عادل إمام الكوميديان الشعبى - 4
فى عام 1993 يعود عادل إمام إلى تراث المسرح المصرى وبالتحديد إلى حكاية من صيغ مسرح الفودفيل الذى برع فى كتابته بديع خيرى وقدمه كمخرج عزيز عيد، وساهم فى نجاحه أبطال المسرح فى ذلك الزمان وعلى رأسهم نجيب الريحانى وفؤاد شفيق ومحمد كمال «شرفنطح» وحسين رياض وغيرهم، ممن يمتلكون مهارات تمثيلية استثنائية، فى أداء عروض الفودفيل التى تقوم على الحبكة البسيطة والسهلة والمواقف الملتبسة التى تثير الضحك وتكون من عوامل التشويق والإثارة من خلال شخصيات تحمل مواصفات خاصة تحدث لهم أو يجدون أنفسهم فى مواقف غريبة تؤدى إلى نتائج مثيرة، حوادث أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة، أقرب إلى منطق الليالى أو اللامنطق فى الأحداث ومبرراتها الدرامية.
فى مسرحية «الزعيم» والتى كتبها الدكتور فاروق صبرى وأخرجها للمسرح شريف عرفة وأيضاً من إنتاج فرقة المتحدين، يجسد فيها عادل إمام دور الفتى الصعلوك الذى تقوده الأقدار ذات يوم إلى قصر الحاكم ويفاجأ بأن الحاشية الفاسدة تقبض عليه وتنصبه حاكماً! تضعه قسراً على كرسى الحكم وذلك للشبه الكبير بينه وبين الحاكم بعد وفاته، إذ وجدت الحاشية أن الفرصة سانحة لتنفذ أغراضها ومصالحها وتحتاج هذا الشخص الذى يشبه الحاكم ليكون مجرد قطعة ديكور، والفكرة أو هذه الحكاية عولجت من قبل فى العديد من المسرحيات والأفلام المصرية بدءاً من رواية أبى الحسن المغفل لمارون نقاش وأعمال عديدة أشهرها للجمهور فيلم «سلامة فى خير» على سبيل المثال حيث يلعب دور البطولة شخصية الفراش فى محل الأقمشة الذى يتم تكليفه بتوصيل مبلغ إلى البنك، لكن مجموعة من المصادفات الغريبة تجعله يصل متأخرا فيعود إلى البيت حيث يعيش مع زوجته وحماته، وفى البيت كما فى الشارع تحدث مفارقات أخرى تساهم فى تعقيد الحبكة، فحين يصل إلى البيت يجد اللصوص سرقوا النحاس، وفى الشارع أحدهم يخطف شنطة فتاة وهكذا يزداد خوفه على المال أو قل يزداد الموقف تعقيداً، فيذهب للنوم فى أحد الفنادق الكبرى حتى يودع المبلغ فى الأمانات، فى نفس الوقت كان الفندق يستعد لاستقبال أمير ثرى يدعى أمير كيندهار، ويحدث اتفاق ليحل سلامة محل الأمير، فى تجربة حاول فيها الأمير أن يعبث، يلهو ويعيش بين الناس ويتجرد من التاج ورموزه، وفى فيلم «صاحب الجلالة» يقوم بدور الأمير «شيال» يعمل فى نفس الفندق الذى سيحل عليه الأمير ضيفاً، وتشاء الأقدار أن يشبه الشيال الأمير الذى تُحاك ضده مؤامرة بغرض اغتياله، وهكذا... وتم معالجة هذه الحكاية أو الفكرة الرئيسية فى العديد من الأفلام بعد ذلك، البعض نسب أصل قصة هذا الفيلم إلى مسرحية أجنبية عنوانها «الزائرون» للفرنسى ساشا جيترى، وبالفعل تمت كتابة أسم المؤلف الأصلى على فيلم «صاحب الجلالة» الذى قدم نفس الحكاية بمعالجة جديدة للسيد بدير، رغم أن فيلم «سلامة فى خير» اكتفى بسيناريو وحوار بديع خيرى ونجيب الريحانى، والثنائى قدمها قبل السينما على خشبة المسرح من خلال عرض حمل عنوانه «حكم قراقوش» والتيمة الرئيسية تدور حول الرجل الطيب الفقير المغلوب على أمره، ودائماً ما يتعرض لحوادث يلعب فيها القدر الدور الرئيسى، وهذه الشخصيات إذا كانت منسوبة إلى مسرحيات فرنسية أو أجنبية بشكل عام إلا أنها مأخوذة من كتاب «ألف ليلة وليلة» من حكايات هارون الرشيد الذى كان يلهو متنكراً فى ليل بغداد، وتحكى الليالى عن الخليفة الذى خرج مع وزيره جعفر متفقداً أحوال الرعية فسمع رجلا يقول آه لو كنت ملكاً لأقمت العدل بين الناس وفعلت كذا وكذا فيقرر أن يحمله إلى قصره ويجعله ملكاً ليوم واحد، وتتوالى الأحداث والمفارقات، وفكرة الملك أو الأمير البديل، أو حين يجد رجل من عامة الشعب نفسه ملكاً أو أميراً وجدت هوى فى نفوس المصريين فى المسرح والسينما، وظنى أن أصولها العربية التى وصلت أوروبا من خلال ترجمة ألف ليلة وليلة لها عامل كبير فى الرواج ناهيك عن قالب الفودفيل الذى أضفى عليها الطابع الكوميدى ووجد أيضاً هوى فى نفوس المصريين من قبل، والفكرة ذاتها عولجت برؤى مختلفة أهمها فى المسرح المعاصر مسرحية «الملك هو الملك» للسورى سعدالله ونوس الذى أضفى عليها طابعاَ سياسياً وذات الحكاية المستوحاة من ألف ليلة وليلة استلهمها من قبل مارون نقاش تحت عنوان «أبو الحسن المغفل» وأيضاً جورج القرداحى قدمها فى عرض حمل عنوان «هارون الرشيد والصياد» ودون شك الفكرة القائمة على التنكر والأداء التمثيلى فى الواقع مثيرة وتم تقديمها فى المسرح العربى على مدى أكثر من قرن ونصف وحتى بعد أن استلهمها المسرح الغربى قمنا نحن بتمصيرها وتعريبها وردها إلى أصولها، بل وتم معالجتها هذا العام 2023 من خلال حكاية معاصرة وعرضت فى المسرح الكوميدى تحت عنوان «طيب وأمير».
