أبى لم يخطط أن يكون كاتبا تليفزيونيا.. ودخل الدراما التليفزيونية من «سكة» الإحباط «الحلمية والشهد والدموع» لم يكونا الأقرب إلى قلبه.. وكان يفضل عملين أقل شهرة ونجاحًا كان قارئا كبيرا لنجيب محفوظ.. ولهذا السبب لم يتعاون مع عادل إمام كان ناصريًا لكنه انتقد عبد الناصر وصبأ بالناصرية بسبب زوجة والده.. قدم نموذج زوجة الأب المعطاءة السينما ظلمته كثيرا.. والدراما أخذته من الأدب والرواية والدى مزيج من على البدرى وأبو العلا البشرى وحسن أرابيسك وبشر عامر
هذه حلقات مسلسلة عن بعض رموز مصر ومبدعيها الكبار الذين مروا فى حياتنا وتركوا بصماتهم محفورة فى تاريخنا لا تنمحى ولا تزول.. نتذكرهم ونتذكر آثارهم العظيمة ونعرف وجوها أخرى من حيواتهم المتألقة بكل ما هو جميل وعظيم من خلال أبنائهم وبناتهم.. أقرب الناس إليهم الذين عاشوا معهم واقتربوا منهم وكانوا أحب الناس إليهم ليذكروا وليتذكروا معنا أطيافا من حياة هؤلاء الكبار.
نبدأ حلقاتنا عن رموز الإبداع المصرى بكبير من الكبراء وعظيم من العظماء حقق عن جدارة واستحقاق لقب عميد الدراما التليفزيونية، و أظن أن كل من يقرأ هذه السطور بات يعرف هذا الراحل العظيم أسامة أنور عكاشة الذى نقل الدراما التليفزيونية المصرية والعربية نقلة نوعية كبرى..وحقق لها حضورا طاغيا فى الوجدان الجمعى فصار لها عشاق كثيرون، وعرفنا أن شوارع المدن والقرى كانت تخلو من المارة فى كثير من أوطاننا العربية حين كانت تعرض رائعة من روائعه.. إنه صاحب الملاحم والعلامات الدرامية الخالدة ليالى الحلمية والشهد والدموع و زيزينيا و أرابيسك وأبو العلا البشرى وغيرها من الروائع الدرامية.. شرفنا هنا بالحوار مع ابنته الرؤوم التى ورثت عنه النبل والحضور الإنسانى الطاغى وعندها الكثير من موهبته ومن محبته.. نسرين أسامة أنور عكاشة المذيعة المتألقة براديو مصر ذات الصوت الجميل لندعها تتكلم..
سألتها فى البداية عن أسامة أنور عكاشة الأب فقالت واسترسلت:
حين أتحدث عن أسامة أنور عكاشة الأب فالإجابة واسعة جدا والكلام كثير لا يمكن الإحاطة به بشكل كامل، هو أب مختلف من نفس منطلق أنه مبدع مختلف، وهو كإنسان مختلف منذ لحظة ولادته ونشأته الأولى.. هذه النشأة وظروفها خلقت منه بنى آدم مختلفا.. مثلا تيتم مبكرا جدا من ناحية الأم حين فقدها قبل أن يكمل السابعة من عمره، ثم ظروف عمل والده التى حتمت عليهم التنقل من مكان إلى آخر، وفى ظروف الانتقال هذا كان يقابل أناسا كثيرين ويمر بظروف كثيرة، كل هذه الأمور كان لها تأثيرها فى شخصيته، كان أول ملمح أتذكره عنه كأب هو حجم الحنية التى لا تظهر بشكل مباشر تشوفه الأول تشعر بأنه حد قوى وأسد وحاسم، لكن الملمح الأول فى بيته ومع أحبائه وكأب إنه كان يخاف جدا جدا على أولاده.. والشجاعة والجرأة التى كانت تظهر عليه فى الخارج وحواراته و سجالاته و أمور حياته عكسها تماما خوفه الشديد على أولاده.. ده غير أنه كان يستطيع أن يصنع التوليفة الغريبة ما بين البنى آدم العميق الذى يمتلك طوال الوقت معانى يعطيها لك وهو يتعامل معك وما بين بساطته فى التعامل، يعنى مثلا ببساطة شديدة فى جلسة مثلا مع أبنائه يلعب معنا لكنه خلال هذا اللعب يعطينا المعلومة، وفى نفس الوقت يرسخ لدينا قيما ويعودنا على حاجات معينة ويكسبنا طباعا وسلوكيات محمودة، ويملأ وجداننا بحاجات بشكل غير مباشر وببساطة شديدة جدا، فهو بنفس المنطق الذى جعله كاريزما إبداعية كان أيضا كاريزما إنسانية وفى القلب من هذه الكاريزما قيامه بدوره كأب يحب أبناءه ويحنو عليهم ويعلمهم.
طفولة صعبة
يتواصل الحوار مع نسرين وتحدثنا عن ظروف طفولة والدها أسامة أنور عكاشة وتقول: هو كان يحكى كثيرا عن أيام طفولته وظروف مرض والدته، وكيف تأثر بها ما أثر فيه بشكل كبير: فقد تعلق بوالدته وعاصر مرضها وهو طفل صغير يعيش فى مأساة مرض أمه لكنه أيضا لا يستوعب كثيرا فكرة المرض، ثم وفاة هذه الأم، وهو فى سن مبكرة.. مسألة أنه كان متعلقا جدا بوالدته ثم فجأة لم يجدها خلقت منه حالة أخرى جعلته أميل طوال الوقت للإحساس بالألم والشجن.. فى كل أمور حياته.. هى توفيت وهو لم يكمل سبع سنين، وهو العمر الذى كان قد بدأ يدرك فيه كم هو متعلق بأمه التى رحلت ولم يكن قد شبع من أمومتها وأحس بافتقاده للحنان وكان إحساسا مريرا.. هذه المسألة كان من الممكن أن تؤتى نتائج سلبية.. وتؤثر بالسلب فى أحاسيسه ومشاعره لكنها خلقت منه حاجة تانية، وهو تشكل بذرة الإبداع العظيم و هذا ملمح آخر مهم، ثم كان هناك أمر آخر له دور مهم فى تشكيله فى البداية، فقد تزوج والده بعد رحيل أمه، وهذا ملمح آخر مهم .. كانت زوجة والده إنسانة عظيمة بكل المقاييس وحالة إنسانية جميلة لذلك هو أظهر زوجة الأب على أحسن ما يكون فى كل أعماله.. فى البداية رفضها تماما لأنه كان متعلقا بوالدته وعلشان كده «ورى زوجة والده الويل».. فى البداية هو وأخواته لكن لأنها أغرقتهم عطاء وحنانا وتعاملت معهم كأبناء هو أحبها وتعامل معها كأم، فلهذا عوضته عما كان يفتقده من حنان الأم، لذلك قر فى وعيه مبكرا دور المرأة بشكل عام ليصبح نموذج المرأة فى دراما عكاشة مليئا بالدفء والإنسانية.. ومثلا استمتعنا وجدانيا وتأثرنا بنموذج زوجة الأب التى تربى مثل أنيسة فى الحلمية، الذى جسدته ببراعة محسنة توفيق وآمنة فى زيزينيا الذى جسدته بعظمة هدى سلطان، وهو هنا وفى كثير من أعماله يظهر ويحتفى بنموذج الأم التى لم تنجب ولو بشخصية صغيرة يبين من خلالها قد إيه إن الأم التى لم تنجب ممكن تكون أما عظيمة، وحتى الأم كأم مثلا مثل شخصية زينب فى "الشهد والدموع" بيطلع نموذج عظيم، وهذا الأمر فى دراما أسامة أنور عكاشة له جانبان الأول افتقاده لأمه الحقيقية والثانى تقديره ومحبته لما قامت به زوجة والده من دور فى حياته..
أما عن أشقائه فتقول نسرين والدى كان له أخ وأخت فقط.. وأخته كانت أكبرهم وأبى هو الابن الأوسط ثم عمى، وقد توفى شقيقاه فى حياته.. عمتى توفيت مبكرا، وهى أيضا كانت تعوض دور الأم بالنسبة له، وقد تعلق بها وحزن جدا حين رحلت، وبعدها رحل شقيقه الأصغر وحزن كثيرا أيضا، وهم ينتمون إلــى مدينة طنطا غير أنهم عاشوا فى كفر الشيخ حين كان طفلا.
