الزعامة الشعبية، مرتبة كبرى، يمنحها الشعب لعدد من نجوم الفن والساسة، ليس فيها إجبار ولا قهر ولاخوف
، بل هى مكانة تولد بالحب وتعيش بالصدق، وليس فيها رشاوى مالية، لكنها «كيميا» تحدث بين «الزعيم» والشعب الكادح فى المصانع والمواصلات العامة والمستشفيات الحكومية والحوارى والعطفات والقهاوى البلدى، زعامة «عادل إمام» تحققت منذ أن كان مقيماً مع عائلته فى «حى الخليفة» الشعبى بالقاهرة، وتأكدت مع مسرحية «الزعيم» التى تحول اسمها إلى «يافطة» على واجهات المحال التجارية فى القاهرة وغيرها من المدن المصرية، ومن جمال الزعامة الفنية التى حازها «عادل إمام» أنها ممتدة منذ عشرات السنين وموجودة فى كل العواصم العربية.
كل واحد من عشاق «عادل إمام» له معه قصة وحكاية، وحكايتى مع هذا الفنان الكبير، لها عدة جوانب، الجانب الأول هو أننى عرفته فى مدينة «سوهاج»، وبالتحديد فى «سينما أوبرا» الموجودة فى قلب المدينة، وكان الفيلم الذى شاهدته هو «المحفظة معايه» الذى شاركته بطولته الفنانة «نورا»، وتدور أحداثه فى منطقة شعبية قاهرية، نصف سكانها يعيش فى «بدرومات العمارات»، ونصفها الآخر يعيش فوق أسطح هذه العمارات، وشخصية «عادل إمام» فى هذا الفيلم، هى شخصية «الحدق الفهلوى» وهذه الشخصية لها جذور ضاربة فى القدم، هى نفسها شخصية «على الزيبق» المكتوبة فى كتب الأدب الشعبى، وهى تقوم على «المقاومة» السلبية، التى ليس فيها «سكاكين وخناجر» بل فيها «الحداقة والمفهومية» ومعنى «الحداقة» باللغة المصرية الشعبية، هو «الذكاء» والقدرة على الانتقام من الخصم بالمقلب «الحراق» والسخرية، وكان على الزيبق، فى العصر العثمانى، مصرياً يعيش بين القاهرة والفيوم، ورث عن أبيه، الجدعنة و«الشلبنة» والشلبنة، من «الشلبى» والشلبى هو «المجدع»، الذى لا تفوته «الواحدة» ولا يرتضى الهوان، ولا يقبل الظلم، و«عادل إمام» لم يمتلك القوة التى تجعل منه «فريد شوقى» الذى كان يحطم الخصم بالضربات العنيفة، ويحقق الفوز فى المعارك بالقوة وحدها، لكن «عادل إمام» امتلك «خفة الدم» والجسم الضئيل، والذكاء الفطرى، الذى جعله يكتشف قدراته ويوظفها التوظيف الصحيح.
والجانب الثانى من علاقتى مع «عادل إمام» نشأ فى القاهرة، وكان فيلم «طيور الظلام» هو الفيلم الذى عّرفنى قدرة هذا الفنان على التأثير، وكذلك فيلم «الإرهاب والكباب»، وهما من الأفلام التى واكبت صعود المد الإرهابى المسلح، فى الصعيد وكل محافظات الجمهورية، وجرائم هذا الإرهاب، وضعت الفنانين والمثقفين فى حالة «مواجهة مع الخطر» وهنا انقسم الفنانون والمثقفون إلى معسكرين، معسكر بحث عن السلامة والأمن، ومعسكر قرر أن يخوض الحرب، مهما كلفه الأمر من ثمن، وكان الدكتور «فرج فودة» من المثقفين الذين دفعوا الثمن، كان الراحل، كاتباً وباحثاً فى التاريخ، رغم أن تخصصه الأصلى هو «الاقتصاد الزراعى» ولكنه سمع ورأى «جماعات الإسلام السياسى» وهى تمارس الدجل الفكرى وتوهم الناس بحكايات عن عصر الخلفاء، وتكذب على الجماهير، باللحى الطويلة والزبيبات المتكورة على الجباه، وتصدر خطاباً عدائياً تجاه الأقباط، وتعادى كل ما هو علمى وحضارى، وتحتقر المرأة، وتستدعى تراث جماعة «الخوارج» التى كفرت «صحابة رسول الله» واعتبرت نفسها المالكة الوحيدة