دون شك الحكاية مثيرة وتقوم أيضاً فى بنائها العميق على الخيال حين يصبح واقعاً، والواقع الذى يصبح خيالاً وذلك حين يجد الصياد أو الفراش أو الشيال أو الكومبارس، أى شخص من البسطاء وعامة الشعب نفسه ملكاً أو أميراً ولو ليوم واحد! لينضم عادل إمام من خلال معالجة فاروق صبرى المعاصرة للفكرة ويكشف من خلالها فساد النخبة الحاكمة وجرائمها فى حق الوطن والشعب فى رؤية معاصرة وحكاية من هذا الزمان بطلها «زينهم» وهو كومبارس فقير يعيش فى حى شعبى، يشبه الحاكم أو الزعيم شبها واضحا يدفع إلى اختياره كى يلعب دور الحاكم فى فيلم تسجيلى، وطبقاً لحبكة الفودفيل يموت الحاكم فجأة وتتفق آراء الحاشية الفاسدة على الاستعانة بزينهم ليلعب دور الزعيم لعدة أيام حتى ينتهى هؤلاء من توقيع اتفاقية لدفن النفايات الذرية فى البلاد تعود فيه بالخيرات على هذه العصابة الفاسدة التى تحكم البلاد، وكما حدث فى مسرحية «الواد سيد الشغال» يصبح التقابل بين الواقع الشعبى وطبقة الأغنياء الجدد يصبح التقابل بين وواقع هذه العصابة قصر الحكم وشخصية زينهم القادم من قاع المجتمع مصدر الكوميديا! وكما وجد بطل سعدالله ونوس فى مسرحية الملك نفسه وهو يصحو من النوم بين فتاتين جميلتين يداعبانه مداعبات لا تخلو من مماحكة جنسية يجد عادل إمام أو زينهم نفسه فى نفس الموقف، وتتوالى المواقف الكوميدية القائمة على الالتباس، التباس الحكاية التى تقوم فى معالجتها على صيغة الفودفيل.. وتنتهى المسرحية بحيلة بسيطة وساذجة كما تنتهى حكايات الفودفيل، وذلك حين تأتى فتاة وطنية لتقتل الزعيم، وحين تكتشف حقيقته أى أنه الكومبارس زينهم تقص عليه نبأ الاتفاقية المشبوهة، فينتبه زينهم! ثم يتخلص من الحاشية بطريقة ساذجة أيضاً حيث يدفع مسئول المخابرات للقضاء على نائب الزعيم ورئيس ديوانه، ثم يدفع وزير الداخلية للقضاء على مسئول المخابرات وهكذا تخلص من الجميع.
دون شك ورغم الفكرة المثيرة ومعالجتها عدة مرات من قبل فى المسرح والسينما إلا أن تقديم مسرحية تحمل هذا العنوان وهذه الأحداث عام 1993 خطوة جريئة، رغم أنها كوميديا تنتمى إلى قالب الفودفيل إلا أن الحكاية تشى بما هو مسكوت عنه ولا تخلو من إسقاط سياسى مباشر. وفى هذه المسرحية بدأ عادل إمام نجماً وحيداً على خشبة المسرح وهو ما سوف يتأكد فى العرض التالى بودى جارد، فليس هناك شركاء فى البطولة هناك نجم وحيد على خشبة المسرح تم تفصيل الحكاية من أجله! وفيها أيضاً بدأ البعض يتساءل من هو جمهور عادل إمام، فكتب فاروق عبدالقادر فى جريدة الأهالى فى ديسمبر 93 متسائلاً «فى ضوء أثمان البطاقات فى هذا المسرح الفاخر الذى يملكه كاتب النص (مائتى جنيه للمقعد فى الصفوف الأولى تظل تتدرج حتى الصفوف الأخيرة، والتى لا يقل المقعد فيها عن ثلاثين جنيهاً) وذلك عام 1993! وفى ضوء قلة أو غياب الجمهور التقليدى القادر على الدفع، لا بد أن نتساءل من هو جمهور عادل إمام الذى يقدم له هذا العمل. جمهور الصفوف الأولى هم - ببساطة - بعض تلك الشريحة من المصريين والتى استمد عادا إمام قدراً كبيراً من جماهيريته فى السينما من فضحها والوقوف فى مواجهتها، الذين يأتيهم المال سهلاً - بوسائل أقل ما توصف به أنها غير شريفة - فينفقونه سهلاً كذلك يليهم المتطلعون المقلدون المتلهفون للوثوب وفى الصفوف الأخيرة الغافلون والمخدوعون. إنما لهؤلاء يغنى عادل إمام مزاميره، وهو يتقدم إليهم بوجه ابن الشعب، القادم من الحى الفقير». وبالطبع لا يخلو تساؤل الناقد المسرحى الكبير فاروق عبدالقادر من دلالة وأيضاً تحليله الدقيق للجمهور فى الصالة واستغرابه فى نفس المقال من صورة عادل إمام فى ملابس الحاكم وهو الذى اعتاد أن يكون واحداً منهم فى ملابسه الشعبية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...