كلهم أبنائى
ينتقل الحوار مع نسرين إلى محطة إبداع أسامة أنور عكاشة وأسألها عن أقرب أعماله إلى قلبه لتجيب.. كان يقول عن أعماله بشكل عام كلهم أبنائى، لكن فلتت منه كام مرة كده واحنا كنا بنحسها كمان أنه كان يعتبر أن عابر سبيل - وهو من أقدم أعماله - "وقال البحر" هما العملان الأقرب إلى قلبه، هو قال ذلك بلسانه قال إنهما الأقرب لروحه أو لتركيبته الإبداعية، وقد نندهش أن هذين المسلسلين أقرب إليه من الأعمال الأكثر شهرة حتى إنه كان يريد أن يستكمل عابر سبيل فى جزء ثان، وكان بصدد كتابة معالجة درامية له، لكن ظروف مرضه حالت دون ذلك، لكن أيضا كنت ألمح و أعى جيدا أنه مثلا حين كان يشاهد أرابيسك أو زيزينيا تبدو عليه أمارات الحب لكلا المسلسلين وتبدو أيضا شدة تعلقه بهما.
وهنا أبدى لمحدثتى نسرين أسامة أنور عكاشة تعجبى، فقد كنت أظن أن الشهد والدموع مثلا هو الأقرب له باعتباره المسلسل الذى قفز باسم عكاشة قفزة كبيرة، فأجابت هو أيضا كان يحب بعض الملامح الأخرى من أعمال أخرى مثل الشهد والدموع، وكان دائما يشعر أن الأعمال التى قربته للناس، ومن أسباب شهرته لها غلاوة لوحدها لكن أبى لم يكن يتعامل مع العمل الدرامى أنه عمل قصة وخلاص لكنه عمل أدبى بالأساس فيه إسقاطاته ورموزه وماذا يريد أن يقول من خلاله، فهو كان يحس دائما أن الأعمال الأعمق هى الأقرب وهذا هو تحليلى الخاص، فالشهد والدموع كان يحكى قصة اجتماعية فيها تاريخ أو لها ملمح تاريخى، لكنها فى النهاية قصة عادية، يقدم للمشاهد قصة يحبها لكن مافيهاش العمق اللى عكاشة كمبدع بيحبه، وهو قال مرة فى حوار تليفزيونى "إنه ممكن جدا أن تكون أعمالى الأقرب لنفسى ليست هى الأشهر لكن لا بد أن نذكر أن الشهد والدموع هى من قربتنى للناس".......
وهنا لا بد أن أذكر أن أبى لم يكن فى خططه أن يكون كاتبا تليفزيونيا أو كاتب سيناريو وحوار، فهو بالأساس روائى، وكان عايش فى البداية صراعا بين أن يواصل مسيرته كأديب له طموحه الأدبى وأحلامه الأدبية، وما بين متطلبات حياته التى يريد أن يعيشها، والتى لن يوفرها له الأدب وكتابة الرواية، وكذلك فى داخل هذا الصراع فكرة إنه موظف ولا بد أن يكمل حياته، وفى لحظة هذا الصراع التقى المخرج فخر الدين صلاح الذى أقنعه بكتابة السيناريو والحوار، وكذلك بغيره ممن أرادوا مساعدته فى أن يتحرك ناحية الدراما، وطبعا فى البداية طلب منه فخر الدين صلاح العمل على سبيل التجربة لأنهما كانا صديقين فلما كتب (وقال البحر) و وجد أن العمل نال استحسانا وأشاد به الكثيرون، بدأ يشعر أنه من الممكن أن يكون لديه رافد آخر يطلق من خلاله نفس أحلامه بشكل آخر وهو الدراما، وأستطيع أن أقول إن أسامة أنور عكاشة ذهب للدراما من سكة الإحباط.. فسبحان الله رايح محبط لكنه وجد لنفسه رافدا آخر يستوعب موهبته وقدراته وهنا وجد نفسه كما يقال.. هنا قال لنفسه "هذا رافد أضع فيه أفكارى و أصل من خلاله للناس فلم لا" لكن حبه للرواية كان ظاهرا فى عمله، هو لآخر لحظة بيشتغل الدراما بروح الأديب، وهدفه أن يوصل أفكاره الأدبية وطموحاته الأدبية للمتفرج.. ولم يكن هدفه بالأساس أن تحقق أعماله شهرة ونجومية له.. لكن هذا حدث لأن أعماله كانت رائدة.
