"المسيرات" .. تزيد أزمات العالم اشتعالا

سلاح رخيص الحجم بسيط التكلفة اقتحم الساحة ليقلب الموازين في ساحات الحروب الحديثة ويعيد ترتيب الأولويات العسكرية في التخطيط الاستراتيجي للدول .. إنها "المسيرات".


تحلق في السماء بلا رادع تقلع وتهبط في بلدة أو غابة أو على ظهر مركب في البحر، تسافر نحو هدفها في صمت لا سلكي تام .. تتجسس وترصد وتستهدف بل وتغير مسار المعارك على الأرض.

"المسيرة والدرونز وطائرة بدون طيار" كلها مسميات تعبر عن سلاح جديد لا يحتاج إلى جيش جرار لاستخدامه إنما فقط من يسيرها من على الأرض وهي صغيرة ورخيصة وفتاكة وباتت خطورتها واسعة لسهولة صناعتها إلى درجت أصبحت فيها طائرة ثمنها لايزيد على 10 آلاف دولار تغني عن طائرة ثمنها 60 مليون دولار.

وأصبحت "المسيرات" أداة أساسية في الحروب سواء للمراقبة أو الاستطلاع والهجوم وتكتظ سماء أوكرانيا وإسرائيل وغزة والبحر الأحمر وخليج عدن ومضيق تايوان بهذه الطائرات التي كانت حكرا على القوى العسكرية العظمى ولكنها لم تعد كذلك في الوقت الحالي فالجميع يملك بشكل أو بآخر مسيرات نظرا لصغر حجمها وقلة تكلفتها.

- بدون طيار أو طاقم أو ركاب

الطائرات المسيرة هي كما يطلق عليها "بدون طيار" حيث لا يوجد على متنها طيار أو طاقم أو ركاب ويمكن أن تكون ذاتية الإدارة أو يتم التحكم فيها عن بعد وتستطيع أن تحلق لمدد طويلة على ارتفاعات وسرعات يتم التحكم فيها.

في البداية تم تطوير تلك التكنولوجيا للاستخدام في الجوانب العسكرية والاستخباراتية، إذ كانت تستخدم في العمليات العسكرية والتجسس ورصد ومهاجمة الأهداف، إلا أن تكنولوجيا تطوير وتسيير الطائرات المسيرة خرجت من حيز التطبيقات العسكرية إلى الاستخدام في مختلف جوانب الحياة المدنية.

فقد أسهمت الطائرات المسيرة بشكل كبير في تقديم حلول غير مسبوقة لتحديات تقنية وتطبيقية في مجالات إنتاجية عديدة كالصناعة والزراعة، ومجالات خدمية كالرعاية الصحية والإغاثة الطبية.

- رحلة طويلة

تم تطوير أول مسيرات في بريطانيا والولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الأولى طبقا وأجريت أولى الاختبارات لطائرة يتم التحكم فيها عن بعد في بريطانيا عام 1917، بينما تم إجراء أول رحلة لطائرة أمريكية من دون طيار عام 1918 ولكن لم يستخدما عمليا خلال الحرب العالمية الأولي.

في عام 1935 بدأ الاستخدام الفعلي للطائرات من دون طيار حين صنعت المملكة المتحدة طائرات يتم التحكم بها عن طريق موجات الراديو واستخدمت للتدريب، وليس في ميدان المعركة وتزامن ذلك مع تصنيع الولايات المتحدة نماذج مشابهة للتدريب أيضا.

ولم تدخل الطائرات من دون طيار ميدان المعركة إلا في حرب فيتنام 1955-1975 حيث استخدمتها الولايات المتحدة في عملياتها على الأرض.

وشكل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 الاختبار الحقيقي لاستخدام الطائرات المسيرة في الحروب الجوية الحديثة، ثم تتالت الاستخدامات العسكرية للطائرات المسيرة في حربي الخليج عام 1991 2003 وحربي الشيشان 1994 و 1999.

وفي حرب أفغانستان عام 2001 استخدمت الولايات المتحدة وروسيا المسيرات في النزاع بكثافة.

وخلال العدوان على غزة عام 2014 أرسلت حركة حماس طائرة مسيرة من نوع "أبابيل" إلى العمق الإسرائيلي في تطور غير مسبوق.