لمفاتيح الجنة، ولأن أعضاء هذه الجماعات كانوا من أبناء القرى الفقيرة، والعشوائيات الأكثر فقراً، كانوا يعتبرون الفنانين والمثقفين عقبة فى سبيل وصول خطابهم إلى الطبقات الشعبية، فقتلوا «فرج فودة» لأنه ناقشهم بالحجة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، وحاولوا قتل «نجيب محفوظ»، لأنه يكتب روايات «كافرة»، وعاش المجتمع كله سنوات خوف ورعب، هنا تقدم «عادل إمام» الصفوف، وقرر السفر إلى «أسيوط» قلعة الإرهابيين، ليعرض مسرحية له، ويدعم هواة المسرح الذين حاربتهم هذه الجماعات ومنعتهم من التمثيل والغناء، وكسب «عادل إمام» الجولة، وأثبت شجاعة، جعلته «الزعيم الشعبى» الحقيقى، الذى لا يخاف الموت، وهذا جعله «الفنان الشعبى» الأول، فهو الفنان الذى خرج للدفاع عن الفن والإبداع، فى مواجهة جماعات تحمل السلاح وتقتل الأبرياء من الفلاحين والعاملين فى جهاز الشرطة، بحجة أنهم كفار يدعمون «الطاغوت»، ولم يتوقف «الزعيم» عن مواجهة الإرهاب، فقدم أفلاماً منها «الإرهابى، طيور الظلام، الإرهاب والكباب» وكلها تحتوى التحليل النفسى والاجتماعى للظاهرة التى أزعجت الشعب والنظام الحاكم، وكان لها أثرها السلبى على السياحة، والمشروعات الاقتصادية، والحياة كلها.
قصة كفاح فنان
فى حى الخليفة الشعبى القاهرى، تشكل وجدان الفنان «عادل إمام» وهذا الحى من الأحياء القاهرية التى كانت حية، فى كل العصور التى حكم فيها الأيوبيون، والمماليك والعثمانيون، ولأن هذا الحى فيه «قلعة الجبل» وهى مقر الحكم فى تلك الفترات، كان الناس فيه يتحركون ويغضبون ويفرحون حسب الأحداث التى تفرضها طبقة الحكام، وهذا جعله «حى الخليفة» ميالاً للاهتمام بالشأن السياسى العام، ومن الصور التى حفظها التاريخ، صعود «السيد عمر مكرم» إلى القلعة، ونزوله ومعه «البيرق النبوى» والتفاف أهل «حى الخليفة» حوله، وهو متوجه إلى «بر بولاق» لمواجهة «نابليون» وجيش «الفرنسيس»، ومن هذا الحى خرجت قيادات ثورية وشعبية، فى كل اللحظات التاريخية الفاصلة، فهو حى يسكنه العمال والتجار والموظفون الصغار، وفيه التراث الثقافى للمجتمع المصرى، وفيه التواصل بين الناس، والتكافل والترابط الوجدانى، وكان «عادل إمام» ابن «الشاويش إمام» الذى يمارس عمله فى «مصلحة السجون» ويعيش مع أهل الحارة، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويتمتع بحبهم له ومحبته لهم، وكان ولده «عادل» رابع أربعة من أولاد «الشاويش» وكان متفوقاً فى الدراسة، فالتحق بكلية الزراعة فى جامعة القاهرة، فى زمن «التجربة الناصرية» وهى تجربة أطلق عليها اسم «الاشتراكية العربية» وأطلق عليها خصومها اسم «رأسمالية الدولة الاحتكارية» وفى كل الأحوال، كان من ملامح تلك التجربة، العداء المطلق للصهيونية والغرب الاستعمارى، والسعى الطموح لقيادة العالم الثالث، فى ظل عالم ثنائى القطب، كان فيه الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة، وبينهما دول العالم الثالث التى كانت مصر من بينها، وكانت تحاول بناء صناعة وطنية، وبناء مجتمع فيه هيمنة كبرى للطبقة المتوسطة، وكانت الدولة تتكفل بتقديم الخدمة الصحية والتعليمية للمواطنين، وتوفر فرص العمل، لخريجى المدارس المتوسطة والجامعات، ووجدت «التجربة الناصرية» معبرين