هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

د. محمد عمر سيف الدين – باحث في الشؤون الإيرانية 

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال حقبة السبعينيات، ألا وهي الشاعرة ومؤلفة الأغاني المخضرمة "هُما مير أفشار". داعبت أشعارها حناجر إيران الذهبية أمثال: حُميرا، الشقيقتين هايدة ومهستي، ليلى فروهر، ستَّار، مُعين، شاهرُخ شاهيد، الشقيقين شُهرة وشَهرام صولتي، وغيرهم الكثيرين.

بعد معاناة طويلة مع أعراض الشيخوخة والزهايمر، توفيت "هُما" في ولاية "لوس أنجلوس" الأمريكية يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 عن عمر يناهز 89 عامًا، حيث أمضت الفصل الأخير من عمرها بعد الثورة الإيرانية في بلاد الغربة.

أحدث خبر وفاتها صدمةً كبيرةً لدى المطربين الإيرانيين ومحبي قصائدها في البلدان الناطقة باللغة الفارسية، وتبارى الجميع في عزاء أنفسهم والوسط الموسيقي الإيراني عبر وكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي.

على مدار سنوات طويلة، تربعت "هما" على عرش الشعر الغنائي في إيران، وتهافت على غناء قصائدها أغلب المطربين الإيرانيين، إذ تميزت بالكلمات السلسة العذبة والمعاني العميقة في الوقت نفسه، إلى جانب الألحان التراثية الأصيلة وموسيقى البوب الجذابة.

نظمت "هما" ثلاثة دواوين تضم بين دفتيها أكثر من ألف قصيدة، من بينها ما يزيد عن 250 أغنية تُصنف ضمن الأغاني الإيرانية الخالدة؛ لذا تُلقب في الوسط الموسيقي الإيراني باسم "سيدة الأغاني الألف، وملكة الشعر الغنائي"، حيث يعتبرها مؤلف الأغاني المعاصر المعروف "إيرج جنتي عطائي" مثله الأعلى، ويقول عنها: "كانت هما مشهورة قبل ظهور الأغنية الحديثة، وساندتها".

كانت "هما" رائدةً في نظم أشعار تتغنى بها المرأة إلى حبيبها أو كلمات رومانسية يتغنى بها الرجل إلى حبيبته، إذ كان مؤلفو الأغاني حتى ذلك العصر لا يكترثون كثيرًا بجنس الأغنية إن كانت على لسان امرأة أو رجل.

ملكة الاغاني الايرانية
ملكة الاغاني الايرانية
ملكة الاغاني الايرانية

في هذا الصدد، صرحت "هما" قبل سنوات مع باحث الموسيقى الكبير "محمود خوشنام" خلال برنامج "كلمة وكلمتان: یک حرف و دو حرف" المذاع عبر أثير هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) قائلة: "كنتُ أتابع أعمال الشاعرات منير طه، أو سيمين بهبهاني، أو لُعبت فالا، ولم أرَ في أغانيهن أي حس أنثوي إلا إذا كانت منشدة على لسان رجل، فإذا كان المطرب رجلًا، كن يضطررن إلى كتابة شيء يصلح أن يقوله رجل إلى امرأة. أذكر ذات مرة أن أحدًا سألني: كيف تكتبين في هذه الحالة؟ فأجبته: عندما أريد أن أنظم قصيدة على لسان رجل، فإنني أضمنها كلمات أتشوق إلى سماعها من شخص أحبه. كنتُ أصيغ هذه الكلمات في قصائد يشدو بها أكبر جولبايجاني (جولبا)، أو محمودي خوانساري، لكنني في أحيان أخرى، كنتُ أكتبها بطريقة تصلح أن يشدو بها رجل أو امرأة على حد سواء".

هكذا شطرت "هما" كينونتها إلى نصفين حتى تروي لنا حكايات منوعة، عن العشق والهوى، واللقاء والوداع، والوصال والفراق، والشوق والجفاء بين الرجل والمرأة، من "سويداء القلب على صفحات الورق" مثلما كانت تقول دومًا.

قيل قديمًا "إن لكل امرئ من اسمه نصيب"، والحقيقة أن "هما مير أفشار" أخذت من اسمها نصيبها كله من الحياة، فالـ "هُما" (هوما) في الأساطير الإيرانية هو طائر خرافي لا يحط على الأرض مطلقًا، يظل محلقًا في أعالي السماوات، يجمع في كينونته الذكورة والأنوثة. قيل مَن يظلله بجناحيه الرحبين، نال السعد والثراء وعلا شأنه في الدنيا، لذا أُطلق عليه "طائر السعد"، ورُمز إليه بـ "الملك والسلطة".

"هُما الإنسانة" كانت مثل "هُما الطائر"، جمعت في ذاتها مشاعر متناقضة عبرت بها عن أحاسيس المرأة والرجل، وأرست تقليدًا في الغناء الإيراني –ساد بعدها ولا يزال باقيًا– بأن هناك أغاني لا تستطيع غناءها أو التعبير عنها سوى المرأة، وأخرى لا يستطيع غناءها أو التعبير عنها سوى الرجل. كما أنها كانت سببًا في تلألؤ العديد من المطربين في سماء الفن الإيراني، ومثلت قصائدها جواز نجاح لهم.

إذا كان "الهُما الطائر" أسطورةً تداولتها الروايات الشعبية في إيران على مر الزمان، فإن "هُما الشاعرة" حقيقةٌ عاشها الوسط الموسيقي في إيران سنوات طويلة؛ يشهد مجدها وسيشهد على خلودها أجيال بعد أجيال.

موهبة شعرية فذة منذ الطفولة

ولدت "هُما" في 23 فبراير 1937 في طهران، وكان اسم عائلتها الأصلي (هُمايون). ظهرت موهبتها الشعرية منذ الطفولة؛ حيث تذكر في ديباجة ديوان "زهور النعناع البري: گُلپونه‌ها" الصادر عام 1973 السبب وراء نظم القصيدة المسمى بها الديوان قائلةً: "وقت السحر حين فتحتُ النافذة كي تداعب نسائم الهواء خصلات شعري الغجري وروحي المتقدة، أفعم أريج زهر النعناع البري مسام روحي. حينئذ عدتُ دون إرادتي إلى سنوات ولَّت؛ إلى عهد طفولتي. غدوتُ طفلةً صغيرةً تجلس على ضفاف جدول ماء يمر قرب بيتها، تروي آلامها إلى العشب الأخضر اليانع وزهر النعناع البري".

كان أبوها أول شخص يلحظ شغفها بالشعر، فشجعها على الكتابة، وبفضله نشرت في مستهل الدراسة الثانوية أول قصيدة لها في المجلات النسوية؛ من بينها المجلة الشهيرة آنذاك "اطلاعات بانوان: أخبار المرأة".

كما تعلمت فنون الموسيقى الإيرانية لدى الملحن وعازف الكمان الماهر "أسد الله مَلِك"، حيث اقتربت تدريجيًا من عالم كتابة الأغاني بفضل دراسة المقامات والإيقاعات الموسيقية. بتوجيه من الأستاذ "مَلِك"، سجلت اسمها في دورات الدراسة المسائية بجامعة طهران إلى أن نالت شهادة الليسانس في الآداب.

في أوائل العقد الثالث من عمرها، اقتحمت "هُما" الساحة الغنائية في إيران لأول مرة عام 1969، من خلال كتابة أغنية "أيتها السماء: آسمون"، من ألحان "أسد الله مَلِك"، وغناء "كوروس سرهنج زاده"، حيث يقول مطلعها:

«أيتها السماء؛ اُقشعِي غيمكِ وارحلي، دعيني وحيدًا واذهبي.. أيتها السماء؛ هلِّلي أسارير وجهكِ واِكتسي بالزرقة.. أيتها السماء؛ أكشِفي عن شمسك واُشرُقِي.. أيتها السماء؛ إن قلبي غارقٌ في الدماء.. أيتها السماء؛ إن قلبي وادٌ من الجنون؛ وحيدٌ شريدٌ في هذا العالم الفسيح.. أيتها السماء؛ إن قلبي بلا أنيس».

بعد بضع سنوات، تزوجت "هما" من "علي مير أفشار"، وبناءً على هذه الزيجة، غيرت اسم عائلتها من (همايون) إلى (مير أفشار)، وفق التقاليد الإيرانية الشبيهة بالتقاليد الأوروبية، وأنجبت منه ولدًا وبنتًا (كيوان وكتايون).

حمل هذا الزواج حدثًا سعيدًا كتب مسيرة "هما" الفنية بحروف نورانية في تاريخ الأغنية الإيرانية؛ إذ إن المطربة الشهيرة آنذاك، صاحبة الصوت الصدَّاح "حُميرا" كانت ابنة عم زوجها. تعارف الشاعرة المرهفة بالصوت اللامع كان شرارة أوجدت العديد من الأغاني الناجحة بينهما: لا أظن "باور ندارم"، أيها الخائن "بى‌وفايى"، الحيرى "بى‌‌قرار"، عبق النظرة "عطر نگاه"، على أمل اللقاء "چشم به‌راه"، وغيرها.

عصر الأغنية الذهبي في إيران

في مطلع السبعينيات، تصدرت أشعار "هما" العذبة وألحان "محمد حيدري" الجذابة قائمة أفضل الأغاني الإيرانية، وسطع اسم "هما" في سماء التأليف الغنائي من خلال أغانٍ رائعة، مثل: مجنونة بكَ "دیوونتم" بصوت حُميرا، قلبي يود "دلم مى‌خواد" بصوت هايدة، الحانة "ميكده" بصوت أكبر جولبا، نظرتك الدافئة (الحياة) "نگاه گرم تو (زندگی)" بصوت عبد الوهاب شهيدي.

غنوة "الرحيل: رفته" واحدة من أجمل قصائد "هما"؛ لحنها الموسيقار الكبير "همایون خُرم"، ووزعها بأسلوبٍ سابقٍ لعصره الموزع الأرمني البارع "آندرانيك آساطوريان"، وشدت بها ملكة الأغنية الإيرانية "إلهه".

بسبب نسب هذه الغنوة في بعض المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى كاتب الأغاني الشهير "رحيم معيني كرمانشاهي" خطأً، اضطرت "هما" إلى توضيح هذا الأمر قائلة: "إن المرحوم معيني كرمانشاهي نفسه كذَّب هذا الموضوع أكثر من مرة، والنقطة الأخرى أيضًا أن هذه الأغنية، قصيدة نسائية خالصة، ومن أوائل الأشعار النسائية المعبرة عن أحاسيس المرأة".

الحقيقة أن ما يبرز نسوية هذه القصيدة بامتياز، هو مقطعٌ تُشير فيه "هما" إلى قضية طلاق المرأة وعواقبها في المجتمعات الشرقية، واصفةً إياها بـ "ختم البطلان"، حيث تقول:

«يا مَن رحلتَ وأخذتَ معك قلبي الكسير، هكذا سلَّمتَ جسدي إلى العاصفة.. يا مَن مَهَرتَ دفتري بختم البطلان!! ماذا لم يحلّ على رأسي من بعدكَ؟ يا إله الكون: كيف أصدق أنني في دنيا بلا مأوى أو سند، لم يعد ظله يظلل رأسي، وبات يضحك خلسةً على موتي وانهياري».

تعتبر البساطة والاقتراب من الوجدان الشعبي من أبرز خصائص "هما" الأسلوبية في كتابة الأغاني، يتجلى هذا الأمر بوضوح في غنوة "العاشقة: خاطرخواه" من ألحان "أنوشيروان روحاني"، وغناء "عهدية".

ظهرت هذه الغنوة لأول مرة في فيلم "خاطرخواه" عام 1972، من سيناريو وإخراج "أمير شروان"، حيث أدتها الممثلة البارزة آنذاك "فروزان" بأسلوب تحريك الشفاه أمام النجم المعروف "ناصر مَلِك مطيعي"، حيث تقول "هما" في كلمات بسيطة استقتها من عبارات متداولة بين عموم العاشقين:

«أنا عاشقةٌ؛ أعلم أنني عاشقةٌ ولهى.. أقسم بالله أهواكَ.. إنني عاشقةٌ حيرى.. إنني عاشقةٌ ملوعةٌ.. أهواكَ وحدكَ في الدنيا وأموتُ من أجلكَ.. إنني أسيرةٌ لكَ وعاشقةُ عينيكَ السوداوين.. يا إلهي؛ أنتَ جميلٌ، أنتَ قمرٌ أفديكَ بروحي.. إنني عاشقةُ شفتيكَ المعسولتين».

 زهور هما الشعرية

تعد أغنية "يا زهور النعناع البري في صحراء آمالي: گلپونه‌های وحشی دشت امیدم" واحدةً من أشهر قصائد "هما"، لحنها "حسين برنيا"، وغناها "إيرج بسطامي"، تقول كلماتها:

«يا زهور النعناع البري في صحراء آمالي، لقد حان وقت السحر.. رحل سكون الليل وحل غدٌ جديد، وأنا لا زلتُ وحيدًا، بقيتُ وحدي وسط سيول حزني على حبي.. يا زهور النعناع البري؛ لقد أحرقني الجفاء.. يا زهور النعناع البري لقد أحرقتني الوحدةـ».

اختارت "هما" هذه القصيدة فيما بعد كي تنشرها في أول دواوينها "زهور النعناع البري" عام 197۳، كما صنفت مجموعة أخرى من أشعارها في كتاب حمل عنوان "زهور النعناع البري – الجزء الثاني"؛ كانت من قصائده:

«يا كُل أفكاري في ليلي ونهاري.. يا كل هذياني في صحوتي وغفوتي.. يا مَن تسللتَ في كياني كـالروح؛ كشذا زهرةٍ اختفى في زهرةٍ أخرى.. آه يا أغلى ما أقسمُ به.. يا من تسكنُ دمعتي وبسمتي، يا من تجري في عروقي كالدماء، وصرتَ نورَ عيني.. يا من يكمنُ في عينيكَ جلالُ السماء، إنني فداءُ ظلمِكَ ورقتِكَ وغضبِكَ».

ثالث دواوين "هما" الشعرية كان "شقائق النعمان: آلاله‌" عام 2001، بالإضافة إلى ديوان آخر كان قد نُشر عام 1983 تحت عنوان "گلچین آذری: مختارات آذرية"، ضم بين دفتيه مجموعة من القصائد باللغة الآذرية.

على جناح "هما" الشعري، حلَّق في سماء الغناء الإيراني عمالقة موسيقى البوب في الزمن الجميل؛ مثل: هايدة، مهستي، داريوش إقبالي، إبي، ستَّار، مارتيك. كما ساهمت أشعارها في شهرة نجوم آخرين مثل: شاهرخ شاهيد، معين، شهرام صولتي، شهرة، شكيلا، ليلى فروهر.

بالإضافة إلى ذلك؛ وهبت قصائدها روحًا جديدةً إلى ألحان أعلام الموسيقى الإيرانية أمثال: أسد الله مَلِك، أنوشيروان روحاني، محمد حيدري، جهان بخش بازوكي، بابك أفشار، عماد رام، حسن شماعي زاده؛ حيث كانت قوة كلماتها وقدرتها الفائقة على الارتجال في الكتابة سببًا في تخليد ألحانهم الجياشة.

في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات لم تكن أغاني "هما" تتردد على ألسنة الشعب الإيراني فحسب، بل كانت في الوقت نفسه صحفية من طراز خاص، استطاعت اقتحام عالم السجون والكتابة عنه.

في تلك الفترة، كانت "هما" تزور السجن مرة كل أسبوع، وتجري لقاءات وتحقيقات مع السجناء والسجانين، وتعد تقارير مثيرة، نُشرت في الصحيفة الأسبوعية "جوانان امروز: شباب اليوم"، حيث حظيت بنسب قراءة مرتفعة، محققةً انتشارًا واسعًا لـ "هما" كصحفية.

الثورة الإيرانية؛ الاعتقال والهجرة القسرية

أدى اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 إلى تعطيل كل الأنشطة الفنية بما فيها الموسيقى والغناء، حيث أُغلقت المسارح ودور العرض السينمائي والملاهي الليلية، فضلًا عن إحراق عدد كبير منها في عنفوان الثورة باعتبارها ترمز إلى نهج الحياة الغربية. كل هذا دفع عددًا كبيرًا من الفنانين إلى الاعتزال والابتعاد عن الأضواء، لكنه قاد عددًا آخر من بينهم "هما" إلى السجن بسبب العلاقة بالعائلة الملكية أو تقديم أعمال تمجدها.

ألفت "هما" أغنيتين شهيرتين بمناسبة ذكرى ميلاد الشاه "محمد رضا بهلوي"؛ الأولى عام ۱۹۷۲ بعنوان "عليك البقاء: تو باید بمانی" من ألحان "أسد الله مَلِك" وغناء "مهستي"، تقول كلماتها:

«أيها الملك؛ عليكَ أن تعلم أنكَ كوروش ثانٍ.. أيها الملك عليكَ أن تعلم أنكَ التاج الكياني وصولجانه.. من دونك إيران جسدٌ بلا روح.. يجب أن تعلم عليك البقاء».

أما الأغنية الأخرى، فكانت عام 1975 بعنوان "الملك اليقظ: شاه بیدار"، من ألحان محمد حيدري، وغناء "أكبر جولبا". غُنيت أول مرة في برنامج تلفزيوني كان يقدمه الإعلامي الإيراني المعروف "فريدون فرح أندوز"، ويرى الكثير من نقاد الموسيقى أن هذه الأغنية تحديدًا كانت أحد الأسباب الرئيسة في منع المطرب "أكبر جولبا" من الغناء وتوقف نشاطه الفني سنوات طويلة، تقول كلماتها:

«مَن نام، ومَن سهر في قلب هذه المدينة المحمومة؟ الأمة غارقة في نوم هانئ، وعينا الملك ساهرتان.. يا قلبي لا تخشَ من ظلام الليل، فالجميع يعلم إذا كان الملك رحيمًا، فلا مأمن من غضبه على الأعداء».

بعد فترة وجيزة من اندلاع الثورة، اعتُقلت "هما" وأمضت ستة أشهر قيد الحبس في سجن أُرومية المركزي (رضائية سابقًا)، وهناك تعرفت إلى "جلالية مشعل أسكوئي"، وهي سيدة بهائية أُعدمت في 10 مايو 1982 بطريقة مجهولة.

كانت السيدة "جلالية" تشغل منصب مديرة مدرسة ثانوية قبل اعتقالها، وهي واحدة من بين 206 أشخاص وردت أسماؤهم في تقرير "المجتمع البهائي العالمي"Baháʼí International Community  المنشور عام 1999، وهو يتناول خطة النظام الإيراني في القضاء على الأقلية البهائية في البلاد.

دونت "هما" هذه الواقعة في مذكراتها خلال الحبس، حيث تقول: "بات واضحًا أننا لن نرى السيدة جلالية مشعل مرة أخرى؛ بتلك الملامح الرقيقة والوداعة والوجه البشوش. كانت هناك غصة تخنق حلوق السجينات، فنهضتُ من مكاني ببطء، وتوجهتُ إلى سريري. تناولتُ باقة زهور من فوقه كنتُ قد قطفتها صباحًا، وعدتُ في هدوء بخطى مرتجفة، واقتربتُ من سرير السيدة جلالية. كان أثر رأسها الرقيق لا يزال باقيًا على الوسادة؛ فأودعت باقة الزهور فيه، وفجأة انفجرت غصة السجينات بالبكاء.

لم تكتفِ "هما" بتسجيل هذه الواقعة نثرًا، بل خلدتها في قصيدة موجعة أهدتها إلى روح "جلالية" الطاهرة، رمز القوة والثبات على المواقف، حيث كتبت:

«أتذكرين حين قلتِ وقلتُ كم هي ضيقة زنازيننا. في هذا الحيز الموحش؛ كم تختنق أنفاسنا!! كنتِ تريدين التحرر وكنتُ أريد التحرر. كنتِ تريدين التضحية بنفسكِ، وكنتُ أريد الرحيل».

بعد خروجها من السجن وهجرتها إلى الولايات المتحدة، تحدثت "هما" في حواراتها الصحفية مرارًا وتكرارًا عن تلك الفترة ووصفتها بـ "سنوات الوحدة والشتات"، ومع ذلك لم تتوقف قط عن نظم الشعر، وأبدعت العديد من القصائد.

بفضل خلفيتها الصحفية، كانت تمتلك مهارات التواصل مع الناس داخل إيران وخارجها، حيث تقول عن ذلك: "الإيرانيون ينتظرونني، قلوبهم تتوق إلى عودتي ويتساءلون: متى ستأتين؟ كي نحتضنكِ ونقبلكِ. على أية حال؛ إنهم يسعدونني ويجعلونني أحس بأنني لا أزال على قيد الحياة".

هذا التواصل المستمر مع الناس كان حافزًا قويًا دفع "هما" إلى مواصلة مسيرتها الشعرية، إلى أن اختارتها "الأكاديمية العالمية للفنون والآداب والإعلام (والم)" World Academy of Arts, Literature, and Media – WAALM عام 2006 كأفضل شاعرة، ومنحتها "جائزة اللبؤة الذهبية الفارسية"  Persian Golden Lioness Award

بهاريات هما

قبل الثورة، كانت "هما" من أكثر الشعراء غزارة في نظم القصائد الخاصة باستقبال الربيع "البهاريات" أو رأس السنة الإيرانية "النوروز"، وتقديمها في هيئة الإذاعة والتلفزيون الوطنية آنذاك. بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة، كتبت العديد من قصائد الربيع؛ من بينها أنشودة "لقد حل النوروز: نوروز رسیده‎است" عام ۱۹۹۰، من ألحان "كامل علي بور"، وغناء نخبة من الأصوات النسائية الجميلة: مهستي، جولوريا روحاني، شهلا سرشار، شايستة ظلي.

في عام 1993، نظمت الأنشودة الشهيرة "الربيع الجديد: نوبهار"، ولحنها "مرتضى برجسته"، وغناها كورال جماعي مكون من قامات الغناء الإيراني في المهجر، شمل كلًا من: بيجن، عارف، ستَّار، مرتضى، أندي، كوروس، ليلى فروهر، فتانة، دلارام.

حققت الأنشودة نجاحًا ساحقًا، ولا تزال تتصدر قائمة الأغاني الأكثر استماعًا في أعياد النوروز، إذ تحتفي بقدوم الربيع حاملةً في ثنايا كلماتها غزلًا في عشق إيران الأرض والوطن وحنينًا إليه.

في مقابلة أجرتها مع الشبكة الهولندية الناطقة بالفارسية "راديو زمانه"، تحدثت "هما" عن نجاح أنشودة "نوبهار" قائلة: "إذا كنتُ كتبت هذه الأغنية، فقد كتبتها حتى يتذكر الناس ماذا يعني النوروز. كنتُ أعلم أنها ستبقى، وأدرك أنها ستذاع على مدار سنوات بعد رحيلي. ربما في تلك الأيام سيقول الناس: إن شاعرةً بعيدة عن وطنها، كتبت هذه الأغنية من أجل إيران".

منذ استقرارها في ولاية "لوس أنجلوس" إلى أن وافتها المنية الثلاثاء الماضي، ظلت "هما" تكرر عبارة واحدة في أغلب لقاءاتها الإعلامية، صارت قولًا مأثورًا يلوح فيه الحنين إلى إيران: لقد تركتُ قلبي في مكانٍ ما، ولا أدري أين!!

 

 	د. محمد عمر سيف الدين

د. محمد عمر سيف الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...

19 % زيادة فى أرباح «الإنتاج الإعلامى» خلال الربع الأول من العام المالى 2026

أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...

خالد النبوى يحضر «طاهر المصرى» الشهر المقبل

أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.

ياسر جلال: أتمنى عودة الاحتفال بـ«بعيد الفن»

أسعى لتغيير صورة الفنان