وفي الحرب بين أذربيجان وأرمينيا على منطقة "ناجورنو كراباخ" عام 2021 حيث كان للطائرات المسيرة دور فعال في تمكين القوات الأذربيجانية من انتزاع السيطرة على الجيب المتنازع عليه.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 انتقل استخدام المسيرات من مكافحة الإرهاب وحروب مواجهة أعمال التمرد العسكري إلى القتال التقليدي على نطاق واسع واستخدمت المسيرات على نطاق واسع في مهاجمة أهداف مختلفة من الطرفين.

وفي أبريل الحالي أعلنت إيران أنها أطلق العشرات من الطائرات بدون طيار والصواريخ ضد أهداف محددة في إسرائيل.

- أبرز اللاعبون في المجال

بعد البداية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة ظهر لاعبون جدد أكملوا ما بدأ قديما مع استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تطورت كثيرا.

إسرائيل هي أول اللاعبين في هذا المجال لأنها أول دولة تستخدم المسيرات في حرب لبنان في الثمانينيات وبالطبع كان اعتمادها على حليفها الأول الولايات المتحدة الأمريكية تكنولوجيا، لكنها طورت وأنتجت أجيالا من الطائرات المسيرة.

وحسب بيان لوزارة الدفاع الإسرائيلية تعتبر إسرائيل من أكبر منتجي ومصدري الطائرات المسيرة، إذ مثلت المسيرات 25 % من إجمالي صادرات إسرائيل من السلاح عام 2022.

تأتي تركيا في المرتبة الثانية، والتي بدأت في صناعة المسيرات معتمدة على تصميمات ورخص غربية وبخاصة من الولايات المتحدة، وكان الإنتاج في معظمه من الخامات المحلية التركية.

ووفقا لبيانات رسمية تركية، فقد وقعت في عام 2022 عقود تصدير مع 27 دولة، بإجمالي عائدات بلغت 1.18 مليار دولار، وأبرز المشترين أوكرانيا وبولندا وأذربيجان والمغرب والكويت والإمارات وإثيوبيا وتركمانستان وقرغيزستان ورومانيا وألبانيا.

اللاعب الثالث هو إيران، التي اعتمدت على موارد محلية في تصنيع الطائرات المسيرة لأنها أقل كلفة للبلاد التي تقبع تحت العقوبات الاقتصادية.

و بدأت إيران في تطوير برامج للطائرات المسيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب ضد العراق 1980-1988.

- التكنولوجيا الحديثة ومستقبل المسيرات

مع التوسع في الاعتماد على المسيرات في مختلف المجالات ظهر العديد من العلوم والمجالات التي دعمت تطور استخدامات هذه الطائرات في المجالات المدنية.

فالتطور السريع في نظم المعلومات الجغرافية "GIS" والسماح باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي "GPS" بدقة عالية في التطبيقات المدنية أسهم في دفع عجلة تطوير طائرات مسيرة بأحجام مختلفة للاستخدام في المجالات المدنية.

أما الأجهزة الذكية سواء الهواتف أو الحواسيب اللوحية بما تحويه من تطبيقات، فجعلت التحكم في الطائرة المسيرة ومراقبتها وتوجيهها أمرا ميسورا حتى أن بعضها يقوم مقام جهاز التحكم عن بعد وقد أدى كل ذلك إلى التوسع في استخدام الطائرات المسيرة في المجالات المدنية.

 

 

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير عرب وعالم

"الحج السعودية": الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن وتضاعف أعداد المعتمرين

استعرضت وزارة الحج والعمرة حصيلة أبرز جهودها خلال عام 2025م، مؤكدةً أن ذلك جاء نتيجة عمل مؤسسي متكامل ركّز على...

مصر وتركيا.. ركيزة الأمن بالشرق الأوسط وشراكة استراتيجية واقتصادية شاملة

في زيارة هي الثالثة خلال العامين الأخيرين.. ومن أجل تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات ولا سيما في مجالي التجارة...

"ستارت الجديدة" إلى الهاوية.. والأمن النووي العالمي في مهب الريح

خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.

نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن.. استقبال 19.5 مليون حاج ومعتمر خلال 2025

في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...


مقالات

بيمارستان قلاوون
  • الأحد، 22 فبراير 2026 09:00 ص
لا للفقر في ظل القرآن
  • السبت، 21 فبراير 2026 03:31 م
التغذية الصحية في رمضان
  • السبت، 21 فبراير 2026 01:00 م
سجن خزانة شمائل
  • السبت، 21 فبراير 2026 09:00 ص