خبراء العلاقات الدولية يكشفون الأسباب الحقيقية للعدوان الإسـرائيلى ضد إيران

أيمن الرقب: العدوان على إيران محاولة أمريكية إسرائيلية للهروب من أزماتهما الداخلية

كشف خبراء العلاقات الدولية عن احتمالات تطور الصراع الإيرانى الإسرائيلي، وسيناريوهات اتساع المواجهة ودخول أطراف دولية لساحة المعركة بشكل مباشر.. منها الولايات المتحدة الأمريكية التى تكتفى حتى الإعلان بالدعم الاستخباراتى والمساعدات السرية.. لكنها حسمت قرارها بالمشاركة المباشرة فى حالات محددة.

فى البداية قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن مشاركة الولايات المتحدة فى الحرب الإسرائيلية ضد إيران لم تكن دعمًا تقليديًا فقط، بل امتدت لتصل إلى حد التورط الكامل والمباشر فى العملية العسكرية الأخيرة، عبر تزويد إسرائيل بمعلومات استخباراتية دقيقة أحدثت عنصر المفاجأة الكامل للطرف الإيراني.

وأضاف أن إيران كانت مطمئنة نسبيًا، خاصة فى ظل استمرار المفاوضات النووية غير المباشرة بينها وبين الولايات المتحدة، والتى كانت تجرى بوساطة سلطنة عمان، وهو ما جعل من الضربة الإسرائيلية "خديعة استراتيجية كبرى"، إذ لم يكن أحد يتوقع هذا التصعيد فى ظل تلك الأجواء التفاوضية، مؤكدًا أن نجاح العملية الإسرائيلية فى استهداف قيادات حساسة ومواقع استراتيجية داخل إيران لم يكن ليحدث لولا هذا التعاون الأمريكى – الإسرائيلي.

وأشار الدكتور أيمن الرقب إلى أن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة تعانيان من أزمات داخلية خانقة، دفعت باتجاه تصدير أزمة خارجية عبر الحرب لتخفيف الضغط الشعبى المتصاعد، ففى إسرائيل، يعانى الاحتلال من أزمة تجنيد خانقة فى الجيش، وتوترات داخل الحكومة، واضطرابات بين القوى السياسية والعسكرية، إضافة إلى احتجاجات عائلات الأسرى الإسرائيليين، ما جعل حكومة نتنياهو تسعى للهروب للأمام عبر إشعال مواجهة إقليمية قد تسهم فى إعادة تماسك الجبهة الداخلية.

ولفت إلى أن الوضع فى الولايات المتحدة لا يقل خطورة – بحسب الرقب – حيث تشهد عدة ولايات، وعلى رأسها كاليفورنيا ولوس أنجلوس، موجات من الاحتجاجات الواسعة ضد سياسات إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مشيرا إلى أن هذه المظاهرات وإن لم تصل بعد إلى درجة المطالبة الصريحة بالانفصال عن الاتحاد الأمريكي، إلا أن ارتفاع أصوات البعض بطرح مثل هذه السيناريوهات يعكس عمق الأزمة التى تعيشها البلاد.

وأكد الدكتور أيمن الرقب أن الولايات المتحدة لم تشهد منذ الحرب الأهلية الأمريكية فى القرن التاسع عشر مثل هذا التهديد الواضح لوحدة الاتحاد الفيدرالي، رغم أن التاريخ الأمريكى عرف احتجاجات واسعة فى فترات سابقة، لكنها دائمًا ما كانت تحت السيطرة. أما الآن فالأمر مختلف بسبب طول أمد الاحتجاجات، وشدتها، والطابع العنصرى والعرقى الذى يغلفها، خاصة مع السياسات التمييزية التى تنتهجها إدارة ترامب ضد الأمريكيين من أصول غير أوروبية، وعلى رأسهم المكسيكيون.

