليو قراراً بإنشاء المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية على شكل هيئة مستقلة ألحقت بمجلس الوزراء، فى محاولة لتنشئة أجيال من أهل الأدب والفنون يستشعرون الحاجة إلى إبراز الطابع القومى فى الإنتاج الفكرى المصرى. وفى 22 فبراير 1958 أنشأت حكومة الثورة أول وزارة ثقافة فى مصر التى عرفت بالثقافة والإرشاد القومى وكان وزيرها الراحل فتحى رضوان، وأنشأت معها مصلحة الفنون وإدارة للثقافة والنشر ومركزاً للفنون الشعبية وبرنامجاً إذاعياً موجهاً «البرنامج الثانى». وفى نوفمبر 1958 وحتى 1962 تولى ثروت عكاشة وزارة الثقافة، وحينها قال «ليس ثمة وزارة ثقافة يمكنها خلق الثقافة إنما تنهض الثقافة على أكتاف المبدعين وحدهم»، حيث كانت مصر فى ذلك الوقت تشهد نهضة ثقافية، فى المسرح والسينما والأب والتصوير قبل وزارة الثقافة، فقد كان الجميع يؤمن بأن ازدهار الثقافة تأثيره مثل تأثير التصنيع الثقيل فى مجال الصناعة. وكانت مهمة الدولة ودورها المقدس من خلال هذه الوزارة استكشاف المواهب فى كل حقل ورعايتها وتيسير السبل أمامها للخلق والإبداع.. وأيضاً إقامة المشروعات الثقافية الكبرى التى لا يقوى عليها الأفراد؛ والهدف رعاية الوجدان القومى وتغذيته وتنميته الإنسان المعاصر... فهل يحدث هذا الآن...؟
3
أما قصور الثقافة التى أغلقوا مواقعها بقرار إدارى! فكانت الفكرة الأساسية فى تأسيسها عودة الثقافة إلى الجماهير، وفى الوقت نفسه هى وسيلة إلى تنميتها وازدهارها، فالريف يحمل بصمات ثقافية قديمة تتمثل فى احتفاظه بكثير من آثار الرقص والتمثيل والموالد وأفراح العرس والبكائيات وليالى الحصاد. وهكذا فى الريف تتم عملية تزاوج بين عصرين.، ويصبح الريف نقطة التقاء تتفاعل فيها الثقافة القديمة والحديثة. والعالمية والقومية، وقال الوزير ثروت عكاشة «الفكرة الأولى حول قصور الثقافة وقوافلها فى الأقاليم، أشبه ما تكون بشبكة مواصلات ثقافية مقصورة على نقل الناتج الثقافى بين أجزاء الوطن المختلفة». وأعتبر أن قصر الثقافة عليه أن يحمل عبئه كوزارة محلية للثقافة تتولى رعاية النشء والكشف عن المواهب وتشجيعها بحيث تخلق فى الأقاليم حالة ثقافية خاصة. هذه كانت الفكرة، ومن هنا كان التفكير فى تطوير ما كان يسمى بجامعة الثقافة الحرة إلى جهاز جديد يحمل اسم الثقافة الجماهيرية، وحددت خطته من البداية وهى أن تكون القصور وما يتبعها من قوافل تربة لخلق حركة ثقافية محلية وليس فقط محطات توصيل ثقافى فحسب وهكذا تحولت جامعة الثقافة الحرة إلى الثقافة الجماهيرية. تولى مسئوليتها فى البداية سعد كامل ولكنه - وفقاً لثروت عكاشة - بذل قصارى جهده قرابة عام وكان مثالاً للجد والحماسة ولكنه تحول إلى انتهاج أساليب الإثارة غير المسئولة فى فترة حرجة وهى التى أعقبت هزيمة 67.. ثم عين الدكتور عبدالحميد يونس ومن بعده سعد الدين وهبة.
وحين غادر ثروت عكاشة الوزارة فى نوفمبر 1970 كان عدد القصور التى أنشأها 28 قصراً، فى عواصم المحافظات، منها سوهاج وأسوان وبنى سويف والسويس وبورسعيد والزقازيق. بالإضافة إلى 17 قصرا مستأجراً. فضلا عن إنشاء 60 مكتبة فرعية بالقرى، هكذا كان يفخر ثروت عكاشة فى مذكراته بالثقافة الجماهيرية، بالبناء وليس بالهدم والإغلاق!.
