الولايات المتحدة تعلن رئيس وزراء إسرائيل الجديد تمهيدا للإطاحة بنتنياهو

تنسيق أمريكى – بريطانى لتصعيد وزير الدفاع الإسرائيلى الأسبق لخلافة نتنياهو

ألقت زيارة وزير الدفاع الإسرائيلى الأسبق، رئيس ما يُعرف بـ«معسكر الدولة» الانتخابى بنى جانتس للولايات المتحدة ضوءًا أخضر على رئيس وزراء إسرائيل الذى يريده البيت الأبيض؛ فالزيارة «غير المنسقة مع رأس النظام الحاكم فى تل أبيب»، لا تعكس فقط قوة جانتس، ولا تسحب البساط فقط أيضًا من تحت أقدام نتنياهو، وإنما تعكس إلى حد كبير واقع الفراغ السياسى الذى يخيم على كامل مفاصل الدولة العبرية، وترحيب واشنطن بسياسات أكثر انفتاحًا على سياستها بعيدًا عن نتنياهو الرابض تحت أقدام أعضاء الائتلاف اليمينى المتطرف.

وربما لا تجسد هذه الرؤية واقع الحال فى المكتب البيضاوى فقط، وإنما انتقلت سريعًا إلى لندن، التى أضافها «الجنرال المدني» إلى جدول رحلته فى طريق العودة إلى إسرائيل، وهو ما يعطى انطباعًا بانضمام المملكة المتحدة إلى سياسة البيت الأبيض المناوئة لبنيامين نتنياهو، والطامحة إلى التعامل مع شخصية إسرائيلية جديدة محسوبة على تيار الوسط، فضلًا عن حفاظها على مسافة واحدة من الخصوم.

ومن خلال قراءة خط بنى جانتس السياسى داخل وخارج حكومة تل أبيب، لا يمكن تجاوز تواصله السابق والمتكرر مع الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبومازن، أو غض الطرف عن تبادل زياراته السابقة مع كوادر السلطة الفلسطينية فى رام الله وتل أبيب؛ ورغم عضويته فى مجلس الحرب الإسرائيلي، لكنه يمتلك حسًا سياسيًا لا ينكر على الفلسطينيين طلب إعلان دولتهم المستقلة بعيدًا عن فنيات هيكل الدولة المزمع إعلانها.

 حلحلة النزاعات

ربما سأمت واشنطن ومعها لندن أيضًا من التعويل على خروج نتنياهو من شرنقة اليمين المتطرف، وعزوفه (تقربًا من اليمين) عن مناقشة فكرة إعلان دولة فلسطينية، وهو ما دعا العاصمتين بعد تنسيق غير معلن إلى تصعيد شخصية متوافق عليها، يمكنها التجاوب مع معطيات إقليمية غير مسبوقة، تفضى فى نهاية المطاف إلى حلحلة النزاعات، والحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل فى منطقة الشرق الأوسط مقابل ما تصفه الإدارة الأمريكية بـ«تنازل إسرائيلى لصالح الفلسطينيين»!

لابد من الاعتراف بحنكة جانتس السياسية، فلقاؤه وزير الخارجية أنتونى بلينكن، ونائبة الرئيس كامالا ديفى هاريس، يعكس إلى حد كبير تطلعه السياسي، ويعيد إلى الأذهان لقاءه الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب رغمًا عن أنف رئيس الوزراء فى حينه أيضًا بنيامين نتنياهو، ما يعنى حضور جانتس دائمًا فى عقل الإدارة الأمريكية سواءً كانت جمهورية أو ديمقراطية. يضاف إلى ذلك أن جانتس يدرك ومستشاريه حتمية البقاء فى حكومة الطوارئ إلى جانب نتنياهو، لاسيما فى ظل موقف الولايات المتحدة الرامى إلى عدم مغادرته قمرة القيادة فى الوقت الراهن.

لا يعنى ذلك قطعًا أن جانتس «مشروع امريكي»، لكنه سياسى مستقل، لديه أصدقاء فى الحكومة ولديه فريق من المستشارين، فضلًا عن حساباته الخاصة، التى ربما تقودها أو على الأقل تحركها نتائج استطلاعات رأي، مازالت تظهر له أن معظم مؤيديه مهتمون باستمرار تعاون «معسكر الدولة» الذى يقوده مع حكومة بنيامين نتنياهو.