ولم يستبعد "الرقب" أن يكون نشر قوات "المارينز" والقوات الفيدرالية فى عدة ولايات خلال الساعات الماضية مؤشرًا على خشية الإدارة الأمريكية من انفلات الأمور، خصوصًا مع اقتراب يوم الجيش الأمريكي، وهو مناسبة قد تشهد احتجاجات أكبر وأوسع، وربما صدامات مباشرة مع السلطات، منوها إلى أن هذه الحرب – التى يمكن أن تتوسع لتشمل أكثر من طرف – سيكون لها أثر بالغ على الاقتصاد الأمريكى والعالمي، لافتًا إلى أن أسعار الذهب والنفط ارتفعت مباشرة بعد القصف الإسرائيلى لطهران، كما أن استهداف الممرات المائية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب سيزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية إذا طال أمد الحرب.

وأكد الدكتور أيمن الرقب على أن الأوضاع الداخلية الأمريكية تشهد واحدة من أخطر لحظاتها منذ عقود، موضحًا أن التوتر العرقى والمناطقى أصبح أكثر وضوحًا، خاصة مع تلميحات بعض الولايات إلى احتمال التفكير فى الانفصال مستقبلاً، وهو سيناريو كان مستبعدًا لسنوات طويلة، لكنه عاد للظهور فى ظل إدارة ترامب المثيرة للجدل، والتى تعاملت مع هذه الملفات بحالة من العناد والاندفاع، بحسب وصفه.

من جانبه أكد الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، أن اختيار إسرائيل لهذا التوقيت تحديدًا لتوجيه ضربات عسكرية ضد إيران لم يكن قرارًا عفويًا أو وليد اللحظة، بل جاء فى إطار حسابات دقيقة تتعلق بعدة مستويات؛ داخلية وخارجية، إقليمية ودولية، مشيرًا إلى أن هناك أكثر من سبب دفع بهذا القرار إلى الواجهة فى هذا التوقيت بالذات.

وأوضح أن السبب الأول والأهم، من وجهة نظره، هو عنصر "المفاجأة الاستراتيجية"، مشيرًا إلى أنه كان من المستبعد جدًا أن تقدم إسرائيل على عمل عسكرى بهذا الحجم بينما كانت المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة تجرى برعاية سلطنة عمان، وهو ما جعل الضربة تمثل صدمة كبيرة غير متوقعة لطهران. وأضاف: "لم يكن أحد يتصور أن يتم تنفيذ مثل هذه العملية الواسعة فى ظل وجود قناة تفاوض مفتوحة، وهو ما يفسر حجم المفاجأة والغضب الإيراني".

أما السبب الثاني، بحسب أستاذ العلوم السياسية، فهو اقتناع إسرائيل بأنها نجحت خلال الشهور الماضية فى توجيه ضربات مؤثرة للأذرع الإيرانية فى المنطقة، وعلى رأسها حزب الله فى لبنان، وحركة حماس فى غزة، فضلاً عن الحوثيين فى اليمن. وقال بدر الدين: "ربما تصورت إسرائيل أنها أضعفت بشكل كافٍ وكلاء إيران فى الإقليم، وبات من الممكن الآن أن تنتقل إلى ضرب 'رأس الأخطبوط' نفسه، أى إيران، بعد إضعاف أذرعها".

وفيما يتعلق بالوضع الداخلى الإسرائيلي، أوضح  الدكتور إكرام بدر الدين أن حكومة بنيامين نتنياهو تعانى من حالة غير مسبوقة من الانقسام والخلافات، سواء داخل الائتلاف الحاكم نفسه، أو بين الساسة والعسكريين، بل حتى على مستوى الشارع الإسرائيلى الذى شهد مظاهرات واسعة خلال الفترة الماضية من أهالى الأسرى وضحايا العمليات الأخيرة. واعتبر بدر الدين أن توجيه ضربة قوية لإيران يمثل – من وجهة نظر نتنياهو – وسيلة لتوحيد الداخل الإسرائيلي، وصرف الأنظار عن الأزمات والصراعات السياسية الداخلية، عبر التلويح بوجود "خطر خارجى كبير" يستدعى تماسك الجبهة الداخلية.

وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، قال "بدر الدين" إن الداخل الأمريكى يعانى هو الآخر من أزمات متفاقمة، خاصة مع تصاعد المظاهرات فى كاليفورنيا ومدن أمريكية أخرى، مشيرًا إلى أن الأمر بلغ ذروته مؤخراً بنزول قوات فيدرالية لمواجهة المتظاهرين، فى خطوة نادرة لم تحدث بهذا الحجم والحدة منذ سنوات طويلة. وأضاف: "هناك من يرى أن هذه الأزمة الداخلية ربما دفعت الإدارة الأمريكية، ولو بصمت، إلى مساعدة إسرائيل على توجيه هذه الضربة، لتحويل الأنظار جزئيًا عن الوضع الداخلى المضطرب، وإعادة تركيز الرأى العام على ملف السياسة الخارجية".

ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن هذه ليست المرة الأولى التى تشهد فيها الولايات المتحدة أزمات داخلية متزامنة مع تصعيد خارجي، لكن ما يميز هذه اللحظة بالذات هو حدة الأوضاع الداخلية، إلى حد أن البعض فى الداخل الأمريكى بدأ يتحدث – ولو همسًا – عن سيناريوهات انفصال ولايات أو اضطرابات غير مسبوقة، خاصة فى ظل التوتر الحاد بين سلطات بعض الولايات، مثل كاليفورنيا، والإدارة الفيدرالية فى واشنطن.

وشدد على أن "أهم سبب من وجهة نظره لاختيار هذا التوقيت بالذات هو المفاجأة الكاملة التى أُعدت بعناية شديدة"، مضيفًا: "لا أحد كان يتصور أن تقوم إسرائيل بهذه العملية بينما كانت المفاوضات لا تزال قائمة بوساطة عمان، بل كان التقدير السائد هو أن أى تصعيد سيكون مؤجلًا لحين حسم مسار المفاوضات".

 وأشار إلى أن هناك توافقًا غير معلن بين الولايات المتحدة وإسرائيل فى التعامل مع الملف النووى الإيراني، إذ أن واشنطن لا تريد لطهران أن تمتلك سلاحًا نوويًا، بينما ترفض تل أبيب من الأساس وجود أى قوة نووية فى الشرق الأوسط خارج مظلتها الخاصة، معتبرة أن احتكار السلاح النووى فى المنطقة جزء من استراتيجيتها الأمنية.

وفى سياق متصل قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إن اختيار توقيت الحرب الحالية بين إسرائيل وإيران لم يكن عشوائيًا، بل جاء محسوبًا بعناية شديدة ومرتبطًا بجملة من الاعتبارات الداخلية والخارجية لدى الطرفين، وعلى رأسها ما يجرى فى الداخل الإسرائيلى والولايات المتحدة على حد سواء.

وأوضح أن التصعيد الإسرائيلى لم يأتِ فقط كرد فعل مباشر على تطور البرنامج النووى الإيراني، بل يرتبط بما وصفه بـ"الخديعة الأمريكية" فى التعامل مع طهران، مشيرًا إلى أن إسرائيل أدركت أن هناك مماطلة أمريكية فى حسم المفاوضات النووية مع إيران، وتواطؤ ضمنى من جانب إدارة الرئيس الأمريكى فى منح طهران فرصة الاقتراب من عتبة إنتاج القنبلة النووية.

وأضاف الدكتور طارق فهمى أن لدى إسرائيل تقديرات مؤكدة بأن إيران باتت على أعتاب القدرة الكاملة لإنتاج السلاح النووي، وهو ما جعل صناع القرار فى تل أبيب يرون أن مسألة صناعة القنبلة أصبحت "مسألة وقت" فقط بالنسبة لطهران، ما دفعهم للتعجيل بضرب المنشآت النووية الإيرانية قبل أن تخرج من نطاق السيطرة.

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو استثمر الظرف السياسى الراهن داخليًا فى إسرائيل، المليء بالأزمات والاحتجاجات، ليحول الأنظار إلى خطر خارجى يتمثل فى إيران، سعيًا منه لتوحيد الصف الداخلى وكسب دعم القوى اليمينية المتشددة، وهو أمر يتكرر فى الأوقات التى يتعثر فيها رئيس الحكومة الإسرائيلى سياسيًا.

