صلاح السعدنى الفلاح الجدع الـذى عشقه المشاهدون

قدم الدور كثيراً لكنه تلون مع كل شخصية

ليس مجرد فنان موهوب ومهم قدم الكثير من الأدوار الفنية... لكنه إحدى علامات تاريخنا الفنى فى المسرح والسينما والتليفزيون، ملامحه تشبهنا تماماً، خفة ظل وبساطة، جسارة وجدعنة ووعى وثقافة، صاحب ملامح ذهبت معه دائماً فى كل الأدوار التى قدمها.. فهو «حسن النعمانى» أسطى الأرابيسك الصنايعى ابن البلد الشهم المحب للناس فى مسلسل (أرابيسك)...حتى أصبح الفلاح وابن البلد السمة السائدة فى معظم الأدوار وظل للريف وحقوله الخضراء مكانة مهمة فى مسيرة الفنان الكبير، ولم يمل الجمهور من اختياراته المتنوعة فى هذا القالب.

منذ أن حقق نجاحاً كبيراً فى أولى خطواته الفنية، بدأ اسمه يداعب عقول المخرجين لاختياره فى الأدوار المركبة بسبب قدرته الهائلة على «لبس» الشخصية، وبراعته فى تجسيد الملامح النفسية باقتناع وسلاسة دون تكلف، فسلك طريقاً مغايراً عن أبناء جيله، إلى أن تربع حينذاك على عرش الدراما التليفزيونية، من خلال أدواره التى كان معظمها يدور فى دائرة ابن البلد الشهم الجدع، والفلاح صاحب الأصول المدافع عن المبادئ.

فى فيلم «الأرض» عام 1970، جسد دور «الواد علوانى»، الفلاح المسحوق صعلوك القرية، الذى لا يملك أرضاً ولا مالاً، لكنه لا يتأخر عن مساعدة الرجال فى وقت الشدة، ويحلم بالعدالة والحرية شخصية جسدها. وفى مسلسل (ليالى الحلمية) جسد «سليمان عبدالتواب غانم» العمدة الفلاح الأصيل، الذى جاء من قرية بيت الغانم ويضع رأسه برأس كبار رجال الدولة، ودفعته تطلعاته إلى الترشح للبرلمان والفوز، وأصبح عضواً فى البرلمان. جاء إلى الحلمية واضعاً خطة للانتقام من ابن «البدرى» المتسبب فى موت أبيه، ثم شيئاً فشيئاً انخرط فى أزماته ومشاريعه الشخصية، دون أن ينسى عدوه اللدود، واستطاع السعدنى بكل براعة تصوير حالة الهذيان التى أصابت الشخصية مع وصولها إلى مرحلة الشيخوخة، والتى زودت من جرعة الكوميديا.

فى مسلسل (الناس فى كفر عسكر)، نجده «عبدالقادرعوف» المدافع عن أرضه، والرافض تماماً أن يفرط أبناؤه أو أقاربه فى بيعها، ويقف لهم بالمرصاد.

أما فى مسلسل «أبواب المدينة» سنة 1981 الذى لعب فيه دور البطولة، إلى جانب النجمين محمود المليجى وعبدالمنعم إبراهيم، فركزت أحداثه على أبناء الريف الذى يأتون إلى المدينة طلباً للعلم والعمل، محملين بالكثير من الأحلام والطموحات، لكنهم يعيشون فى حالة من الحيرة بين التمسك بأصلهم والانخراط فى المجتمع الجديد، وجسد السعدنى شخصية «أمين» طالب الطب، التائه بين ابنة عمه القروية التى يغازلها فى إجازة صيف وزميلته الجامعية التى يرى أنها تناسب مستقبله فى المدينة، من دون أن يقدر على مصارحة أى منهما بالحقيقة.

مسلسل «وجع البعاد» عن فلاح بسيط يمتلك قطعة أرض زراعية صغيرة، ويحاول العمدة انتزاع ملكيتها وتخصيصها لأحد المشاريع الحكومية، ويسافر الابن للعمل بإحدى دول الخليج، ليعوض والده ويشترى قطعة أرض بدلاً منها، لكنه يفشل ويرسل إلى عائلته «شريط مسجل»، ويضطر والده إلى استعارة جهاز تسجيل من أحد اللصوص. المسلسل عن رواية للكاتب يوسف القعيد، وسيناريو وحوار مصطفى إبراهيم، وبطولة حسن حسنى ومحسنة توفيق ومنى زكى وأبوبكر عزت، وإخراج إسماعيل عبدالحافظ.