وماذا عن ليالى الحلمية؟
تقول نسرين:
أعتقد أنه فى إطار المشروع الأكبر للكلام عن المصريين وعن مصر.. فيه مشترك بين الشهد والدموع والحلمية، وكانت أحلام أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ مخرج المسلسلين الأكثر شهرة وذيوعا أحلاما مشتركة، وقد جمع بينهما تصور مشترك أيضا هو أن يكملا فى ليالى الحلمية ما بدآه فى الشهد والدموع، أسامة نفسه قال هذا بشكل أو بآخر.. فى الشهد والدموع تكلما عن مرحلة زمنية وفترة معينة خطوات ومراحل، وعن قصة معينة، فى الحلمية وسعا الدائرة بحيث تعبر عن تفاصيل أكثر وعن مدى زمنى أكبر وعن مجتمع أكبر حدوتة تاريخية، وهنا أقول إن ليالى الحلمية كانت تختمر داخل عقل عكاشة قبل أن ينتهى من كتابة الشهد والدموع ثم كتبها بعدها مباشرة.
وعن هذه الرابطة الدرامية التى جمعت بين أسـامة أنـور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ تقول نسرين:.
الاثنان نشآ نشأة واحدة فى كفر الشيخ ارتبطا وتصادقا وإن كان عكاشة قد سبق عبد الحافظ فى الدخول للدراما التليفزيونية، و فى الشهد والدموع أدرك عكاشة أن عبد الحافظ مثله يبحث عن طريقه أو سكته فتلاقيا ونجحا، وما جمع بينهما أيضا هو الأرضية المشتركة وأن أحلامهما واحدة بشكل أو آخر، وهناك ملامح مشتركة كثيرة إنسانية واجتماعية بينهما.
بمناسبة مشروع أسامة أنور عكاشة الثقافى الذى تجسد دراميا عن فكرة الهوية المصرية.. هل حدثكم عكاشة عن سؤال الهوية الذى طرحه فى مسلسل أرابيسك؟
تجيب نسرين:
هو كان يحب أرابيسك جدا وحاول أكثر من مرة على أن يؤكد هدفه من العمل رغم أنه إجمالا لم يكن يحب أن يعلن أهدافه من العمل الدرامى بطريقة مباشرة.. كان يحب أن تصل رسالته دون أن يقولها بشكل مباشر، لكن ما استشفيته من تحضيره للمسلسل وحرصه على أن نقرأ الحكاية جيدا ليعرف انطباعاتنا لأنه كان عايز يشوف الناس هاتعرف إيه وتفهم إيه، وأدرك بطبيعة الحال أنه عمل مهم ومحطة مهمة فى حياته.
فى أرابيسك حاول أن يفتح لكل المصريين أفكــارا بــخصــوص الـهوية، و كل واحد منا يستقبلها كما يشاء، هو فتح لك خطوطا عايزك أنت تستشف هويتك من غير ما يقول، وهذا واضح فى أرابيسك بدليل القفلة اللى قفل بها احنا هدينا فكيف يكون البناء، فى مشاهد كتيرة كلام كتير عايزك توصل لإيه احنا هدينا ونبنى تانى تعرف هويتك ادرس شوف تاريخك وحاضرك كويس وادرس المحيطين بك جيدا علشان تبنى مستقبلك كويس.
