أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى فى ذكرى رحيلها التاسعة والأربعين

لن نتوقف عن تذكرها، هذه سيدة الغناء العربى التى وحدت العرب من المحيط إلى الخليج، وحازت لقب «الجامعة العربية»

 وهى استطاعت أن تجمع العرب فى «الخميس الأول» من كل شهر، وتحولت إلى صوت الثقافة العربية ودرست الأكاديميات الموسيقية صوتها باعتبارها مطربة فذة، نادرة من نوادر المواهب، منحها الله لنا، فهى «كوكب الشرق» و«سيدة الغناء العربى» و«ثومة» ومعجزة الغناء حتى يومنا هذا، وهى العربية العرق «الزهايرة، بنى زهير» والمصرية «الفلاحة» بالحياة والثقافة والانتماء، والمصرية هنا معناها «القبطية والعربية والفرعونية»، وهى حملت كل هذه الراقات والطبقات الحضارية، ومن دلائل الإعجاز فى حياة هذه الكبيرة المقام والقيمة، أنها ولدت بعد رؤية منامية رآها والدها الشيخ إبراهيم السيد البلتاجى، رأى من يبشره بالمولودة وكلفه بتسميتها «أم كلثوم»، فسماها بذات الاسم الذى له دلالة دينية، فهو مطابق لاسم ابنة من بنات الرسول الكريم «محمد» صلوات الله وسلامه عليه، ولما أصبحت طفلة، تذهب إلى المدرسة، غنت فى الطريق غناء عذباً، استوقف «القاضى» الجليل، وطلب منها أن تغنى، وذهب منبهراً إلى بيت والدها الشيخ، وأخبره بأن الله أعطاه «الكنز» فى بيته، وصدقت نبوءة القاضى، فالمطربة العظيمة أصبحت كنزاً للوطن كله، وفرضت الظروف عليها فروضا، أدتها بقوة ونجاح، حفظت التواشيح وغنت فى بيوت الفلاحين وركبت الحمير، ومشت على قدميها، مئات الكيلومترات، وركبت القطارات والطائرات، وخاضت حروباً كبرى ضد الفاسدين والحاقدين على موهبتها، وانتصرت على كل هؤلاء، ومنحها الناس حبهم وأصبحت كما يقول واحد من معجبيها «عظمة على عظمة يا ست»، وحازت رضا الحكام، فمنحها «الملك فاروق» وسام الكمال، ولقب «صاحبة العصمة» ومنحها جمال عبدالناصر مكانة السفيرة فوق العادة وكرمها الملوك والرؤساء العرب من المحيط إلى الخليج، وهى التى شاءت الأقدار أن تجعلها شاهدة على محطات سياسية ومفاصل تاريخية عاشها الوطن، عاشت لحظة وفاة «سعد زغلول» زعيم الأمة فى العام 1927، وعاشت لحظة هزيمة «5 يونيو 1967» وقبلها عاشت لحظة محاولة «الإخوان» اغتيال «عبدالناصر»، ولحظة «العدوان الثلاثى»، ولحظة تأميم القناة، وعاشت كل ما عاشه العرب فى الأقطار التى كانت محتلة، وتحررت بثورات عسكرية، وكان لها فى كل لحظة أغنية تعبر بها عن موقفها، حتى يوم عودة عبدالناصر إلى السلطة بعد قرار «التنحى» الذى أعقب هزيمة «5 يونيو» غنت له أغنية تطالبه فيها بالبقاء، وبعد وفاته غنت أغنية حزينة، مثل التى غنتها يوم وفاة سعد زغلول، وهى المطربة التى خلدت ألحان الملحنين الكبار، بدأت مع «أحمد صبرى النجريدى» و«القصبجى» و«زكريا أحمد» و«رياض السنباطى» و«عبدالوهاب» و«بليغ حمدى» و«محمد الموجى» و«سيد مكاوى»، وخلدت الشعراء ومنهم أحمد رامى ومأمون الشناوى ونزار قبانى وصلاح جاهين وعبدالوهاب محمد وإبراهيم ناجى ومحمود حسن إسماعيل والهادى آدم من السودان الشقيق، وهى أول امرأة تتولى منصب «نقيب المهن الموسيقية» بإجماع الكبار من الملحنين والمطربين، وكان يوم رحيلها «3 فبراير 1975» يوماً حزيناً، ورغم الحزن الشعبى الجارف، أصر المصريون على توديعها فى جنازة شعبية وقرأ القرآن على روحها كبار الشيوخ «عبدالباسط عبدالصمد ومصطفى إسماعيل ومحمود على البنا» وحضر فى سرادق العزاء «ممدوح سالم» رئيس وزراء مصر والوزراء والقيادات الشعبية والتنفيذية، وما زالت «أم كلثوم» باقية فى قلوب العرب وسوف تبقى ما بقيت القلوب والآذان والذوق والرفيع.