 حنكة جانتس

وربما تتعزز حنكة جانتس، وفق تعبير الصحفية الإسرائيلية آنا بريسكي، عند النظر إلى رغبته فى إلقاء الضوء على استقلاليته السياسية، وعزوفه عن الالتصاق بمعسكر اليمين المتطرف، وهو ما يجعله المرشح الأوفر حظًا لخلافة نتنياهو، لاسيما وأن زيارته واشنطن فى الوقت الراهن تعزز مكانته أمام المسئولين الأمريكيين كشخصية سياسية قوية ورائدة فى إسرائيل. أما الجانب الأمريكى فهو الأكثر استفادة من الزيارة؛ فبعد التسريبات الأخيرة التى روَّجت لها آلة الإعلام العبرية، ظهرت حزمة من التلميحات، التى رشقت بها إدارة بايدن حكومة نتنياهو، والتى دارت جميعها حول استياء الرئيس بايدن وحاشيته من سلوك الحكومة الإسرائيلية، ومن عناصرها اليمينية المتطرفة، التى تركت الإدارة الديمقراطية عاجزة عن تمرير حلول لأزمة سياسية أو أخرى، سواءً فى قطاع غزة، أو جنوب لبنان، أو حتى فى الضفة الغربية.

لعل ما يؤشر لرسالة البيت الأبيض إلى نتنياهو هو ما يمكن وصفه بـ«الاستقبال الملكي» لغريم رئيس الوزراء الإسرائيلي، ويدور فحوى الرسالة الأمريكية، وفقًا لتعبير صحيفة «معاريف»: «خاب أملنا فيك وفى محاولاتنا للتوصل إلى تفاهم معك. الآن سنتحدث مع أولئك الذين يتعاونون معنا؛ وربما مع شخص يحل محلك قريبا». ويمكن ضم زيارة جانتس دون موافقة نتنياهو المسبقة إلى محاولة وزير الخارجية أنتونى بلينكن خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل تحديد موعد لإجراء مناقشة منفصلة مع رئيس الأركان الإسرائيلى هارتسى هاليفي. حينها جرت المباراة على أرض نتنياهو، لذلك كان من الصعب على الجانب الأمريكى تحديد القواعد. هذه المرة تمت دعوة بنى جانتس إلى حلبة بايدن وفريقه المحلية حتى لا يصبح أمام نتنياهو سوى مشاهدة المباراة من المنزل، والانشغال ببناء خط الدفاع.

 تحييد إيران

لكن السؤال الذى بات ملحًا أكثر من أى وقت مضى هو: لماذا تصر الإدارة الأمريكية على إحياء مشروع أو رؤية حل الدولتين (دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل) فى هذا التوقيت؟ يؤشر الواقع إلى تطلع الإدارة الامريكية إلى تمرير أكثر من مشروع بورقة الدولة الفلسطينية المستقلة، الأول: تحييد إيران، وضمان عزوفها عن التمدد فيما يُعرف بـ«الساحات المتصلة» بداعى الدفاع عن فلسطين، ومواجهة إسرائيل فى أكثر من جبهة، لاسيما فى ظل اعتراف حماس نفسها بدعم طهران لعملية «طوفان الأقصى» فى 7 أكتوبر الماضي، وانتفاض الحوثيين (ذراع إيران) فى اليمن ضد السفن وناقلات النفط الأمريكية والإسرائيلية فى مضيق باب المندب، بالإضافة إلى إشعال جبهة الجنوب اللبنانى من خلال «حزب الله»، وتسخين الجبهة السورية عبر المليشيات الشيعية الموالية للدولة الفارسية ذاتها.

ثانيًا: حرص إدارة بايدن وكذلك التيارات الموالية لأجندتها فى تل أبيب على توسيع نطاق دائرة تطبيع علاقات دول عربية وإسلامية جديدة مع الدولة العبرية، وهو ما يفتح مجالًا لتعاون اقتصادى وسياسى غير محدود، ينعكس إيجابًا على إسرائيل والولايات المتحدة.