وأكد الدكتور طارق فهمى أن الأمر لا يقتصر على إسرائيل فقط، بل يرتبط أيضًا بالأوضاع المضطربة داخل الولايات المتحدة، حيث تشهد مدينة لوس أنجلوس تصاعدًا خطيرًا فى أعمال الشغب والاحتجاجات ضد إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مع انقسامات واضحة بين سلطات الولاية والإدارة الفيدرالية حول أسلوب التعامل مع تلك الاحتجاجات.

وقال: "ما يجرى فى لوس أنجلوس من تظاهرات عارمة واحتجاجات تعكس حالة من الانقسام المجتمعى والسياسى العميق داخل المجتمع الأمريكي، لا سيما أن أغلب سكان المدينة من أصول لاتينية وجنوبية ولديهم ارتباط مباشر بمشكلة الهجرة غير الشرعية، الأمر الذى يعقد المشهد الأمريكى ويضعف قدرة واشنطن على التركيز الكامل على الساحة الخارجية فى هذا التوقيت الحرج".

وحذر الدكتور طارق فهمى من أن الخطاب التصادمى الذى يتبناه الرئيس الأمريكى ترامب ضد المتظاهرين، ووصفه لهم بالغزاة والمجرمين، يزيد من حدة الاحتقان الداخلي، لا سيما فى ظل الخلاف بين عمدة لوس أنجلوس وحاكم كاليفورنيا من جهة، والإدارة الفيدرالية من جهة أخرى، حول نشر الحرس الوطنى والقوات العسكرية دون طلب رسمى من سلطات الولاية.

وفيما يخص مسار الحرب بين إسرائيل وإيران، أكد "فهمي" أن المشهد لا يزال فى طور "حرب تكسير عظام"، وأنه من المبكر الحكم على كونها حربًا ممتدة أم عملية محدودة الأثر، خاصة فى ظل توازن الردود حتى الآن، لافتًا إلى أن إسرائيل لم تنجح حتى اللحظة فى تعطيل كامل للبرنامج النووى الإيرانى رغم الضربات التى استهدفت مواقع مثل أصفهان وفوردو.

وأشار إلى أن هناك خسائر مؤكدة فى الجانبين، سواء فى الأرواح أو البنية التحتية، فإسرائيل تواجه خطرًا حقيقيًا تمثل فى سقوط صواريخ ومسيرات على مساكن مدنية وملاجئ داخل المدن الكبرى، فى حين تعرضت إيران لعمليات اغتيال وتصفية لعناصر بارزة فى برنامجها النووى والعسكري.

وشدد على أن دخول الولايات المتحدة عسكريًا فى هذه المواجهة سيغير موازين المعركة كليًا، مرجحًا أن يحدث التدخل الأمريكى فى حالتين رئيسيتين، الأولى إذا استُهدف الحضور العسكرى الأمريكى فى الخليج العربي، والثانية إذا تم تهديد أو غلق بعض الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز أو بحر عمان، بما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى الأمريكي.

وأكد أستاذ العلوم السياسية على أن الحرب، حال تصعيدها بدخول واشنطن المباشر، قد تتحول إلى حرب شاملة تهدف فى النهاية إلى إسقاط النظام الإيراني، وليس فقط تحجيم برنامجه النووي، معتبرًا أن كل طرف من أطراف النزاع يسعى الآن لدفع الآخر إلى حافة الهاوية دون أن ينزلق هو نفسه إلى قاع الصراع الكامل.

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الرابح والخاسر فى الحرب الغامضة بيـــن إسرائيل وإيــــران
باحثون يحذرون من السينـاريو الأسوأ للحرب الإيرانية الإسرائيلية

المزيد من سياسة

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...

منتدى التعاون العربى الهندى فى دورته الثانية:إعادة تشكيل الشراكة فى عالم متغير

بدعوة من وزارة الشؤون الخارجية الهندية شارك مؤخرا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في عدد من الفعاليات...

مصر تتصدر مؤشر الشعور بالأمن على مستوى العالم

سالم: ارتفاع تصنيف مصر فى مؤشر الأمن يعكس جهود القيادة السياسية التى تحركت فى كل الاتجاهات داخلياً وخارجياً


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص