فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر (2) حكاية أربعة أفلام جمعت حلمى رفلة وعبد الحليم

  بعد لقاء حلمى رفلة وعبد الحليم حافظ في مكتب رشيد النحال المحامى، وما دار بينهما حول تقديم الفيلم الأول لحليم من إنتاج رفلة، ظل الأخير خائفاً متردداً من هذه المغامرة حتى نفاد صبر عبد الحليم، ليستطيع التعاقد على فيلم «لحن الوفاء».. وهنا بدأ رفلة يتتبع أخبار عبد الحليم أثناء تصوير الفيلم عن طريق شادية التى شاركت حليم البطولة.

 

يقول رفلة بدأ عبد الحليم حافظ العمل في فيلمه الأول لحن الوفاء» وكانت أخباره ونجاحه في العمل تصل إلى أولا بأول من العاملين معه في الفيلم، خاصة بطلة الفيلم شادية التي أعتبرها من أعز بناتي في الوسط السينمائي فهي كانت تخبرني بأن عبد الحليم إنسان مهم، فنان حقيقي، وأن المستقبل سيكون له إن شاء الله، وتطلب منى ضرورة التمسك بتنفيذ عقدي معه.

وحين بدأت التقط أنفاسي وأستعد للعمل وتنفيذ مشروع فيلمي مع عبد الحليم، سمعت أنه تعاقد على فيلم جديد تشترك في بطولته فاتن حمامة وعمر الشريف وهو فيلم «أيامنا الحلوة».

وأن الشركة التي ستقوم بتوزيعه هي شركة الشرق وهي الشركة التي أتعامل معها. وعلى الفور وجدتني أتوجه إلى مديرها معاتباً على قيام الشركة بتوزيع فيلم يمثل فيه عبد الحليم حافظ قبل أن أنتهى أنا من إخراج فيلمي معه؟ إلا أن مدير الشركة الذي أصبح فيما بعد من أكبر المعجبين والمشجعين لعبد الحليم حافظ أجابني ببساطة: عبد الحليم حافظ مین یا حلمی؟ ده إحنا عندنا فيلم بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف ودول أحرار يجيبوا اللى هم عايزينه معاهم في الفيلم».

ومن هنا عرفت أن الاهتمام بتوزيع الفيلم لم يكن موجها إلى عبد الحليم حافظ بقدر ما هو فيلم بطولة فاتن وعمر فحسب. واسقط في يدي وانتظرت انتهاءه من فيلمه الثاني وفي أثناء تصوير فيلم «أيامنا الحلوة» عرض لعبد الحليم فيلمه الأول لحن الوفاء»، وحقق نجاحاً جماهيريا ومادياً كبيرين. ثم أعقبه عرض الفيلم الثاني فتضاعف النجاح وانتشرت أغاني عبد الحليم حافظ بين الجمهور كالصواريخ وبعدها أخذت شركات الإنتاج والتوزيع تتهافت عليه عارضة أجورا خيالية حتى يقبل عبد الحليم حافظ القيام ببطولة أفلامهم.

وتم استعدادي لإخراج فيلمى المتفق عليه مع عبد الحليم وهو فيلم ليالي الحب ودعوت عبد الحليم للعمل وكنت وقتئذ متخوفاً من عدم استجابته لهذه الدعوة، وذلك بعدما حقق من نجاحوشهرة، إلا أن هواجسي ومخاوفي زالت تماما حين فوجئت به يحضر إلى الاستوديو في الموعد المحدد له في الأوردر ويقبل على العمل في الفيلم بكل حماس وإخلاص، وهنا أذكر أنه في أول يوم لتصوير الفيلم، أخذت أفكر كثيرا في موقف عبد الحليم حافظ وكيف يمكنه أن يقبل العمل مقابل أجر اتفق عليه معى في أولى خطواته الفنية هذا على الرغم من أن أجره الذي وصل إليه حينئذ قد بلغ ثلاثة آلاف جنيه. ووجدتني أدخل غرفة الماكياج التي يستعد فيها عبد الحليم للعمل، وفي يدي أمسك العقد الذي وقعه ومعى باقي الأجر المتفق عليه.. وأبادر بقولي: يا عبد الحليم أنا أشعر بأنك مظلوم في هذا الاتفاق، لذلك فأنا مستعد أن أدفع لك الأجر الذي تحدده الآن». وهنا تجهم وجه عبد الحليم ويجيبني في شهامة أولاد

البلد «اسمع يا أستاذ حلمى، أنا وقعت معك عقد، ولا بد أن أقوم بتنفيذه كما وعدت»، ثم أقسم عبد الحليم برحمة والدته - وهو للعلم أكبر قسم يلتزم به حتى الآن في حياته - أنه سوف يتوقف عن العمل في الفيلم إذا عرضت عليه بعد ذلك مليما واحدا أكثر من قيمة العقد الذي وقعه معى. وأمام هذا الموقف الكبير من عبد الحليم قمت بتسليمه باقی أجره كاملاً ثم قمت بتمزيق صورة العقد القديم أمامه، تاركا مدى استجابته للعمل إلى ضميره وإلى رغبته الشخصية.

ودارت الكاميرا وبدأنا العمل في فيلم ليالي الحب»، وهنا يجب أن أتوقف لأذكر أن عبد الحليم حافظ كان مثالاً رائعاً يحتذى به في إخلاصه للعمل وحرصه الشديد على النظام ودقة المواعيد والإجادة الفنية وفوق ذلك التضحية الشخصية، فقد حدث أثناء التصوير أن بلغت درجة حرارته في يوم من الأيام ٣٩ درجة، ومع هذا رفض عبد الحليم مغادرة الاستوديو للراحة لأنه بحس الفنان الإنسان شعر أن هناك مسؤوليات ملقاة على عاتقه إذا توقف التصوير خاصة بعد أن رأى أن هناك عدداً كبيرا من الراقصين والراقصات استعدوا تماما للعمل في هذا اليوم. وقد رفض الاستجابة إلى إلحاحي الشديد عليه بالراحة حتى يستطيع أن يسترد صحته ثم يستأنف العمل، وأمام إصراره على موقفه هذا، وجدتني أعتلى منصة عالية وسط البلاتوه، وأقف خطيباً في العاملين معى في الفيلم وأقول لهم: يا إخواني اشهدوا أن عبد الحليم حافظ مريض ودرجة حرارته بلغت ٣٩ درجة وأنا الححت عليه كثيرا وطلبت منه أن يرتاح ويغادر الاستوديو فوراً، إلا أنه يرفض هذا تماما، وأنا أمامكم ما زلت أكرر طلبي وأصر عليه، فإذا ما ظل على موقفه، فأنا بريء من أي تطورات مفاجئة قد تحدث في صحته، والله على ما أقول شهيده.

ثم انتهينا من تصوير الفيلم، والشيء الذي لا يمكن أن أنساه هو أنه حين غرض فيلم ليالي الحب» حقق إيرادات خيالية، وبالتالي حققت أنا من ورائه أرباحا كبيرة وهو الشيء الذي جعلني أشعر في قرارة نفسي أني مدين العيد الحليم بتحقيق هذه الأرباح، لذلك لم أتردد لحظة واحدة وأنا أقوم في يوم من الأيام بزيارته في منزله حاملاً بعض النسخ من الفيلم مقاس ١٦ مللی طالباً منه تقديمها هدية لأصدقائه من الإخوة العرب، وأنا أعلم تماماً أن هذا الأمر سوف يعوضه كثيراً عن أجره المتواضع الذي تقاضاه ملى عن الفيلم، وقد اعتبرت مسلكي هذا ردا لجزء من جميل عبد الحليم

إلى جانب هذا كنت أقوم بتشجيع عبد الحليم حافظ على رفع أجره لدى الموزعين، ومن جهة أخرى كنت أتحمل مسؤولية إنتاج الأفلام التي يتعاقد عليها مع هؤلاء الموزعين وبالفعل تم الاتفاق بينه وبين شركة الشرق على بطولة ثلاثة أفلام نظير تقاضيه أجر سبعة آلاف جنيه عن كل فيلم قمت بإنتاج فيلمين منهما. هما فتى احلامی» و «شارع الحب». وأمام النجاح الكبير الذي حققه هذان الفيلمان ارتفع أجر عبد الحليم إلى عشرة آلاف جنيه عن الفيلم الواحد، وكان المفروض أن أقوم بإنتاج الأفلام التي تم التعاقد عليها معه من خلال شركة الشرق، ولكن حدث في شهر أغسطس عام ١٩٦٠ وكنت عائداً من رحلة فنية قمت بها لبعض الدول الأوربية وتقابلت مع عبد الحليم حافظ في منزله، ودار بینی و بینه حوار طويل حول موقفه من تنفيذ التعاقدات التي تمت بينه وبين شركة الشرق وقد أظهرت المناقشة معه أنه غير راض تماما عن الأجر الذي تعاقدت عليه معه الشركة، وفي هذه الجلسة قمت بالتعاقد معه على بطولة فيلمين بأجر خمسة عشر ألف جنيه عن كل فيلم، وكان أحد هذين الفيلمين فيلم معبودة الجماهير»، وهو الفيلم الذي كان له آثاره المادية البالغة القسوة التي أثرت عليه، وعلى رأى المثل كان فيلم بخته وحش

ليالي الحب

كانت البداية من فيلم «ليالي الحب» الذي شاهده الجمهور عام ١٩٥٥، أي بعد عامين من اللقاء السابق وكان عبد الحليم قد حقق نجاحاً كبيراً مع المخرج إبراهيم عمارة في فيلم لحن الوفاء»، وفي فيلم أيامنا الحلوة مع فاتن حمامة وعمر الشريف والمخرج حلمي حليم

حشد رفله لفيلم ليالي الحب» بخبرته مجموعة من الأسماء الراسخة في عالم السينما، كتب قصة الفيلم إسماعيل الحبروك واشترك في إعداد المادة السينمائية على الزرقاني وحسن توفيق وكتب السيناريو حلمى رقله بنفسه وتشارك في كتابة الأغاني ثلاثة من كبار الشعراء مأمون الشناوي وصالحجودت وفتحى قورة، أما الألحان فكانت لخمسة ملحنين كبار هم ریاض السنباطي، ومحمود الشريف وكمال الطويل، ومحمد الموجى، وعزت الجاهلي والتوزيع الموسيقى الأندريا رايد وقاد الفرقة الموسيقية أحمد فؤاد حسن كانت هناك رغبة قوية لدى رقله في إنتاج فيلم ضخم، وضع له - كعادته كل عوامل النجاح، إضافة إلى صوت المطرب الصاعد بقوة.

عاد رفله في هذا الفيلم إلى الطابع الكوميدي في الفيلم الغنائي، لكنه عمد إلى تغيير صورة البطل لتتناسب مع مقتضيات اللحظة الراهنة، لم يكن البطل مطرباً يبحث عن فرصة للشهرة وصعود سلم المجد، بل كان موظفاً بسيطا في شركة البلاستيك القومية يتطلع إلى المستقبل. يقدم الموظف البسيط أحمد ممتاز اختراعا لنوع جديد من القماش  لا يحترق، غير أن فساد الرؤساء في الشركة يمنعه من إيصال اختراعه للمدير، فيقرر مع صديقه أن يذهب إلى المدير في البيت ليقدم اختراعه وهناك تحدث مجموعة من المفارقات القائمة على الالتباس من خلال خيط درامي آخر فيظن المدير بالخطأ أن الموظف البسيط أحمد ممتاز هو ابن المليونير ممتاز شركس في الأصول التركية. وتتوالى المفارقات الكوميدية من خلال مجموعة من اللوحات التي تعتمد على الغناء والموسيقى ولا تخلو من الالتباس. في النهاية، ينتصر الموظف الطموح في الشركة القومية.

