أسس غالي شكري مشروعه الثقافي علي مدي أربعين عاماً منحازاً للقيمة الجمالية الحية وارتباطها بالحياة والإنسان، وكناقد سسيولجي وضع الخلفية الإجتماعية والواقع العربي في
أسس غالي شكري مشروعه الثقافي علي مدي أربعين عاماً منحازاً للقيمة الجمالية الحية وارتباطها بالحياة والإنسان، وكناقد سسيولجي وضع الخلفية الإجتماعية والواقع العربي في مخيلته مستعيناً بمناهج النقد المعاصر دون تقليدها أو تطبيقها تطبيقاً تعسفياً كما يحدث في أغلب الأحيان، وأستطاع أن يرصد ويقرأ واقع الأدب العربي من خلال خمس وأربعين كتاباً ، لم تكن فقط بمثابة النقد والتحليل للأدب والفكر ولكن ليؤسس بها مشروعاً فكريا ليبرالياً أسهم في الفكر العربي من الستينات وحتى رحيله عام 1998 ، لقد كان غالي شكري الذي اتخذ من علم اجتماع الأدب أداة لقراءة الواقع، ليس فقط ناقداً أدبياً متميزاً بل ناقداً للفكر السياسي في المجتمع، فما قدمه على مدى أربعة عقود أقرب إلى وصف مصر، قراءة لعقل الثقافة المصرية، الأفكار والآراء، القديم والحديث من الأعراف والتقاليد، فلم يكتب عن نظريات وأعمال أدبية بل عن وقائع وأحداث عاصرها وشارك فيها وفي أحيان كثيرة كان طرفاً أساسياً، فجاءت أعماله بمثابة شهادة علي العصرلا تخلو من معالجة درامية حافلة بالأحداث والشخصيات الحية.
غالي شكري الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين هذه الأيام أدرك مبكراً هدفه ومنهجه كناقد ومفكر حين أعلن عن أصل الداء ممثلاً في غياب الأرض الفكرية من تحت أقدام الباحث المصري، هذا الغياب الذى باعد بينه وبين الدراسات الفكرية، ففي أول كتبه الذي صدر 1962 "سلامة موسى وأزمة الضمير العربي" حذر من خطورة عدم وجود خريطة فكرية واضحة ترسم خطًا بيانيًا للحركة الفكرية المصرية خلال الخمسين سنة الماضية أي النصف الأول من القرن العشرين وحدد ثلاثة عناصر للمكونات الفكرية لهذه الأرض، الخريطة الفكرية، والمعايير المحددة لحركة الفكر في بلادنا والمفهوم الشامل المحدد لحركة التاريخ، وكانت صدمته كبيرة لأننا لم نتوصل إلي مفهوم علمي وشامل لحركة التطور الاجتماعي في تاريخنا الحديث، لذلك سعي في أعماله لرسم هذه الخريطة واكتساب مساحة جديدة في هذه الأرض من خلال تقييم الحياة الفكرية الحديثة، وأخذ علي عاتقه رصد وتسجيل المادة الخام لهذا الفكر في صورتها الكلية الشاملة، فقد أقام حواراً مع معظم الشخصيات التى تناولها بالدرس والتحليل، فكان أقرب إلي المؤرخ الذي عاصر وشاهد الأحداث، لكنه لم يسجلها فقط، بل أخضعها لعملية شاقة من البحث والدرس والتحليل، وكان من الطبيعي أن تجد صورة حية لتاريخ الفكر المصري الحديث في أعماله .
لقد كرّس كل أعماله لكشف أمراض المجتمع المصري بروح الكاتب والباحث الثائرو المتمرد بجرأة توقفت أمامها كثيراً فثمة مبادئ لا يتخلي عنها في كتابته في الأدب والسياسة والإجتماع، في الشعر والقصة والمسرح ممثلة في انتمائه للثقافة المصرية، فهوية مصر الحضارية الممتدة عبر التاريخ من الثوابت التى لا يمكن التخلى عنها، أو النظر إلي قضايا اللحظة الراهنة بمعزل عن هذا التاريخ، وأن أي مساس بالوحدة الوطنية يعنى خطرًا داهمًا علي مصر والمصريين، فضلاً عن إيمانه بالعروبة، وإنحيازه للفكر الماركسي، فثمة ثوابت لا يتخلي عنها في كل أعماله، فقارئ غالي شكري لا بد أن يتوقف كثيراً عند رؤيته العميقة للتفاعل بين الفكر والواقع الإجتماعى، فلا ينظر إلي الأدب إلا في سياق الواقع الإجتماعي وقضايا المواطن ، وفي سبيل أن تصل أفكاره اختار لغة مسرحية يغلب عليها الطابع المشهدى من خلال بناء درامي محكم يلعب فيه هذا الوطن دور البطولة.
وأذكر أنني شعرت بالخوف، بصدمة عنيفة، الخوف من السلطة التى تحرك الثقافة والمثقفين، التى تخطط وترسم وتضع استراتيجيات للسيطرة على الثقافة، وذلك حين قرأت كتاب "من الأرشيف السري للثقافة المصرية " الذى يطرح العديد من التساؤلات المخيفة والمرعبة حول علاقة المثقف بالسطلة !، كنت أقرأ وأنا أري ما يحدث الآن وبمعنى أدق أفهم أسباب الإنهيار!، فلم يكن هذا الكتاب مجرد سرد لمجموعة أسرار مثيرة وشيقة حول السياسة والثقافة يفضح ما هو مستتر في حقبة تاريخية، ولكنه تأريخ لبداية حقبة السقوط المدوى لوعي هذه الأمة من خلال خطة محكمة لتدمير العقل المصري برعاية أمريكية، سرد غالي شكري وقائعها حين رأي كل شيء واضحاً دون تجميل، لم يكن محايداً، بل أعلن الحرب علي أسباب التدهور والفساد في المجتمع المصري، وفضح خفايا وأسرارهذا التدهور، الكتاب في ظاهره نظرة على مطبخ الحقبة الناصرية، وبداية عصر السادات من الداخل، نظرة ليس فقط على أطباق الطعام الشهية، ولكن على الطباخين الأشرار، نظرة على حوض الغسيل وسلة المهملات، فالأمر يتجاوز المعركة بين اليمين واليسار، إنه هو تأريخ لبداية السقوط، والشاهد/ الكاتب من أبناء هذا الجيل الذي كان شريكًا فاعلًا في هذه الأحداث.
ليقرأ ثنائية النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، حين رصد النهضة العربية التى بدأت في القرن التاسع عشر وحتى مرحلة السقوط، وهي الأطروحة التى تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه من السوربون حين اتخذ من التحليل الإجتماعي للثقافة منهجاً ليستخلص القوانين الاجتماعية الثقافية المضمرة في ظاهرة النهضة والسقوط ، ثم دراسته الجريئة حول الثورة المضادة في مصر، والتى تقرأ بدقة وشجاعة أسباب انهيار المجتمع المصري في سبعينات القرن الماضي، ليفاجأ الجميع بأن تاريخ الثورة المضادة هو تاريخ الثورة نفسها، وكأن الجرثومة في الثورة، فثورة يوليو تحمل بداخلها بذور الثورة المضادة، والرئيس السادات نفسه جزء من التكوين السياسي المتناقض لعبد الناصر!، فعند غالي شكري النهضة والسقوط في التاريخ المصرى الحديث ظاهرة واحدة مركبة وليس الشعب ولا نظام الحكم بعيداً عن أسباب النهضة والسقوط !؛ لذلك ترك الجذور القريبة للمشكلة وراح يبحث في الجذور الحضارية، في الهوية، ويدرس جيدًا طبيعة الخصوصية الاجتماعية التاريخية الثقافية للشعب المصري في محاولة لقراءة خصائص الشخصية، ولم يقل كلامه منمقاً بل أكد أن ما حدث في تلك الفترة، ما هو إلا إغتيال للعقل المصرى، وترسيخ لمبادئ المجتمع الثيوقراطي المتعصب دينياً، وما حذر منه عام 1978 نعيشه الآن ونعاني منه، فقي تلك اللحظة ومن خلال هذين الكتابين رأي غالي شكري الوطن عارياً !، وكشف عن التحولات الخطيرة في العقل المصري التى تفاقمت فيما بعد.
ويكمل في مطلع التسعينينات محاولة التعرف علي نتائج هذه التحولات من خلال دراسة هيكل الذاكرة التى تشكلت في سياق العلاقات الخفية والظاهرة بين تكوين المثقف وتجليات السلطة، في كتاب "المثقفون والسلطة" 1991، ليضع علي طاولة التشريح نماذج حية لعبت دور البطولة في المشهد الثقافي نماذج منحها صفات دالة وشارحة فهناك صنّاع السلطة أو المثقف صاحب المشروع ، وبناة الشرعية أو المثقف التقنى الداعية، بالإضافة إلي القادم من الشارع السياسي، بل وهناك مطبخ الأيديولوجيا والطهاة هم التعادلي، والوضعى، والإشتراكي الديمقراطي، تذوق غالي شكري طعامهم وقدم الأطباق للقارئ، فطرح مائة سؤال علي الطهاة والبنائين، وصناع السلطة، ليواصل بحثه عن عناصر الخريطة الفكرية التى بدأها قبل ثلاثة عقود؛ فلم يكن يطرح مجموعة من الآراء المتميزة لقراءة أسئلة اللحظة الراهنة من خلال إصدار مجموعة من الكتب، بل كان يعمل في سياق مشروع يتطور في سياق التحولات التى عاشها المجتمع المصري.
غالي شكري أول من وضع دراسة مكتملة عن نجيب محفوظ "المنتمي" عام 1964 دراسة في أعماله أعلن أيضاً من خلالها عن قناعته بدور الكاتب، الذي مهما كان عظيما لا يمكن أن يتجاوز مقتضيات التاريخ، ولا مكوناته الرئيسية الأصلية، مؤكدًا من خلال هذه الدراسة على أن قيمة نجيب محفوظ تكمن في أنه اختار منذ البداية الطريق الصعب فلم ينقل إطارًا روائيًا جاهزًا، ، بل حاول أن يختبر الصيغة الجمالية الصحيحة باختبار شتى الأطر الفنية والمذاهب الفكرية في أرض الواقع المصري، وتلك كانت مبرراته لاختيارهذا الأديب لأنه في سياق مشروعه الفكري، وأيضاً دراسته عن توفيق الحكيم "ثورة المعتزل" ثم "توفيق الحكيم الجيل والطبقة والرؤيا"، والذي ناقش فيه انقلاب الحكيم علي الحقبة الناصرية من خلال كتابه "عودة الوعي"، وسوف يلعب توفيق الحكيم دوراً رئيسياً في مشروع غالي شكري، وبنظرة سريعة إلي تريتب أعماله نجد أنها بدأت بثلاثة كتاب، عن سلامة موسي ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وثلاثة كتب حول القصة القصيرة، والرواية والشعر حيث درس بعض الرموز الثقافية ثم الأنواع الأدبية قبل أن تكون الرؤية أشمل وأعم من خلال أعماله سالفة الذكر التى تناولت الظاهرة الثقافية، وجذورالإرهاب السياسي باسم الدين في مجموعة من الأطروحات سواء كانت هذه العناوين، النهضة والسقوط، الثورة المضادة، بلاغ إلي الرأى العام، ديكتاتورية التخلف العربي، أقواس الهزيمة، ثقافة النظام العشوائي، وسواها من العناوين التى كان من الضروري إعادة نشرها الآن للقارئ.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كل مناسبة تخص نجيب محفوظ أتساءل: ماذا لو لم يحصل هذا الأديب الاستثنائى على جائزة نوبل؟.. وهل كان الأدب...
يوسف إدريس، الكاتب الكبير المناضل الذي عاش في لحظة تحوّل سياسى فى مصر، فأدرك أبعاد اللحظة واختار الموقف الصحيح،
ليس مجرد فيلم مطاردات أو بقاء على قيد الحياة الفيلم لا يخلو من الثغرات الدرامية والمصادفات رغم حفاظه على توتره...
فيلم يحافظ على روح الدعابة المميزة للأنمى