عنها من الصحافيين والفنانين، والكتاب والشعراء، وفى هذا السياق، وجد الطالب «عادل إمام» الفرصة للحاق بالمسرح الجامعى، وكان هذا المسرح يقدم الموهوبين لسوق الإنتاج الفنى، وكان يلقى اهتمام الجامعات ووزارة التعليم العالى، وكان الوقت الذى ظهرت فيه موهبة «عادل إمام» هو وقت الزخم الفنى، كانت فى مصر حركة مسرحية مزدهرة، وكان «التليفزيون» يمتلك عدة فرق مسرحية، وكانت فى الفترة ذاتها حركة نقدية قوية، تدفع بالموهوبين إلى واجهة المشهد، ووجد «عادل إمام» الفرصة مع الفنان «فؤاد المهندس» فهو الذى اختاره ليشارك فى مسرحية له، وكانت هذه البداية القوية، مقدمة لدخول عالم السينما، حتى إنه فى العام 1970 شارك فى خمسة أفلام هى «رضا بوند، المراية، باحبك ياحلوة، برج العذراء، حب المراهقات» وشارك فى العام التالى 1971 فى سبعة أفلام، وكل هذه الأفلام كانت ذات موضوعات «كوميدية» الهدف منها إضحاك القلوب الحزينة، فالمصريون عاشوا الكابوس الرهيب يوم «5 يونيو 1967» وهو يوم هزيمة عسكرية ثقيلة، وفقدان لآلاف الشبان من الضباط والجنود فى سيناء، وكان الرئيس عبدالناصر حريصاً على أن يقوم الفنانون بعملية إضحاك كبرى للشعب المكسور القلب، وهذا موثق فى محاضر اجتماعات رئاسية رسمية، فكانت «الكوميديا» مطلباً سياسياً، ووطنياً، ونجح الفنانون فى مساعدة الشعب على العبور من الحزن إلى الفرح، وجاء العام 1973 بالعبور المجيد، وتحقق النصر العسكرى للجيش والشعب المصرى، وتحققت نجومية «عادل إمام» فى مسرحية «مدرسة المشاغبين»التى قدم من خلالها شخصية «بهجت الأباصيرى» ومنها انطلق إلى نجومية السينما، فشارك فى أفلام ناجحة منها «إحنا بتوع الأوتوبيس» وهو فيلم من إخراج «حسين كمال» وفيه إدانة للتجربة الناصرية، التى حققت النجاح السياسى فى المحيط العربى والأفريقى وساهمت فى تحرير الشعوب العربية من قبضة الاستعمار، لكنها قهرت الشعب المصرى وحكمت بالقبضة الأمنية الرهيبة، وكان فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس» من بين مجموعة أفلام مصرية ظهرت فى النصف الأول من سبعينات القرن الماضى، استهدفت نقد «غياب الديمقراطية» عن التجربة الناصرية، وانطلق «عادل إمام» فى عالم السينما والمسرح، وأصبح «الزعيم» وأصبح «نجم الشباك» الذى لا نظير له، وتجاوزت شهرته الحدود المصرية، وأصبح نجماً عربياً، وهذا ما جعله يقوم برحلة فنية إلى «الجزائر» فى ظل «العشرية السوداء» وهى سنوات عانى خلالها الشعب الجزائرى من عصابات الإرهاب، وكان عادل إمام فى مقدمة الفنانين الذين ذهبوا إلى بلد المليون شهيد، وهناك وجد الاستقبال الحافل من جماهيره فى الدولة الشقيقة، ورغم أن «المثقفين» لا يعتبرون الفن الذى يقدمه «عادل إمام» فناً رفيعاً، إلا أن «الجماهير» اعتبرته المعبّر عنها، واعتبرته «ولدها» القادر على رسم ضحكة على الوجوه الشقيانة وهذا مجد كبير ونجاح لم يبلغه أحد فى جيله، وهذا سر بقاء أعماله حاضرة فى وجدان الناس حتى يومنا هذا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3
رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...
حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...
11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...