وأعتقد أن فرحته وفخره بالمسلسل حينما نجح نجاحاً كبيراً عكست اهتمامه بالمشروع الثقافى المصرى فى خطوة كانت الأهم بالنسبة له.. هوية الإنسان المصرى وهوية مصر، وأعتقد أن فكرة مصر والمصريين وسؤال الهوية كانت تشغله منذ طفولته.. وهو كان طفلا حزينا صامتا طوال الوقت مصدوما برحيل والدته، لكنه كان يختزن و يقرأ ويسمع ويجمع وكان شغوفا بتحليل شخصيات الناس من حوله، و انبهر بتنوع فئات وتشكيلة الشخصية المصرية الثقافية والاجتماعية وتاريخ المصريين وغيره واستمر تلقائيا يمارس هذا التحليل للشخصية المصرية، وحين كبر وبناء على خبرته فى دراسة وتحليل الشخصية المصرية صار يحب المواطن والإنسان المصرى حبا كبيرا.
وهذا الأمر.. دراسة والاهتمام بالشخصية المصرية متجذر كما ذكرت منذ طفولته، وما رسخه كثيرا لديه أنه كان قارئا منذ صغره، ومنذ أن كان عمره سبع سنوات، كان قاعد فى مكتبة ابوه، القراءة والتعبير هما كل همه عمال يقرا تاريخ و فلسفة وأدب مصرى وأدب عالمى وعلوم وعلم نفس.. وهو التخصص الذى درسه فى الجامعة بعد ذلك، فهو خريج آداب عين شمس قسم علم نفس.
وربما يفسر لنا هذا أن أسامة أنور عكاشة ومنذ شبابه الباكر، وهو فى المرحلة الجامعية كان يحب أن يطوف بأحياء القاهرة خاصة القديمة مثل السيدة والجمالية ومصر القديمة كان يحب أن (يلف يدور على طريقه) ويشوف الناس ده فى بداياته وهو فى الجامعة كسكن،
أما الإسكندرية فقد زارها صغيرا وسحر بها فكرر زياراته الطويلة لها واكتمل الموضوع حين كبر وصار أديبا، فأصبح ينظر إليها بعين الأديب، ليكتب بعد ذلك رائعة من روائعه عن الإسكندرية وهو مسلسل زيزينيا الذى طرح فيه بشكل واضح سؤالا آخر عن الهوية من خلال شخصية بشر عامر عبد الظاهر.
على ذكر شخصية بشر عامر عبد الظاهر..هل كان أسامة أنور عكاشة يشعر بقرب ما من بعض شخصياته الدرامية؟..وبمعنى آخر هل كانت هناك شخصيات درامية تشبهه فى الواقع؟
نعم هناك بعض الشخصيات من أعماله الدرامية أثرت فيه وإن لم يكن يحب أن يصرح بهذا لكنه قال لى إنه تأثر جدا بشخصية على البدرى، وتأثره بهذه الشخصية كـــان أكبـــر مما نتـــوقع (كــان شــايف فيــه نفسه وأحـــلامه وإحباطاته وانكساراته، و حتى فى سياق الشخصية الدرامى وفى تسلسل قصته مثل وفاة أمه وهو صغير ثم زوجة أبيه المعطاءة المحبة له ما يشبه حياة أبى بالتفصيل.
وتضيف نسرين: أسامة أنور عكاشة تأثر أيضا بشخصية أبو العلا البشرى التى تتطلع لحياة المدينة الفاضلة بقيمه ومبادئه التى لا يحيد عنها وربما لم يذكر ذلك صراحة، لكن البشرى يمثل أبى ويمثل ملمحا مهما فى حياته.. الرجل الذى يحارب لكى (يعدل المايلة)..وأستطيع أن أقول بكل ثقة إن أسامة أنور عكاشة كان مزيجاً من هذه الشخصيات الأربع من شخصياته الدرامية أبو العلا البشرى وعلى البدرى وبشر عامر عبد الظاهر وحسن أرابيسك.
