كلنا نحب عبد الحليم حافظ، كلنا بمعنى الأجيال التى سمعت صوته فى مراحل مختلفة وشهدت تحولات الوطن وانعكاسها على صوته،
ولعل القارئ يظننى أقول كلاما فارغا من المضمون، والحقيقة أن عبد الحليم «المولود فى شهر يونيو 1929» عاش اليتم فى الشهر ذاته وقاسى وعرف معنى موت الأم وموت الأب والعيش فى الملجأ الخيرى بالزقازيق، وتعليمه صنعة إصلاح الدراجات، ولولا موهبته الربانية ونعمة الله عليه لانتهى به المطاف فى محل «عجلاتى النصر» أو «عجلاتى الوحدة العربية» أو حتى «عجلاتى الاشتراكية» لكن الذى حدث هو صعود نجم الفنان المطرب الموهوب فى ظل صعود ثورة 23 يوليو 1952 التى جاءت بصيغ جديدة فى السياسة والثقافة والاقتصاد، فوجد ـ عبد الحليم ـ نفسه على خشبة المسرح والجمهور يصفق له، ورأت القيادة السياسية فى حنجرته وصورته التعبير المناسب عن جوهر وانحيازات الثورة، فأصبح وأمسى وصار المطرب الذى ينطق بلسان الثورة ويستعد فى «23 يوليو» من كل عام بأغنية جديدة تحكى نهضة ونموا اقتصاديا وتصف معركة للزعيم الوطنى فى مواجهة الاستعمار، ولكن فى حياة «العندليب» شهر «يونيو» أفدح وأقسى، إنه «يونيو 1967» الشهر الذى كسر فرحة الشعب، وكشف ما كانت تخبئه «الثورة المضادة» المتشعبة داخل مفاصل دولاب الدولة المصرية، وكان عبد الحليم على مستوى اللحظة التى كان الوطن يعانيها ويقاسى تفاصيلها، وكانت أغنياته الحماسية قبل «الهزيمة» واجبا وطنيا يؤديه بصدق ومحبة، وكانت الرسائل التى يبثها بصوته عبر «صوت العرب» مهمة قومية مقدسة، وعقب وقوع الهزيمة، كانت أغنيته الحزينة «عدى النهار» التى كتبها الأبنودى رسالة من القيادة السياسية إلى الشعب، تطالبه بالصمود والتصدى للظلام الزاحف والعدو المتربص الرابص فى سيناء، وتعده بالنصر القادم فى قابل السنوات وتعزيه فى مصابه الأليم، وكان صوت «العندليب» قديرا، فى توصيف اللحظة ورسم اللوحة الحزينة فى غير انكسار، وهذا كله جعل «عبد الناصر» يقع فى عشق هذه الأغنية، وكان يردد جملة «أبدا بلدنا للنهار، بتحب موال النهار»، وعدى النهار، وصمد المصريون وجاء نهار جديد بالأمل فى السادس من أكتوبر1973، وذكر لنا ـ محمد توفيق ـ فى كتابه «شىء من الحرب» أن أغنيات «العندليب» للنصر، كانت قوية معبرة رغم معاناته رحمه الله من مضاعفات «مرض الكبد» الذى عاش به سنوات، وتحمل آلامه حتى رحيله فى العام 1977.
محمد توفيق يروى كفاح الفنانين فى «شىء من الحرب» قبل وبعد هزيمة 5 يونيو
فى الأيام الماضية قضيت ساعات قارئا واحدا من الكتب المهمة فى رصد تاريخنا المعاصر، الكتاب اسمه «شىء من الحرب» والمؤلف هو «محمد توفيق» الكاتب الصحفى الذى نذر قلمه وطاقته لكتابة حقبة من تاريخنا الحديث والمعاصر، فكتب قصة الصحافة فى «الملك والكتابة» وكتب قصة «الأقلام المبدعة» فى تاريخ الصحافة المصرية، وكتب مؤخرا هذا الكتاب الذى اعتبره هدية للجيل الجديد الذى اضطربت فى أدمغته المعانى وسقط فى حفرة لا قرار لها بسبب وقوعه فى مفصل تكنولوجى ومعرفى، فلا هو عميق الثقافة ولا هو عارف تاريخ بلاده، ولكن هذا الجيل الجديد لم يفقد الانتماء للوطن، رغم «الكوكبة الثقافية» التى نشأ وتشكل فى ظلها، وهنا نقترب من مضمون «شىء من الحرب» فنقرأ تفاصيل الشهر الحاسم فى تاريخنا «شهر مايو 1967» وهو الشهر الذى تصاعدت فيه نغمات الحرب، والابتزاز، ونصب الفخ، وبالفعل سقط «الديك الرومى» ـ وهو اللقب الذى أطلقته المخابرات الأمريكية على الزعيم الوطنى عبد الناصر ـ فى الفخ الذى نصبه الصياد الأمريكى، الذى اعتاد أكل الديوك الرومية فى احتفالاته بأعياد «الشكر» التى هى من أركان الثقافة الأمريكية، ولكن «محمد توفيق» رصد هذه الفترة العصيبة التى تولى الفنانون خلالها حشد الشارع العربى لمعركة بدت فى الأفق مفروضة علينا، ولم تكن «القيادة العسكرية» جاهزة لها، وما يهمنا هنا التوقف أما الدور الكفاحى الوطنى الذى بذله المطربون والملحنون