علاقات استراتيجية على المستوى الثنائي والاقتصادي والتجاري تجمع بين مصر والمملكة العربية السعودية.. من خلال مواقف متوافقة واتجاهات لبناء شراكات قادرة على مواجهة كافة التحديات.. وصولا لرغبة مشتركة لفرض الاستقرار والتنمية بشكل كبير لصالح شعوب المنطقة..
إقليميا تبقى كل من مصر والمملكة العربية السعودية دولتين محوريتين، تربطهما مع محيطهما العربي والإقليمي علاقات وتنسيق ومواقف مشتركة، تتطور مع الزمن وتواكب التغيرات العربية والعالمية على حد سواء، لتظل قادرة على الصمود ومواجهة أي نوع من الأزمات، مثلما يحدث الآن حيث الصراعات والحروب التي تشهدها المنطقة، وما تنذر به من حرب إقليمية يمكن أن تؤثر على أمن واستقرار الشرق الأوسط.
محطات تاريخية كثيرة برهنت على العلاقات المتميزة بين مصر والسعودية، فعقب توحد المملكة كان البلد الأول الذي يزوره الملك عبدالعزيز، مؤسس المملكة السعودية هي مصر.. وعلى مدى التاريخ شكل البلدان ركيزة أساسية للأمن العربي والأقليمي لدورهما القيادي في التصدي للتحديات المشتركة لعل أبرزها الإرهاب والجريمة المنظمة، وتعزيز التكامل الاقتصادى والتنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار.. استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية رئيس مجلس الوزراء وأجرى الزعيمان جلسة مباحثات موسعة.
* عمق ومحورية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين
أكد الرئيس السيسي على عمق ومحورية العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسعودية، لاسيما في ظل التهديدات التي تواجه المنطقة، ومؤكدا أهمية مواصلة التنسيق والتعاون المشترك، لتجاوز المرحلة الدقيقة الحالية التي تمر بها منطقتنا وعالمنا الإسلامي.
وأشار إلى الحرص المتبادل على ترجمة العلاقات والروابط التاريخية بين البلدين، من خلال تعزيز الآليات الثنائية المؤسسية، وخاصة من خلال تدشين مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي لمتابعة مختلف أوجه العلاقات الثنائية وسبل تطويرها باستمرار.
من جانبه أكد الأمير محمد بن سلمان الأهمية التي توليها المملكة لتعزيز العلاقات الثنائية، ومواصلة البناء على الروابط التاريخية الممتدة بين البلدين والشعبين الشقيقين، لتحقيق المصلحة المشتركة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والتنموية.
وفي ذلك السياق، تم استعراض الجهود الجارية لتطوير الشراكة الاقتصادية المصرية السعودية، لاسيما في مجال تبادل الاستثمارات، والتبادل التجاري بين البلدين، والتكامل الاقتصادي في مجالات الطاقة والنقل والسياحة.
وفي ختام المباحثات شهد الزعيمان التوقيع على تشكيل مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي برئاسة الرئيس السيسي وولي العهد السعودي، ليكون منصة فاعلة في سبيل تعزيز العلاقات بين البلدين الشقيقين ودفعها نحو آفاق أرحب، بما يعزز ويحقق المصالح المشتركة.
* البيان المصري السعودي
في الشأن الدولي، جدد الجانبان عزمهما على مواصلة التنسيق وتكثيف الجهود الرامية إلى صون السلم والأمن الدوليين وتبادلا وجهات النظر حول القضايا التي تهم البلدين على الساحتين الإقليمية والدولية، وأكدا عزمهما على تعزيز التعاون والتنسيق المشترك تجاهها.
وفي الشأن اللبناني، أعرب الجانبان عن بالغ قلقهما من التصعيد الإسرائيلي في لبنان، وأكدا حرصهما على أمن واستقرار ووحدة الأراضي اللبنانية، والمحافظة على سيادة لبنان وسلامته الإقليمية، وعبرا عن تضامنهما الكامل مع الشعب اللبناني الشقيق في الأزمة الراهنة، وشددا على أهمية تمكين الدولة اللبنانية بجميع مؤسساتها من القيام بواجباتها وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، وأهمية دور الجيش اللبناني في حفظ أمن لبنان واستقراره.
كما جدد الجانبان التأكيد على أهمية اضطلاع المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن الدولي، بمسؤولياته والعمل على وقف فوري ودائم لإطلاق النار في لبنان، وعدم اتساع نطاق الصراع القائم في المنطقة، مشددين على أهمية التطبيق الكامل لاتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة.
وفي الجانبين الدفاعي والأمني، عبر الجانبان عن عزمهما على تعزيز التعاون والتنسيق في المجال الدفاعي، بما يخدم ويحقق المصالح المشتركة للبلدين، وأشادا بمستوى التعاون والتنسيق الأمني القائم بينهما، وعبرا عن رغبتهما في تعزيزه خاصة في مجالات مكافحة الجرائم بجميع أشكالها، ومكافحة المخدرات، وجرائم الإرهاب والتطرف وتمويلهما وأمن الحدود والأمن السيبراني، وذلك من خلال تبادل المعلومات في هذه المجالات، بما يسهم في دعم وتعزيز أمن واستقرار البلدين وتحقيق الأمن والسلم الدوليين.
واتفق الجانبان على أهمية تعزيز التعاون بين البلدين لنشر ثقافة الاعتدال والتسامح، ومحاربة الغلو والتطرف وخطاب الكراهية والإرهاب، والتصدي للمفاهيم والممارسات التي تتعارض مع القيم الإسلامية والعربية.
وبشأن تطورات الأوضاع في فلسطين، أعرب الجانبان عن بالغ قلقهما حيال الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وما يشهده القطاع من حرب وحشية راح ضحيتها أكثر من 150 ألف من الشهداء والمصابين من المدنيين الأبرياء نتيجة للاعتداءات الشنيعة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، وشددا على ضرورة السعي لهدنة مستدامة ووقف دائم لإطلاق النار ورفع الحصار عن قطاع غزة، وحماية المدنيين وفقا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وأدان الجانبان الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المقدسات الإسلامية في القدس، معبرين عن رفضهما القاطع لأي محاولات لتغيير الوضع التاريخي والديني والقانوني القائم.
وأكدا ضرورة تكثيف الجهود للوصول إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية وفقاً لمبدأ حل الدولتين، ومبادرة السلام العربية، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما يكفل للشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي الشأن الليبي، أكد الجانبان دعمها الحل الليبي - الليبي، وخارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة، ودعم جهود مبعوثي الأمم المتحدة، للتوصل إلى حل سياسي، وصولا إلى اجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية على التوازي وتوحيد مؤسسات الدولة ووحدة الجيش الليبي، وخروج جميع القوات الأجنبية والمليشيات والمرتزقة من ليبيا لتحقيق ما يتطلع إليه الشعب الليبي.
وفي الشأن اليمني، أكد الجانبان دعمهما الكامل لمجلس القيادة الرئاسي في الجمهورية اليمنية، وأهمية الدعم الكامل للجهود الأممية والإقليمية للوصول إلى حل سياسي شامل للأزمة اليمنية، بما يضمن للشعب اليمني الشقيق وحدة بلاده واستقرارها.
وأكد الجانبان أهمية المحافظة على أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر، التي تعد حرية الملاحة فيها مطلبا دوليا لارتباطها بمصالح العالم أجمع، وضرورة تجنيبها أي مخاطر أو تهديدات تؤثر على الأمن والسلم الإقليميين والدوليين وحركة التجارة العالمية والاقتصاد الدولي.
وفي الشأن السوداني، أكد الجانبان أهمية مواصلة الحوار من خلال منبر جدة بين طرفي النزاع السوداني وصولا إلى وقف كامل لإطلاق النار، وإنهاء الأزمة ورفع المعاناة عن الشعب السوداني الشقيق، والمحافظة على وحدة السودان وسيادته وكافة مؤسساته الوطنية.
وفي الشأن الصومالي، أشاد الجانبان بما حققه الصومال من اصلاحات وإعادة للأمن والاستقرار في كثير من الأقاليم الصومالية، واتفقا على أهمية دعم المجتمع الدولي للصومال من أجل استكمال مهمة القضاء على الإرهاب.
ورحب الجانبان بقرار مجلس الأمن الدولي القاضي برفع حظر السلاح عن الصومال، وأكدا على قرار جامعة الدول العربية بشأن دعم أمن واستقرار ووحدة وسيادة الصومال وسلامة أراضيه، وشددا على ضرورة الالتزام بمبادئ حسن الجوار وتغليب الحكمة وتجنيب المنطقة مخاطر التوتر والنزاعات.
ورحب الجانب السعودي بالجهود المصرية لدعم الاستقرار والحفاظ على وحدة وتكامل الأراضي الصومالية، وأثنى على العرض المصري للمشاركة في بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال وبما يسهم في استعادة الأمن والسلام وتحقيق تطلعات الشعب الصومالي.
* المملكة الشريك التجاري الثاني لمصر
أشاد الجانبان بمستوى التجارة بين البلدين، حيث بلغ حجم التبادل التجاري حتى النصف الأول من العام 2024 ما يقارب 8.4 مليار دولار، بمعدل نمو 411 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي وتعد المملكة الشريك التجاري الثاني لجمهورية مصر العربية على مستوى العالم.
وأكد الجانبان أهمية استمرار العمل المشترك بين البلدين لتنمية حجم التبادل التجاري، وتذليل أي تحديات قد تواجه تنمية العلاقات التجارية، واستمرار عقد مجلس الأعمال المشترك، وتكثيف تبادل الزيارات الرسمية والوفود التجارية والاستثمارية، وتشجيع إقامة المشاريع المشتركة، وعقد الفعاليات التجارية والاستثمارية، لبحث الفرص المتاحة والواعدة في ضوء رؤية المملكة 2030 ورؤية مصر 2030 وتحويلها إلى شراكات ملموسة.
ونوه الجانبان بأهمية رفع وتيرة التكامل الاستثماري، واستمرار الجهود الحثيثة من أجل تعزيز البيئة الاستثمارية للقطاع الخاص وتذليل التحديات التي تواجه المستثمرين، وأكدا على أهمية متابعة تنفيذ نتائج اجتماعات الدورة الـ18 للجنة السعودية المصرية المشتركة، والاتفاقيات الناتجة عنها، والتي أسهمت في توسيع نطاق التعاون وتعزيزه في عدد من المجالات.
ورحب الجانبان بتوقيع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين حكومة المملكة العربية السعودية وحكومة جمهورية مصر العربية، لتمكين وتعزيز الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في جميع المجالات بين البلدين، وتوفير بيئة استثمار محفزة وجاذبة للقطاعات الواعدة والاستفادة من الفرص الاستثمارية في البلدين.
* لقاءءات متبادلة
في سياق التنسيق في الرؤى بين البلدين شهد العام الجاري لقاء على مستوى القمة جمع بين الأمير محمد بن سلمان بن الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء وذلك خلال آداء الرئيس السيسي لمناسك الحج.
ولم تقتصر اللقاءات الثنائية على القمم التي تجمع بين قيادتي البلدين بل امتدت للاجتماعات شبه الدورية التي جمعت الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله بنظيره الدكتور بدر عبد العاط وزير الخارجية، والتي كان آخرها في الرياض في التاسع عشر من أغسطس الماضي، وتم التباحث فى عدد من الملفات الإقليمية التي تخص العلاقات الثنائية والدولية محل الاهتمام المشترك.
كما جاءت الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي إلى الرياض منتصف سبتمبر الماضي، في إطار تعزيز هذه العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، حيث شهدت الزيارة مشاورات بين الجانبين في عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية محل الاهتمام المشترك، من خلال عقد سلسلة اجتماعات مع وزراء الاستثمار والصناعة والتجارة والمالية بالمملكة، كما التقى مدبولي مع ممثلي القطاع الخاص السعودي وتم الاتفاق على إطار عام لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين في عدة قطاعات وإزالة كافة معوقات الاستثمار.
وفي يونيو الماضي تم توقيع مذكرتي تفاهم، في مجالات تنمية الصادرات غير البترولية وتطوير صناعة السيارات في شهر يونيو الماضي بين وزارة التجارة والصناعة المصرية، ووزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية.
كما استقبلت غرفة القاهرة التجارية في الشهر نفسه وفد مجلس شباب الأعمال بالمملكة العربية السعودية لبحث سبل تعزيز التعاون التجاري والاستثماري المشترك بين البلدين. وناقش الطرفان سبل زيادة التعاون الاقتصادي المشترك خلال المرحلة القادمة بما يصب في صالح الاقتصاد المصري والسعودي.
وفي مطلع أغسطس الماضي عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بمقر الحكومة بمدينة العلمين الجديدة، اجتماعا مع المهندس خالد الفالح، وزير الاستثمار السعودي، والوفد المرافق له لبحث مجالات التعاون المشترك بين البلدين.
* الإحصاء: 1.6 مليار دولار زيادة في التبادل التجاري خلال 8 أشهر
تظهر البيانات الحكومية تطور قيمة التبادل التجاري بين مصر والمملكة العربية السعودية منذ بداية العام الجاري 2024، حيث حقق التبادل التجاري بين البلدين ارتفاعا ملحوظا خلال الـ8 أشهر الأولى من العام الجاري، قياسا بنفس الفترة من العام الماضي 2023.
ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل إجمالي قيمة التبادل التجاري بين مصر والسعودية نحو 6.5 مليار دولار خلال الـ8 أشهر الأولى من عام 2024، ارتفاعا من 4.9 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي بزيادة بلغت 1.6 مليار دولار، ونسبة ارتفاع بلغت 32.7%.
وعزت بيانات الجهاز الارتفاع المسجل في التبادل التجاري إلى ارتفاع كلا من الصادرات والواردات بين البلدين، حيث سجلت الصادرات المصرية إلى السعودية نحو 2.2 مليار دولار خلال الـ8 أشهر الأولى من العام الجاري، مقابل 1.7 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي 2023، بارتفاع بلغت قيمته 1.5 مليار دولار ونسبة زيادة بلغت 29.4%.
وفى المقابل ارتفعت قيمة الواردات المصرية من السعودية لمستوى 4.3 مليار دولار خلال الـ8 أشهر الأولى من العام الحاري، بينما كانت نحو 3.2 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2023، بزيادة بلغت قيمتها 1.1 مليار دولار ونسبة ارتفاع بلغت 34.3%.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
على مدار الأسبوع الماضي، وفي إطار دعم جودة التعليم الجامعي، شهدت قطاعات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سلسلة متتابعة من...
وسط تزايد التحديات الأمنية والسياسية والتنموية بالقارة السمراء.. وفي محطة دبلوماسية مهمة تعكس الثقة المتزايدة في دور مصر المحوري فيها،...
عيون مصر التي لا تنام.. حراس الوطن عبر التاريخ.. يواصلون العمل جنودا أوفياء يحملون الأمانة ويدافعون عن أمن واستقرار الدولة...
في إطار دعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يسهم في بناء اقتصاد قائم على...