هذا الكلام يحيلنا إلى مجموعة الفنانين الذين كان أسامة أنور عكاشة يحب وجودهم فى أعماله.. ولماذا لم يلتق نجم كبير ك عادل إمام بعكاشة فى عمل من أعماله؟
تقول نسرين يمكن أن نقول إن شغل أبى والدراما التى كتبها كانت تليق على فنانين معينين.. تقدر تقول شغله حاببهم مثل يحيى الفخرانى وصلاح السعدنى وبقية مجموعة ليالى الحلمية الذين شاركوا فى الحلمية وغيرها من أعمال عكاشة، وبالنسبة لعادل أمام أقول بشكل مؤكد كان من المفروض أن يتم الجمع بينهما فى أرابيسك لكنهما لم يتفقا.. أبى كان يحب عادل إمام وكان يحب أن يعمل معه، وكذلك عادل كان يحب أن يعمل مع عكاشة مثل سيد عبدالكريم وسيد عزمى وغيرهما.. لكن ما كان عادل يريده من مواصفات وتركيبة معينة لأدواره لم تكن تناسب عكاشة أو ما يجيده من رسم الشخصيات الدرامية..
هل صحيح أن فاتن حمامة فى ضمير أبلة حكمت طلبت أن يزورها أسامة أنور عكاشة فى بيتها لمناقشته فى تفاصيل المسلسل، فرفض وقال طالما هى عايزانى يبقى هى اللى تزورنى وزارته هى فى بيتكم ؟
لم يحدث أمامى ولو كان يريد ألا يذهب إليها، فالطبيعى وما يتفق مع شخصيته إلا يقول هى عايزانى يبقى لازم تزورنى لكن كان سيجيب بشكل مختلف طبعا مثل أنا عازمكم عندى أو شىء من هذا القبيل، وبالفعل هى جاءت له فى بداية تنفيذ العمل.
من هم أصدقاء أسامة أنور عكاشة من داخل الوسط الفنى ومن خارجه؟
تقول نسرين:.. أبى كان له أصدقاء كثيرون من خارج الوسط الفنى وأغلبهم رحلوا فى حياته وحزن عليهم حزنا شديدا، أما من داخل الوسط فكان له صديقان مقربان جدا.. المخرج فخر الدين صلاح والراحل عاطف الطيب الذى أخرج فيلمين رائعين من تأليف عكاشة هما كتيبة الإعدام ودماء على الأسفلت، وقد حزن والدى حزنا شديدا على عاطف الطيب، وكان يعتبره المعادل الإنسانى والفنى بالنسبة له.
وعلى ذكر عاطف الطيب وعن سينما أسامة أنور عكاشة التى لا يمكن مقارنة ما حققه بها بما حقق من نجاح هائل فى الدراما التليفزيونية تقول نسرين: أبى كتب عددا قليلا من الأفلام السينمائية منها ما تم تنفيذه فى حياته وحقق نجاحا كبيرا مثل كتيبة الإعدام ودماء على الأسفلت من إخراج عاطف الطيب وكلاهما نجح بشكل كبير خاصة كتيبة الإعدام، وله أيضا الهجامة وتحت الصفر، أما بعد وفاته فعرض له الاسكندرانى من إخراج خالد يوسف والباب الأخضر، وبالنسبة للاسكندرانى فأنا راضية عن المحاولة وطبعا أى حد يعمل الاسكندرانى هايقدم رؤيته و كنت أتمنى أن يخرج زى ما كتبه إلى ولكن كل واحد له رؤيته، وبشكل عام أشعر أن أفلام أبى فى السينما (اتغلوش عليها) ولم يأخذ حقه لأنه كتب أفلامه فى وقت ما كانش وقته..
وينتقل الحوار إلى علاقة عكاشة بصاحب نوبل ومحبته الكبيرة له لتجيب نسرين: كان أبى يبدع الدراما بروح الأديب وهو فى الأصل بدأ بكتابة الأدب خاصة الرواية وله روايات مطبوعة مثل «سوناتا ومنخفض الهند الموسمى» وغيرها، ومن هذا المنطلق كان يحب نجيب محفوظ كثيرا وكان متعلقا به بشدة وليس محفوظ فقط، فقد كان متعلقا أيضا بيوسف إدريس والعقاد وطه حسين.. وكان يتمنى أن تكون هناك جائزة للكتابة الدرامية تماثل نوبل ويفوز بها.. كان محفوظ بالنسبة له المثال كرسالة وأثر وموهبة، وتواصل نسرين كان أبى قارئا كبيراً لنجيب محفوظ وقرأه بعمق وكان متاثرا به جدا وتأثر بأعمال كثيرة جدا لمحفوظ وعلى سبيل المثال من ضمن ما رأيت من آثار عكاشة «كفر» لفيلم دماء على الأسفلت كاتب عليه تحية لرواية بداية ونهاية لصاحب نوبل.