تعددت أسباب النجاح لفيلم «ليالي الحية فيجانب الحبكة الكوميدية المزدوجة متقنة الصنع، كانت الأغاني المميزة التي كتبها ولحنها هذا الحشد من الشعراء والملحنين، إضافة إلى إبراز الجانب الكوميدي في شخصية المطرب إذ كان رفله يعى أنه يقدم فيلما لعبد الحليم حافظ. وكما تغيرت صورة البطل تراجعت اللوحات الغنائية الاستعراضية الصالح الصورة السينمائية للأغنية. فيغني عبد الحليم يا سيدي أمرك، في سيارة تطوف الشوارع، مع محمد عبد القدوس وعبد السلام النابلسي كذلك. اختلف بناء الفيلم الغنائي مع عبد الحليم حافظ، ليعتمد على المطرب بوصفه القوام الأساسي للفيلم، لا الاستعراضات واللوحات الغنائية، واحتفظ رفله بالطابع الكوميدي للفيلم، سواء من خلال أداء عبد الحليم حافظ، أو الدور المتميز الذي لعبته الفنانة الكبيرة عزيزة حلمى إذ قدمها رفله في دور كوميدي ريما كان الوحيد في مشوارها الفنى ظهرت فيه وهي تتلو الشعر العربي في محاكاة ساخرة للنصوص الأصلية. واختار رفله الفنانة الشابة آمال فريد في دور البطولة النسائية للمرة الأولى.

فتى أحلامي

بعد عامين جاء فيلم فتى أحلامي المأخوذ عن مسرحية أوسكار وايلد أهمية أن تكون جادا، وكتب له السيناريو والحوار يوسف جوهر تدور أحداث الفيلم حول الشابين المستهترين عادل عبد الحليم حافظ) وتوفل (عبد السلام النابلسي) الأول تلاحقه الديون رغم ترانه وينتظر أن يساعده عمه الثرى، والآخر يعمل وكيلا لأحد الأثرياء في الريف. يتنافس الشابان على مطاردة الراقصات ويعيشان حياة اللهو والبذخ حتى يقعا في الحب.

القصة بسيطة قوامها المفارقات الكوميدية مثل غالبية أفلام حلمى رفله والفيلم يعتمد في بنيته الأساسية على أغاني عبد الحليم حافظ أربع أغنيات ذاع صيتها آنذاك وأصبحت جزءا مهما من سجله الغنائي خسارة، كلمات مأمون الشناوي وألحان بليغ حمدي و الحب بيسأل كلمات عبد الفتاحمصطفى والحان محمد الموجى، وبيع قلبك، كلمات حسين السيد وألحان كمال الطويل، وأغنية بكرة وبعده كلمات فتحى قورة والحان منير مراد هكذا تأكدت الصورة الجديدة لفيلم حلمي رفله الغنائي بسبب ظهور عبد الحليم حافظ وأصبحت الأغاني هي صاحبة الكلمة العليا في الفيلم.

في العام التالي، سينتج رفله شارع الحب لعبد الحليم، من إخراج على الدين ذو الفقار وقصة وحوار يوسف السباعي شاركت المطربة صباح في البطولة، وكتب الأغاني مأمون الشناوي و مرسى جميل عزيز من ألحان محمد الموجى وكمال الطويل ومنير مراد ودارت أحداث الفيلم في شارع محمد على التاريخي نفس الخلطة رغم اختلاف المخرج، وإن جاءت مزيجا بين الكوميدي والماساوي من خلال القصة التي كتبها يوسف السباعي مع النهاية السعيدة نفسها وللحديث بقية.

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

قصة اللقاء الأول بين حلمى رفله وعبدالحليم حافظ
رفلة
فايزة
سعاد
الزهر

المزيد من فن

أسماء جلال بطلة مسلسل جديد خارج رمضان

تعاقدت الفنانة أسماء جلال على بطولة مسلسل يعرض خارج السباق الرمضانى فى 15 حلقة، على أن يعرض على إحدى المنصات...

حاتم صلاح يتجاوز أحزانه فى «بحر»

بعد وفاه والدته الأسبوع الماضي، انضم الفنان حاتم صلاح لفريق فيلم «بحر »، مع الفنان عصام عمر، ويجسد شخصية كوميدية.

باسم سمرة: الصدق سر قوتى

أستمتعت بالعمل فى «عين سحرية».. وسعيد بنجاحه

يسرا اللوزى: «كان يا ما كان» لم يحرض المرأة على الطلاق

بتركيبة ودور مختلف جداً، خاضت النجمة يسرا اللوزى السباق الرمضاني مع النجم الكبير ماجد الكدواني، وذلك في مسلسل كان يا...