ومؤلفو الأغانى ومهندسو الصوت والإذاعيون وعمال المطابع وموزعو الصحف والفنيون فى التليفزيون وأطقم تشغيل الإذاعة والتليفزيون، وقد رصد ـ توفيق ـ ما جرى فى «مايو 1967» وعرفنا من رصده الدقيق أن الفنان المصرى كان على مستوى الوطنية التى يؤمن بها وعلى مستوى المحبة الشعبية التى نالها من جماهيره، فتحولت «أم كلثوم» لمطربة «أناشيد حماسية» وتحول «عبد الحليم حافظ» لمحرض للشعب عبر رسائل مكتوبة تذاع عبر موجة إذاعة «صوت العرب»، ولم يكتف ـ الباحث المدقق والكاتب محمد توفيق ـ بما روته الصحف، بل قام بتحليل محاضر اجتماعات «الرئيس عبد الناصر» التى أدار من خلالها المعركة فى الأيام التى تلت الاعتراف بالهزيمة والتراجع عن قرار التنحى وخروج الجماهير ـ بالملايين ـ تطالبه بالبقاء فى السلطة حتى إزالة آثار العدوان، وكانت أغنية «أم كلثوم» التى كتبها «صالح جودت» ـ إبق فأنت الأمل الباقى لغد الشعب ـ تعبيرا عن رسالة الشعب للرئيس، وعلى امتداد صفحات كتابه الجميل الفياض بالمعلومات قدم محمد توفيق سيرة التحول الثقافى والسياسى الذى عاشه المجتمع المصرى طوال سنوات حرب الاستنزاف، وهى سنوات مدهشة، فيها تعلم الجندى المصرى فنون القتال الحديثة من تجارب القتال اليومى والاشتباك مع العدو، وفيها صدر برنامج «30 مارس 1968» الذى تضمن وعودا بالديمقراطية ونضوجا فى وعى «عبد الناصر» وكان الفنانون قد سبقوا «طلبة فبراير 1968» فى العمل على رفع سقف الحريات، وجاء بيان «30 مارس» ليرفع السقف ويمنح «الشعب» بعض الثقة، فقد كانت القيادة السياسية الوطنية حذرة جدا تخشى «الجماهير» وتراقب حركتها حتى أصيبت بالعزوف والتكاسل والشعور بعدم الأهمية، لكن هزيمة «5 يونيو 1967» أعادت ترتيب الأوراق، ولكن الإمبريالية العالمية وأدت الحلم العربى، وهذا حديث آخر، وفى الختام نقول إن الكاتب الباحث المدقق والمحقق الصحفى «محمد توفيق» أرخ لفترة دقيقة من تاريخ مصر السياسى، واختار التأريخ الوجدانى الاجتماعى، ونجح فى تقديم وثيقة مهمة عن سنوات الحرب بين المشروع الوطنى الاستقلالى المصرى والعربى وبين الاستعمار الغربى، وثيقة لا غنى عنها للقارئ والباحث المهتم بتاريخ الصراع العربى الإسرائيلى فى سنوات الستينيات من القرن الماضى، والكتاب صدرعن «دار ريشة» المصرية التى تخصصت فى السير والتواريخ وكل ما يتعلق بالبحث فى سجل الذاكرة الوطنية.
فاتن حمامة.. هل كانت تكره روايات نجيب محفوظ؟
يقولون إن «فاتن حمامة» كانت مشغولة طوال مشوارها الفنى بالصعود والنجومية والالتزام بالبطولة وترسيخها فى قلوب الجماهير التى شاهدتها لأول مرة، طفلة فى فيلم من بطولة «محمد عبد الوهاب»، وهذا الانشغال وضعها فى خيارات ضيقة، فقدمت شخصية «آمنة» فى فيلم «دعاء الكروان» رواية دكتور طه حسين، وقدمت شخصيات عديدة من روايات «إحسان عبد القدوس» وقدمت شخصية الفلاحة فى «الحرام» رواية يوسف إدريس، وكتب لها «نجيب محفوظ» سيناريوهات أفلامها «الطريق المسدود ـ قصة إحسان عبد القدوس» و»امبراطورية ميم» وهو عن قصة لإحسان أيضا، وسيناريو «لك يوم يا ظالم» عن قصة «إميل زولا»، فقد كان السيناريست نجيب محفوظ رفيع المستوى يملك موهبة لا تقل عن موهبته فى الرواية والقصة، وحسب ما ذكره المؤرخون الفنيون فإن «فاتن حمامة» اختارت قصة «الشريدة» من أعمال ـ محفوظ ـ وتحدثت معه بشأن تحويلها لفيلم تقوم ببطولته، ولم يكتمل المشروع، وقال المؤرخون إنها رفضت تقديم شخصية «نفيسة» فى فيلم «بداية ونهاية» التى قدمتها «سناء جميل»، وحققت بها نجاحا نقديا وشعبيا واسعا، ولكن المؤكد أن «فاتن حمامة» خسرت بابتعادها عن أدب نجيب محفوظ، وخسرت الجماهير بغيابها عن عالم أديبنا الكبير..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...
أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...
أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.
أسعى لتغيير صورة الفنان