وأسأل نسرين عن أسامة أنور عكاشة الناصرى الهوى والذى كان يأخذ موقفا معارضا للانفتاح الساداتى لتجيب: نعم هو كان ناصريا لكنه لم يكن منتميا بشكل كامل للناصرية فى كل تفاصيلها، فانتقد ناصر ورأى أن له أخطاءه ثم انكسر مثل بقية أبناء جيله بسبب نكسة يونيو، لكنه لم يهرب من الواقع الأليم ثم إنه وبقدر ما وجد نفسه متسقا ومرحبا بالمبادئ الناصرية الخاصة بالكرامة والعدالة التى تنتصر للإنسان، فإنه على أرض الواقع رأى أنه عند تنفيذ هذه المبادئ كانت هناك أخطاء وبعدها هو صبا بالناصرية
وهو متأثر فى خط من الفيلم ببداية ونهـــاية، وطـوال الـــوقت كــان يتــأثر بمحفوظ ولو بملمح أو خط درامى ولو بشخصية..
أما بالنسبة للانفتاح، فهو فعلا كان ضده بكل قوة وظهر ذلك فى الراية البيضاء والحلمية والنوة وكثير من أعماله، وكافح ضد الفكرة، وكانت (تجيله حالات يعافر وتجيله حالات يحبط).
هل كان والدك مخلصا للأدب كما أخلص للدراما؟
تقول نسرين: استوقفتنى جملة كتبها فى الغلاف الأخير لرواية سوناتا كلمة للناس كأنه يعتذر لجمهور الأدب إنه قصر فى حق العمل الأدبى وأن العمل الدرامى أخذه من الأدب تماما، وحينما حاول أن يرجع للأدب كانت مسئولياته فى الدراما قد كبرت غير أنه فى عز نجاحه الدرامى حن للأدب جدا، وتجلى ذلك مثلاً فى أنه ألف عدة مسرحيات مبدعة مثل «الناس اللى فى الثالث وفى عز الضهر وليلة 14»، وكلها مسرحيات كانت قمة فى نضجها الأدبى، وكتب أيضا ما يمكن وصفه بالروايات المسلسلة مثل سلسلة على الجسر، وفيها تسلسل قصصى بقصص مختلفة و شق النهار وهى سلسلة أيضا وكروايات مسلسلة، وكتب أيضا سوناتا و جنة مجنون.
ماذا عن علاقته بالناس العاديين فى الشارع أو الأماكن التى كان يتردد عليها؟
ما كانش يحب يحكى عن انبهار الناس بيه لكن كان بيبقى فرحان جدا بإقبال الناس للسلام عليه فى الشارع، وعايزنا كأولاده نعرف لكن ما نحسش باستثناء معين بيسيبنا نشوف، كان يحب يقرب من الناس جدا وكان متواضع ما كانش يحب يحسس نفسه بالنجومية أو أن الناس تنبهر بيه.
وأذكر جدا جملة كان يرددها دائما أمامنا فى آخر خمسة عشر عاما فى حياته هى (الناس هى اللى رافعانى وعارفة قيمتى أكتر..
أخيرا حدثينا عن الأيام الأخيرة فى حياة أسامة أنور عكاشة..
تجيب نسرين آخر سنتين فى حياته كان يصارع المرض اللعين بكل قوة، ولا أعرف كيف كان قادرا على أن يتمسك بقوته وفعلا كان (بيحارب على قد ما يقدر و لحد آخر لحظة عاوز يكتب و مش قادر يكمل فى مشهد فنام قرر أن ينام، وكان يتعامل على أنه ماشى وقال هذا لنبيل الحلفاوى قال له (أنا سبت القلم) مش عايز أروح مستشفى.. عايز أرحل بسلام..ليرحل مشيعا بالسلام والمحبة لرجل أحب الوطن فأحبه الجميع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...