4
جرت مياه كثيرة تحت الجسر فى المجتمع المصرى فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى، تحولات جعلت من الضرورى إعادة النظر فى الثقافة الجماهيرية وبالفعل عام 1989 صدر قرار جمهورى رقم 63 فى 23 مارس 1989 حوّلها إلى هيئة عامة ذات طبيعة خاصة، وأصبح اسمها الهيئة العامة لقصور الثقافة. وتهدف إلى المشاركة فى رفع المستوى الثقافى وتوجيه الوعى القومى للجماهير فى مجالات الثقافة العامة، السينما والمسرح والموسيقى والآداب، والفنون التشكيلية وخدمات المكتبات فى المحافظات، وثقافة القرية، ثقافة الشباب، ثقافة العمال، ثقافة المرأة، وحتى وقتنا هذا لم يتم تغيير أو تعديل القرار الجمهورى.. والهيئة العامة لقصور الثقافة تعمل وتمارس أنشطتها فى ربوع مصر، تزدهر أحيًانا وتمر بفترات تراجع فى أحيان أخرى، لكنها تؤدى دوراً يحتاج إلى مراجعة، يحتاج إلى تطوير وإعادة قراءة فى ضوء مقتضيات اللحظة الراهنة وما حدث من تحولات فى المجتمع المصرى فى العقود الثلاثة الأخيرة وأيضاً ما يحدث فى العالم من متغيرات سياسية وأيضاً التطور التكنولوجى الرهيب الذى كان له تأثير كبير على ثقافة الفرد والمجتمع، على السلوك والعادات اليومية وطرائق التفكير، ودون شك تحتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة إلى إعادة هيكلة فى ضوء المتغيرات والتحولات التى أصابت المجتمع المصرى، نعم تحتاج إلى مراجعة السياسة الثقافية من خلال رؤية واضحة وليس إغلاق المواقع والتخلص من الفضاءات الثقافية.
5
التخلى عن أكثر من مائة موقع بالإضافة إلى أماكن مملوكة لقصور الثقافة ولا تعمل لأسباب متباينة ليس أمراً سهلاً يمر بمجموعة من التصريحات والمبررات غير المقنعة كارثة سيجنى المجتمع المصرى ثمارها قريباً، الحل ليس بالتواصل عبر التطبيقات أو الأبليكيشين كما جاء على لسان بعض المسئولين، والتطوير الذى يتناسب وفلسفة الهيئة العامة لقصور الثقافة التى أسسها نظام يوليو تحت اسم لا يخلو من دلالة وهو الثقافة الجماهيرية، تطويرها لا يأتى من تحسين الدخل عن طريق الاستثمار من خلال اللوحات الإعلانية فى المواقع أو افتتاح مطعم ومقهى ثقافى فى المواقع الثقافية وهذا ما سيحدث قريباً فى العلمين كما جاء على لسان رئيس الهيئة، أو عمل برتوكول مع محافظة الغردقة لتشغيل مسارح قصور الثقافى بشكل يجذب السياح أو استثمار مساحات فى مسرح فوزى فوزى بأسوان لكى يستمتع الزائر السائح بمشهد النيل، هذه التصريحات الأخيرة لأشكال الاستثمار فى قصور الثقافة وإغلاق أو التخلى عن أكثر من مائة موقع بقرار من مجلس إدارة قصور الثقافة، والمواقع العديدة المغلقة قيد الصيانة أو البناء أو أشياء أخرى كل هذا يؤكد أن قصور الثقافة التى تأسست فى ستينات القرن الماضى لتكون خط الدفاع عن الهوية المصرية والمساهمة فى تنمية الوعى القومى واكتشاف المواهب ذهبت هذه الفكرة وولّى زمانها. وعلى أدباء مصر فى الأقاليم والعاصمة أيضاً أن ينتظروا مرحلة جديدة عنوانها «الاستثمار الثقافى» تحت عنوان «اقطع قدم الحافى بدلاً من أن توفر له الحذاء».
6
وأخيراً أرسل لوزير الثقافة د.أحمد هنو تعليق د.ثروت عكاشة حول فلسفة السياسات الثقافية فى مذكراته، يقول «رغم أهمية الأرقام فى حساب الميزانيات والتكاليف.. فالعائد لا يمكن تحديده رقمياً بل فى الثقافة له معايير أخرى لتحديد وتقييم جدواه، فعلى سبيل المثال مسرحية ذات مستوى رفيع سيقبل عليها مجموعة من النخب، ولن تحقق عائداً مادياً، ولكن سوف تُلهم وتسفر مشاهدتها عن تغير جذرى فى عقل هؤلاء، فيكتبون ويبدعون» ولن أفسر أكثر، فقط أقترح أن يرفق مع قرار تكليف وزير الثقافة بمهام منصبه نسخة من مذكرات ثروت عكاشة وعنوانها «مذكراتى فى السياسة والثقافة».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...