أحمد رامى الشاعر الذى كتب أعظم قصائد الحب لكوكـب الشـرق

شاءت الأقدار الرحيمة بالشعب أن تجمع بين شاعر مغترب فى فرنسا، ومطربة تكافح لانتزاع اعتراف من جماهير «القاهرة» فى زمن كان الصراع فيه على أشده بين القديم والجديد فى كافة المجالات، كانت حقبة العشرينات هى حقبة «ثورة 1919» التى كانت نتيجة لكفاح الطبقة البرجوازية الوطنية التى ساءها وأحزنها وجود الاستعمار البريطانى وسرق كل مكاسبها وحرمها من خيرات وطنها، وتحالفت معها الطبقة البرجوازية الصغيرة «الأفنديات» من معلمين وموظفين ومحامين، وكانت طبقة الفلاحين هى التى فجرت الثورة، وقام الفلاحون بقطع خطوط السكك الحديدية وقدموا الشهداء بالعشرات والمئات، وحدث التحول الثقافى، ووجدت أم كلثوم لنفسها مكاناً فى العاصمة، وغنت «الصب تفضحه عيونه، وتنم عن وجد شئونه»، للشاعر المغترب «أحمد رامى»، وكان أيامها فى «باريس» يدرس فى «السوربون» أصول علم الوثائق والمكتبات، وتم اللقاء بين «أم كلثوم» والشاعر العاشق المفتون بصوتها «أحمد رامى»، واستفاد الغناء العربى بهذا اللقاء الذى أثمر عن عشرات الأغنيات العاطفية المعبرة عن العشق والغرام والمعانى الرقيقة التى ينطق بها العشاق فى خلواتهم، وشاءت الأقدار أن يكون موت «كوكب الشرق» قبل موت أحمد رامى، وأن يكتب فيها قصيدة رثاء، قال فيها «ما جال فى خاطرى أنى سأرثيها، بعد الذى صغت من أشجى أغانيها، قد كنت أسمعها تشدو فتطربنى، واليوم أسمعنى أبكى وأبكيها، وبى من الشجو من تغريد ملهمتى، ما قد نسيت به الدنيا وما فيها، وما ظننت وأحلامى تسامرنى، أنى سأسهر فى ذكرى لياليها، يا درة الفن يا أبهى لآلئه، سبحان ربى بديع الكون باريها، مهما أراد بيانى أن يصورها، لا يستطيع لها وصفا وتشبيها» هذه قصيدة، لخصت العلاقة التى جمعت بين «رامى» و«كوكب الشرق»، كان عاشقاً مغرماً بها وكانت ملهمته.

قصة الصراع بين الحارة الشعبية والحى الراقى فى فيلم «فاطمة»

فيلم «فاطمة» هو أخر فيلم وقفت فيه «أم كلثوم» فى استوديو مصر، لتغنى وتمثل، وكان ذلك فى العام 1947، وكاتب قصة الفيلم هو الصحفى «مصطفى أمين بك» مؤسس أخبار اليوم الذى كان نجم تلك المرحلة، ومخرجه هو «أحمد بدرخان» أحد عمالقة السينما وعباقرة الفيلم الغنائى، والمونتاج للفنان «كمال الشيخ» المخرج فيما بعد، والتصوير «عبدالحليم نصر» عمدة التصوير السينمائى، والأبطال «سليمان بك نجيب وعبدالفتاح القصرى وأنور وجدى ومحمد كمال المصرى، زوزو شكيب»، والحوار كتبه «بديع خيرى»، باختصار.. تحققت لهذا الفيلم كل عناصر النجاح، وقصته معبرة عن واقع كان يعيشه المجتمع المصرى، مجتمع «الزمالك» الحى الراقى، و«حارة الأمراء» التى تعيش فيها «الممرضة فاطمة» التى تربى ولد أخيها «يتيم الأب والأم» وتعول والدتها، وتتمتع بسمعة طيبة بين أهل الحارة، وعلى الجانب الآخر كان الفتى المنفلت «أنور وجدى» يعيش عيشة الأغنياء العاطلين بالوراثة، ولما مرض والده «الباشا» سليمان نجيب وجاءت «فاطمة أم كلثوم» لتشرف على علاجه، حاول أن يوقعها فى بحر الخطيئة، فرفضت، فلم يجد وسيلة غير «الزواج العرفى» وتم الزواج، وحملت منه طفلاً، وخوفاً من والده وخوفاً على نصيبه من التركة، سرق منها «ورقة الزواج» لكنها استطاعت أن تقدم للمحكمة ورقة أخرى، أصلية، أخذت بها المحكمة ونسبت الطفل للزوج الغنى المنحرف، وهذا الفيلم يحكى قصة الصراع بين الحى الراقى الذى يتبنى الأخلاق الأوروبية، والحارة الشعبية التى تتمسك بالعادات والتقاليد والقيم والأخلاق الحميدة، ويوضح أن مجتمع «الحارة» هو المجتمع الحقيقى الأصيل المترابط فى الفرح وفى الحزن، فالممرضة التى يحبها أهل الحارة «فاطمة» تجد الكل معها، صاحب المخبز، والأفندى، والطباخ و«القرداتى»، والباشا المستقوى بثروته يخوض حرباً ضد كل هؤلاء الفقراء الذين جاءوا دفاعاً عن ابنتهم وفى النهاية ينتصر الحق والخير على الشر والعدوان، ويبقى هذا الفيلم شاهداً على عصره، وشاهداً على التفوق الفنى لفريق الفيلم، وأول ما يلقى إعجاب المشاهد هو «التصوير» الرائع للحظة البكور، لحظة استقبال اليوم الجديد فى الحارة، والحوار الجميل الدقيق، الذى يجرى على ألسنة أهالى الحارة، والأغنيات التى كتبها ولحنها «أسطوات» التلحين والتأليف فى تلك الفترة، وهذا ما جعل هذا الفيلم خالداً، وما زالت أغنية «أم كلثوم» فيه «يا صباح الخير ياللى معانا» أيقونة للجمال، سمعتها أجيال وسوف تسمعها أجيال، وهذا الفيلم من أهم الأفلام التى عبرت عن مجتمع الحارة المصرية فى سنوات ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 وما زال حتى يومنا هذا معبراً عن حقبة زمنية عاشها المجتمع المصرى فى القرن الماضى.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فيلم
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية
مأمون
ثومة
فيلم
أم كلثوم
دويتو

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص