فى عام 2008 كنت قد ذهبت إلى روز اليوسف ضيفا لشهور دامت.. مهمة عمل قصيرة أصبحت سنوات، كان من فوائدها التى لا تعد ولا تحصى تجربة صحفية مهمة اسمها الإصدار اليومى لروز اليوسف الكبيرة فى صورته الجديدة بتوقيع عبدالله كمال.
كنت قد ذهبت بدعوة كريمة من الزميل العزيز محمد هانى.. وقد كان العمل فى روز اليوسف حلما.. ألم يجلس على هذه المقاعد كبار مبدعى مصر فى الفنون والثقافة والصحافة؟.. وكنت أرغب فى أن أتعلم كيف يتم إصدار صحيفة يومية.. قبلها كنت قد تعلمت كل ما تعلمته من تجارب.. "الصحافة الأسبوعية" سواء فى الإذاعة والتليفزيون أو فى غيرها من صحف سيارة صار بعضها رقما مهما فى تاريخ المهنة.
فى حجرتى الصغيرة بالمبنى الجديد.. رحت أنتظر كوب شاى ساخنا قبل أن تبدأ دورة العمل اليومية وقبل أن يحضر زميلاى فى الحجرة ياسر مشالى وعماد الغزالى.. وقبل أن يتوافد المحررون للاجتماع الصباحى.. وبعدها تدور طاحونة كل يوم حتى الخامسة مساء.
فجأة.. وجدته أمامى بشعره الرمادى الداكن ونظارته السميكة وخطواته المتثاقلة وكأنه يمشى على عكاز.. كنت أعرفه جيدا من صورته التى تنشر مع حواراته الصحفية أو على أغلفة الكتب التى أصدرها وحكى فيها عن علاقته بالعندليب وشادية وغيرهما من نجوم الغناء الذين عمل معهم وقد تجاوزوا الأربعين اسما.. وأكثر من 2000 أغنية دون أن ننتبه إلى أنه اختطف لقب شاعر الألف أغنية الذى ظل حكرا لسنوات على مرسى جميل عزيز.. هو الشاعر الكبير محمد حمزة الذى لم أفكر يوما أن أذهب إليه فى المبنى المجاور حيث يعمل فى المؤسسة ذاتها التى أعمل بها "بعض الوقت".
لم يخطر على بالى أبدا أن أذهب إليه وأنا الباحث طوال الوقت عن كل ما يخص الغناء فى بلادى.. كيف حدث ذلك؟
كنا نحن أبناء جيل الثمانينات.. وربما بعض أبناء الجيل السابق.. قد صدقنا فكرة أن محمد حمزة لا يكتب أغانيه التى تصدر باسمه.. وأن معظمها لا يعود إليه.. بل تمادى البعض وأعلن أن بليغ حمدى هو صاحب هذه الأغنيات، وفى أحسن الأحوال هو صاحب جملة البداية فيها، وأن دور حمزة لا يزيد عن إكمالها وتهذيبها.. ومما جعل الأمر يبدو حقيقيا أن بليغ كان يكتب الشعر بالفعل، وصدرت له أغنيات كثيرة من ألحانه وتأليفه، مرات باسمه الصريح ومرات أخرى بتوقيع "ابن النيل".. والأدهى أن حمزة لم يقم وهو الصحفى صاحب الباب الثابت فى "صباح الخير" بالرد على هذه الإشاعة التى التصقت به.
المهم انتفضت من مكانى على المكتب مرحبا.. لم يكن هناك غيرى.. ولا بد أن الأستاذ جاء يسأل عن أى من الأصدقاء.. أصدقائه قطعا.. لكنه فاجأنى.. بأنه جاء لى خصيصا.. فسأل عنى فى "الريسيبشن" فأخبره العاملون هناك بأننى فى حجرة "الديسك"، وأننى موجود منذ وقت مبكر.. هكذا أخبرنى، وأضاف "مش عادة الشعرا.. ييجوا بدرى".. كان الأمر مفرحا بالنسبة لى أن يعرفنى حمزة.. وأن يعرف أننى أكتب ما يسميه شعرا.. وأنه يتابعنى ويعرف ما أكتب عن "الغناء" أيضا.
أدهشنى أنه يعرف معظم أبناء جيلى.. ويحفظ بعض أغانيهم.. طلبت له فنجان القهوة الذى أراد.. وجلس يدخن ويتحدث وأنا فى غاية الدهشة.. وهو يتحدث..
"سمعتك فى الراديو منذ أيام وأنت تتحدث عن بليغ.. وعن أغنية نادرة له.. لا تعرف من هو صاحبها كشاعر.. وقد خمنت أنه عبدالرحيم منصور.. لاقترابها من طريقته فى التصوير وتركيب الجملة".. ثم أضاف بعد أن سحب نفسا طويلا من السيجارة..
"هذه أغنيتى.. ولم تكتمل.. ولها قصة.. لكن قبل أن أنسى لماذا أنت لست عضوا فى جمعية المؤلفين والملحنين؟.. يجب أن تذهب فورا وتقدم طلبا للعضوية وسوف تقبل.. المهم أن تسجل أغنياتك.. سيأتى وقت ويصبح التوثيق أمرا فى غاية الأهمية".. ثم توقف بعد أن منحنى رقما لهاتف أحد العاملين بالجمعية ووعدنى بأنه سيتحدث مع عمر بطيشة فى الأمر.. وشدد "المهم ما تكسلش".
بعد دقائق.. كنت قد تماسكت قليلا.. وتذكرت تلك الأغنية غير المكتملة التى عثرت عليها فى "شرايط" أهداها لى الإعلامى وجدى الحكيم وبها تسجيلات نادرة لبليغ حمدى وبعض الأغنيات التى لم تكن قد خرجت للنور بعد.. ومنها هذه الأغنية:
"سكة سفر
وليل وطريق
ونجوم وقمر
وجرح الريح لورق الشجر
وافتكرتك يا حبيبى
وانت جنبى يا حبيبى
فى سكة سفر"..
أخبرنى الأستاذ محمد حمزة وقتها بأن بليغ كان قد وضع تيمة لحنية طاردته كثيرا.. وأن الشاعر عبدالرحيم منصور كتب عليها أغنية لنجاة أصدرتها بالفعل وغنتها فى حفل عام.. باسم "ع الغربة"..
"ع الغربة ياما تهنا يا ليالى
م الغربة وف الغربة
يا ما تهنا وتاه موالى
لفينا ما لقينا الراحة
فى أى مكان.. بدموعنا
اتمنينا نتهنى فى حب زمان
أمانينا.. طيرى بينا
وخدينا لحبايبنا"..
ثم أضاف "لكنه بعد فترة وجد نفسه يكرر "التيمة" ويطلب أن أكتب عليها كلاما جديدا.. وهذا ما حدث.. ووضع لها لحنا مختلفا غنته سوزان عطية بمشاركة توفيق فريد فى برنامج أنتجه بليغ وقدمه بنفسه كمذيع فى تليفزيون أبوظبى".
انتهت قصة الأغنية ووجدتنى أسأله "أستاذ حمزة.. انت منين؟".. ففاجأنى للمرة الثانية "على فكرة أنا عشت فى بلدكم أربع سنين.. أبويا كان بيشتغل فى السكة الحديد ورحنا المركز اللى انت منه.. المنشأة فى سوهاج، لحد ما بقى عندى سبع سنين، وجينا القاهرة عشنا فى القلعة وبعدين الحلمية.. هنا جنب السيدة زينب".
سألته مجددا: "يعنى حضرتك من سوهاج؟".. ضحك "لا .. أنا من المنيا.. من مركز العدوة.. رحنا سوهاج علشان الشغل بتاع الوالد.. ناس طيبين وأيام جميلة بس مش فاكر منها كتير".
وجدت أمامى رجلا طيبا ومتسامحا لأبعد الحدود.. هذا الرجل الذى يجلس إلى جوارى بتواضع كبير جلس من قبل إلى الملوك والرؤساء من كل الدول.. يعرفه عبدالناصر وأم كلثوم وعبدالوهاب وشادية وكل الكبار الذين أبدعوا وأزهروا فى كل أرجاء الوطن العربى.. كيف أسأله عن تلك "الإشاعة"؟.. وبحماقة صعيدية موجعة قلت: "أستاذ حمزة انت ليه مابتردش على حكاية ان بليغ هو كاتب أغنياتك؟".. وكان رده مدهشا.
"ولما أرد.. هيحصل إيه؟.. لقد أطلقها شاعر كبير بلدياتك .. لأنه تعارك مع بليغ هو وسيد حجاب.. وبليغ قرر التعاون معى ونجحنا معا.. ردى لك أنت، من كنت تريد أن تعرف.. لقد كتبت ما يزيد على ألفى أغنية منها خمسمائة فقط مع بليغ، وألف وخمسمائة أغنية مع ملحنين غيره.. فهل كتب بليغ أغنياتى التى لحنها السنباطى وسلطان وحلمى بكر وعشرات غيرهم؟!
اسمع هذه الأغنيات واسأل نفسك".
شعرت لحظتها بأن الرجل رغم كل النجاحات التى حققها يشعر بالغبن والمرارة من هذا العالم.. لم أسرح كثيرا وسألته "لك العديد من الكتب.. فلماذا لا تكتب قصة أغنياتك؟!".. فأجاب: "يبقى ساعتها مش هاكتب جديد".. ثم وقف يودعنى وهو يقول "البركة فيكم"، ووعدنى بأن نلتقى مرة أخرى موجها لى الدعوة لزيارته.. لكننى وللأسف لم أذهب.. وبعدها بشهور داهمته آلام المرض حتى رحل مـثأثرا بجلطة تمكنت منه ليتوقف "مداح القمر" عن الشدو.. لكن أغنياته ظلت تطاردنى فى كل مكان أذهب إليه مثلما تطارد غيرى، لكنهم يتغزلون فى ألحان بليغ وأداء حليم أو فايزة أو شادية.. يفوز الأهلى أو الزمالك خارج الديار أو فى مباراة كبرى.. أو المنتخب فتجدنا ننفجر صياحا ونحن نردد مع شادية "يا حبيبتى يا مصر" دون أن ننتبه إلى أنه صاحبها مثلما هو صاحب عشرات الأغنيات التى تتردد على ألسنة مطربين جدد من كل حدب وصوب.. وأضبط نفسى وأنا أتمايل على جملة ساحرة لوردة "وعملت إيه فينا السنين"، دون أن أنتبه إلى أنه قال لى يومها..
"لقد كتب بليغ هذه الجملة وأعطاها لى.. لأكملها لنجاة.. ونسيت.. لكنه عاد وذكرنى بها عندما علم أن وردة تم طلاقها وأنها قادمة من جديد للقاهرة.. فأكملت هذه الجملة لتصبح "العيون السود".. لقد صارت العيون السود مفتاحا لملايين القلوب التى استقبلت وردة لسنوات طوال.. وها هى الآن تصير مفتاح الأبواب المغلقة أمام أى صوت عربى يحاول أن يعرف سكة النجاح".
مدينون نحن باعتذار لهذا الشاعر.. الذى لم يدع يوما أنه شاعر كبير.. تتلمذ حمزة على يد صلاح عبدالصبور الذى كان يترأس قسم الثقافة والفنون فى روز اليوسف، وكان حمزة طالبا يدرس "الفلسفة" فى الجامعة.. ومن بعده "أحمد عبدالمعطى حجازى".. وبسبب شهرتهما وتميزهما والنقلة الكبرى التى حدثت فى شعر الفصحى على أيديهما خاف أن يخبرهما بأنه يكتب الشعر.. لكن زميلى تامر حسين أخبرهما بأنه يكتب الأغنيات فاستمعا إليه.. ونصحاه بأن يستمر.. كتابته للفصحى التى ظلت سرا حتى عام 1970 لم تنصفه.. وشعر هو بأنه لن يقدم جديدا فاكتفى بطباعة ثلاثة آلاف نسخة من ديوان وحيد ولم يكررها.. لكنه استمر مؤلفا للأغانى التى أدرك أنه يجيد سرها.. وسر بقائها أن يكتب ما يشعر بأنه "قريب من الناس" والباقى سمحت به الصدف الصغيرة كما قال لى: "ذهبت إلى مقهى التجارة فى باب اللوق بحثا عن ملحن فأحبطنى، لكن شفيق جلال استمع لى.. ورغم أن محمد رشدى كان جالسا معنا، وأسمعتهما أغنية "مغرم صبابة"، فإن رشدى لم ينتبه لها إلا بعد سبع سنوات كاملة. شفيق جلال هو من نصحنى بأن أذهب للإذاعة.. وهناك تركت أولى أغنياتى لتصل إلى يد رياض السنباطى وحنجرة محمد عبدالمطلب.. صدفة.. وذهبت إلى فايزة أحمد بالصدفة أيضا وأسمعتها أولى أغنياتى لها من باب الأدب بعد أن أخبرها زميلى ناصر حسين أننى أكتب الأغانى.. ولحنها سلطان دون أن أعرف ونجحت ونجحت بها.. وقابلت بليغ صدفة وسمع منى "سواح" ولم تكن سوى مذهب بسيط.. ولحنها فى نفس اليوم.. وغناها حليم بعدها بأيام لتبدأ "الحكاية" التى لم تنته حتى الآن.. حكاية مداح القمر الذى ظلمناه كثيرا وحان الوقت لأن نستعيده ونعتذر له عساه يسامحنا..
"ومش ضعف منى
ولكن لأنى
بحب بضمير
سامحتك كتير"..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هذه أثينا، مدينة أوروبية وفقاً للخرائط، وعضوية الاتحاد الأوروبى، وكذلك وفقاً للتاريخ، لكنها تختلف عن كل مدن أوروبا التى زرتها...
فيلم «حتى آخر العمر» فيه قضية مهمة تتعلق بتكوين الشخصية المصرية، قضية الارتباط بالأرض، فالثقافة الفلاحية المصرية ترفع شعار «الأرض...
عود براد بيت إلى شاشة السينما بفلم مختلف عن كثير من أفلامه الأخيرة، من خلال Heart of the Beast، الذي...
يشهد سوق الحفلات الغنائية المصرية والعربية طفرة كبيرة فى أجور نجوم الغناء لتسجل أرقاماً فلكية وخيالية فى الحفلات الجماهيرية والمناسبات...