أما شخصية ابن البلد الشهم الذى يساعد الجميع، ويعتمد عليه الكل، ويحافظ على العادات والتقاليد، فقد جسدها فى أكثر من عمل، حيث أحب الكثيرون دور حسن فتح الله النعمانى بمسلسل «أرابيسك» الذى تدور أحداثه فى حى شعبى حول شخص يمتلك ورشة لصناعة الأرابيسك، صنايعى ابن بلد محب للناس يتميز بالشهامة والرجولة، ويسعى لحل مشاكل اهل الحى، ويسبب له هذا المشاكل، وفى نفس الوقت لم يستطع مجاراة التغيرات التى شهدها المجتمع وأفقدته هويته وثقافته الأصيلة، فانصرف إلى جلسات السهر لينسى همومه.

فى مسلسل «الباطنية»، جسد دور الحاج إبراهيم العقاد، المعلم الكبير، وتدور أحداثه فى حى الباطنية حول تاجر مخدرات يمتلك مغلقاً للخشب كستار من الحكومة لتجارة المخدرات، ويقع ابنه بحب فتاة فقيرة تدعى وردة ويتزوجها عرفيا، ويسعى الاب لتفريقهما فتسعى وردة للانتقام.

فى البداية يقول الناقد والمؤرخ الفنى أشرف غريب: أهم ما يميز الراحل العظيم أنه كان يمثل، ولكن المشاهد لا يشعر بأى تكلف فى الأداء، بالإضافة إلى أنه كان مثقفاً ثقافة موسوعية فى كل جوانب الحياة بشكل عام، مكنته وأعطته قدرة كبيرة على الاختيار، وهو من الفنانين القلائل الذى لم يقدموا أعمالاً ضعيفة المستوى فى فترة الانتشار، فنلاحظ مدى النضج الذى كان يتمتع به الراحل، مثلاً جسد دور الفلاح علوانى فى «الأرض»، ودور سليمان غانم فى «ليالى الحلمية»، ورغم أنه كان فلاحاً فى الدورين، لكن أداء الراحل جعل منها أيقونة مهمة فى مشواره الفنى الطويل، لأنه كان يعكس روحه وأداءه على الشخصية.

وأضاف: أكثر ما يميز الفنان الراحل أنه كان يعطى الشخصية التى يؤديها قوة كبيرة، ويكسوها لحم ودم، فلا تستطيع أن تتصور أى شخص غيره فى دوره، فهو بكل براعة يستطيع أن يتلون مع كل شخصية، ليكن الاختلاف الكبير ليس فى الورق والكتابة فقط، كما كان يتمتع بمهارة أنه يأخذ من الممثل الذى يقف أمامه ويعطيه، وبلغة أخرى كان الراحل يتمتع بقماشة تمكنه من أداء أى دور يسند إليه، لذا كان يستحق مكانة أكبر وبطولات، ويكون فى الصف الأول مثل أبناء جيله محمود ياسين ونور الشريف.

بينما يؤكد الناقد الفنى جمال عبدالناصر أن التركيبة الفيزيكالية للراحل الكبير جعلته لا يستطيع أن يؤدى سوى هذه الأدوار، فهو الجدع ابن البلد ذو الأصول الريفية، لأنه شبه طين الأرض، ورغم أنه كرر الدور نفسه فإن الجمهور لم يمل من الشخصية، لأنه مع كل مرة كانت التفاصيل تختلف، فالمشاهد لا يتصور أى شخص يؤدى هذا الدور غيره، وحدث هذا مع أبناء جيله من الفنانين، نجد مثلاً أحمد زكى قدم دور الصعيدى فى أكثر من عمل، ولكنه فى «البيه البواب» مختلف عن «الهروب».

Katen Doe

إيمان الخولى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نسرين
عسر

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص