الحروب السيبرانية.. معارك بدون جنود

عهد جديد من الحروب والمواجهات دون المغامرة بوجود جندى واحد أو إطلاق صاروخ واستخدام أي سلاح على أرض المعركة.. فالحروب الحالية و المستقبلية خالية من الجنود والسيوف والدروع.

معارك حديثة أهم أسلحتها تتلخص في التكنولوجيا أو "لغة العصر" مثل الأجهزة الذكية والهواتف المحمولة وألعاب الفيديو والهاكرز وبرامج التجسس.

وفي عصر التكنولوجيا ظهرت ساحة معركة جديدة لا تتضمن الصورة التقليدية للحرب من الدبابات والقوات، بل مجموعة من التعليمات البرمجية والمهاجمين غير المرئيين، والعواقب المدمرة المحتملة، ومع المزايا التي لا تعد ولا تحصى للتطور التكنولوجي تعتبر الحرب السيبرانية هي الوجه الآخر لهذا التطور.

وهي تعتبر التطور الطبيعي للحروب حيث تميز التاريخ العالمي بوجود حرب تميز كل حقبة زمنية وتعتبر الأعظم في تلك الحقبة، فكانت على مر العصور والسنوات حروب ميزت كل عصر، بدءا من الحروب التقليدية وصولا للحروب الكيماوية والنووية وأخيرا السيبرانية.

تحد كبير يواجهه العالم في ظل استخدام هذا الشكل الجديد من المعارك، بأدواتها المبتكرة والحديثة جدا، حتى أصبحت في صورة جهاز يمكنه اختراقك وتحديد موقعك بل واستهدافك في أقل من ثانية، مثلما حدث في تفجيرات لبنان الأخيرة بعد انفجار الآلاف من أجهزة "البيجر".

وما حدث في لبنان جراء تفجير أجهزة الـ"بيجر" التي تمتلكها عناصر تابعة لحزب الله، يعطى دلالة كبيرة على تطور الحرب الإلكترونية لتصل إلى حد القتل.

حيث تمكن الموساد من زرع شريحة داخل وسيلة الاتصال الأكثر شيوعا لأعضاء حزب الله خوفا من استخدام الهواتف الذكية، ما مكنهم من تفجيرها عن بعد، الأمر الذي يؤكد أنه كيف يمكن بالضغط أو النقر على زر معين، أن يتحول الجهاز بين يديك لقنبلة تنفجر وتلحق خسائر بالأرواح وكل ما يحيط بها.

* ماذا تعني الحرب السيبرانية؟

هي إحدى أخطر الحروب التي يمر بها العالم الحديث، وأكثرها دمارا فهي حرب افتراضية.. أسلحتها رقمية وجنودها يجلسون أمام الكمبيوتر.. فهي تخترق الشبكات دون أن يلاحظها أحد وتتلاعب بالبنى التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء أو الاتصالات.

والحروب السيبرانية هى هجمات على شبكات الكمبيوتر، عن طريق اختراق الشبكات وإضافة معلومات كاذبة، ونشر فيروسات بهدف تعطيل الشبكات، أو الحصول على بيانات معينة بدون إتلافها، مثل البيانات العسكرية والاستخباراتية لبعض الدول.

وقد تكون عبارة عن هجمات إلكترونية تقوم باختراق الأنظمة الالكترونية العالمية وكل ما يعتمد على التكنولوجيا، لتضر بالحواسيب والأجهزة التي تستخدم شبكة الانترنت العالمية والتي قد تفضي لنتائج كارثية، مثل سرقة بيانات خاصة، وغيرها من الكوارث التي قد تكون عالمية مثل الحروب النووية وغيرها.

وتعد من أعظم الحروب، بل وأشدها فتكا نظرا لكونها مجهولة الجهات التي تقوم بها، فمثلا قد تتعرض الدول لهجوم سيبراني فلا تعرف الفاعل، ولا تعلم به إلا بعد حدوثه.

* أشكال متنوعة

الحرب الإلكترونية تتخذ أشكالا عديدة وتطورات سريعة، فلم تقتصر فقط على الطرود الخبيثة، بل باتت تستغل كل ما هو ذكي بين يديك لتوجيهه ضدك.

وتتنوع قدرات أجهزة الاستخبارات ومدى قدرتها على استغلال الأجهزة الذكية، فالبعض منها يستخدم للتجسس فقط أو للتشويش، أو لتعطيل البنية التحتية لدولة ما، ومنها ما يمكن أن ينفذ هجمات سيبرانية مسلحة مثلما حدث في لبنان.

ميزانيات ضخمة تخصصها البلدان الكبرى من أجل التسلح الإلكتروني، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز دفاعاتها الإلكترونية وقدراتها الهجومية، وهذا يعني أن الحرب الإلكترونية أصبحت جزءا من إستراتيجية الأمن القومي للعديد من الدول، باعتبارها أداة أساسية للتجسس والاستخبارات.

* الهواتف الذكية الأكثر شيوعا

من أهم أشكال التجسس وتنفيذ الهجمات السيبرانية الخبيثة، الهواتف الذكية، التي من السهل اختراقها حيث أن رغبة المستخدمين في الحصول على مزايا عديدة بالأجهزة المحمولة، قد تجعلهم يقعون تحت فخ عدم الخصوصية، ويكون الحصول على هذه المزايا يقابله التضحية بالأمان.

كما أن توصيل الأجهزة المحمولة بأجهزة كمبيوتر حكومية عبر WiFi أو Bluetooth، أو استخدام محطات شحن USB العامة، قد تكون سببا رئيسيا فى إصابة جهازك ببرامج التجسس.

إضافة إلى أن خدمة تحديد المواقع، من أكثر الثغرات التى تعرضك للاختراق.

ومن أهم وسائل الاختراق عبر الهواتف الذكية، رسائل التصيد الاحتيالى، إضافة إلى الطرق التقليدية حيث تخمين كلمات المرور، وقد يكون الاختراق مبنى على البرمجة، التى تحتاج إلى معرفة تقنية عالية، حيث يجد المخترقون نقاط ضعف فى الأنظمة ويمنحون أنفسهم امتيازات وسيطرة كاملة.

* الحروب السيبرانية

تتضمن الحروب السيبرانية استخدام الهجمات الرقمية لتعطيل أو تدمير أو الوصول غير المصرح به إلى الأنظمة الحاسوبية أو الشبكات أو البيانات، ويمكن تنفيذها عن بعد، وبشكل مجهول وبتكلفة منخفضة نسبيا.

وعلى مدار العقدين الماضيين، تصاعدت الهجمات السيبرانية، من حيث التكرار والتعقيد والتأثير، ما أثر على الحكومات والشركات والأفراد في جميع أنحاء العالم.

* الحوادث السيبرانية المبكرة

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت الحوادث السيبرانية بسيطة نسبيا، تتضمن بشكل أساسي تشويه المواقع الإلكترونية، وهجمات حجب الخدمة (DoS)، وأنشطة القرصنة الأساسية، ومع ذلك، كان الهجوم السيبراني على أستونيا فى عام 2007 نقطة تحول،وهو الهجوم، الذي نسب إلى قراصنة روس واستهدف مواقع حكومية ومالية وإعلامية، مما عطل البنية التحتية الرقمية للبلاد لعدة أسابيع.

* فيروس ستوكسنت

أبرز اكتشاف "ستوكسنت" عام 2010 الإمكانيات الكبيرة للحروب السيبرانية، هذه الدودة المعقدة، التي يعتقد أنها جهد مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، واستهدفت المنشآت النووية الإيرانية متسببة في أضرار مادية لأجهزة الطرد المركزي، وأظهر "ستوكسنت" أن الهجمات السيبرانية يمكن أن تتجاوز المجال الرقمي وتكون لها عواقب حقيقية على الأرض.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الهجمات السيبرانية المدعومة من الدول أكثر انتشارا، وقد تورطت دول مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في العديد من الحوادث السيبرانية التي تهدف إلى التجسس والتخريب والتدخل السياسي.

كما أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، على سبيل المثال، شهدت تدخلات سيبرانية كبيرة نسبت إلى فاعلين روس، مما أبرز إمكانية الهجمات السيبرانية في التأثير على العمليات الديمقراطية.

* سيناريوهات مستقبلية

عند النظر إلى المستقبل، تبرز عدة سيناريوهات توضح التطور المحتمل للحروب السيبرانية وتأثيرها على الأمن العالمي.

من المتوقع أن يحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في الحروب السيبرانية، حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير برمجيات ضارة أكثر تعقيدا، واستخدامه في عمليات الهجوم، وتحديد الثغرات بدقة أكبر.

ويمكن أن تعمل الهجمات المستقلة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بحد أدنى من التدخل البشري، مما يجعلها أسرع وأصعب في الكشف والتصدي.

ومع وجود مليارات الأجهزة المتصلة، من المنازل الذكية إلى البنية التحتية الحيوية، فإن إمكانية التعطيل الواسع النطاق هائلة، ويمكن أن يتسبب هجوم منسق على أنظمة إنترنت الأشياء في شلل المدن وتعطيل سلاسل التوريد وتعريض السلامة العامة للخطر.

كما يمكن أن تتسبب الهجمات السيبرانية في أضرار مادية كبيرة.

وقد تستهدف الحروب السيبرانية المستقبلية البنية التحتية الحيوية مثل شبكات الطاقة، ومحطات معالجة المياه، وأنظمة النقل، ويمكن أن تؤدي هذه الهجمات إلى انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وتعطيل اقتصادي، وفقدان الأرواح، مما يطمس الخطوط بين الحروب السيبرانية والتقليدية.

وأخيرا يمكن أن يؤدي تطوير ونشر الأسلحة السيبرانية إلى سباق تسلح سيبراني، وستستثمر الدول بشكل كبير في القدرات السيبرانية الهجومية والدفاعية، مما يؤدي إلى مشهد دائم التطور من التهديدات والتدابير المضادة، ويمكن أن يؤدي هذا السباق إلى زعزعة العلاقات الدولية وزيادة احتمالية النزاعات السيبرانية.

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

اليوم العالمي للمرأة في العلوم.. دعوة لكسر الحواجز لمستقبل أفضل في الابتكار

في القرن 21 .. وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته النساء في توسيع مشاركتهن في التعليم العالي، الا ان...

ختام مبادرة " طبلية مصر " بالمتحف القومي للحضارة المصرية

في احتفالية ثقافية وفنية كبرى، احتضنها المتحف القومي للحضارة المصرية، اختتمت مبادرة "طبلية مصر" مساء الخميس 5 فبراير 2026، موسمها...

المنتدى السعودي للإعلام 2026.. منصة مهنية كبرى ترسم مستقبل صناعة الإعلام

تحت شعار “الإعلام في عالم يتشكل”.. وبمشاركة أكثر من 300 قائد وخبير إعلامي من أكثر من 20 دولة بينهم مصر.....

"السياحة والآثار" في أسبوع.. تنشيط السياحة الوافدة وافتتاح متحف "توت عنخ آمون"

تنشيط الحركة السياحية الوافدة لمصر والترويج للمقصد المصري، وافتتاح متحف مستنسخات كنوز الملك توت عنخ آمون، كانت من أهم أنشطة...