ثالثًا: تمرير مشروع «محور الديمقراطية»، الرامى إلى الربط بين الهند وإسرائيل عبر مسار دول «الاتفاقات الإبراهيمية»، ولعل هذا الهدف كان واضحًا فى تصريح إسرائيلى غير تقليدي، جاء على لسان العقيد احتياط، البروفيسور الإسرائيلى حنان شي، الذى أكد فى لقاء مع إذاعة «كان» الإسرائيلية أن «الحرب التى نخوضها هنا ليست بيننا وبين الفلسطينيين أو حماس، وإنما هى جزء من مشروع الرئيس بايدن، الرامى إلى إنشاء محور لحركة البضائع والطاقة وغيرها من المحيط الهادئ، عبر الهند وإسرائيل للاتصال بحوض المحيط الأطلسي».

 جرأة مذهلة

وفى جرأة مذهلة تجسد مكاشفة نسبية، وتغاير سياسة الصمت أو التعتيم الإسرائيلية، قال العقيد الإسرائيلى المتقاعد: «إنه محور السكك الحديدية الغربي، أو المعروف بـ«محور الديمقراطية»، الذى ينافسه محور آخر، يربط الصين بحوض البحر المتوسط عبر أفغانستان وباكستان وإيران».

ما تجاهله العقيد الإسرائيلى هو الإشارة إلى رغبة واشنطن وتل أبيب فى التخلص من صداع الرأس الغزاوي؛ فحتى إذا لم يتعارض مسار «محور الديمقراطية» مع جغرافيا القطاع، فلابد من ضمان أمن المحور، وتفادى إمكانية تعرضه لرشقة صاروخية أو أخرى من القطاع؛ لذا عمدت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إخلاء القطاع من قاطنيه، وابتكر الطرفان قضية «التهجير» إلى سيناء أو مكان آخر لتمرير المشروع.

وإذا انتمى العقيد حنان شى إلى كتيبة معهد «مسجاف» الإسرائيلى الأكثر تسويقًا وابتكارًا لخطط تهجير الغزاويين، فالصحفى الإسرائيلى المتخصص فى الملفات الأمنية إيتمار آيخنر رصد جانبًا من باكورة التعاون الأمريكى الإسرائيلى فى المشروع، مشيرًا إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية عرضت المخطط على المبعوث الأمريكى الخاص عاموس هوخشتاين، الذى عرضه بدوره على الرئيس بايدن، وأصدر قرارًا بالترويج له لدى الدول المعنية، لكن صداع الرأس الغزاوى كان محرضًا على الخلاص منه بشكل أو بآخر قبل البدء فى المشروع، بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت».

 أهداف إسرائيل

وإذا كانت واشنطن تعمل على المشروع بمنظور اقتصادي، فإسرائيل سعت إلى تحقيق عدة أهداف من ورائه، أولًا: ضم قطاع غزة إلى إسرائيل. ثانيًا: السيطرة على جانب كبير من مياه شرق المتوسط بعد الضم، وهو ما يتيح الاستيلاء على حقول جديدة من الغاز. ثالثًا: توسيع نطاق مصنع الاستيطان على حساب أرض القطاع. رابعًا: إحياء فكرة قناة «بن جوريون» بين إيلات وساحل غزة. خامسًا: تجميد المشروعات التنموية واللوجستية لدى دول الجوار الإسرائيلي، لاسيما المشروعات المصرية عبر خلق بديل لها.

يدرك نتنياهو ومعسكره جيدًا خطورة زيارة بنى جانتس للولايات المتحدة، والرسائل الأمريكية الكامنة فى التجاوب مع القائم بها، لكن خط دفاع رئيس الوزراء الإسرائيلى اقتصر على توجيه أوامر لسفارتى إسرائيل لدى واشنطن ولندن (محطة جانتس فى طريق العودة إلى إسرائيل) بعدم التعاون مع الزائر، أو تقديم خدمات دبلوماسية متبعة فى مثل هذه الزيارات. بالإضافة إلى ذلك، أشعل يائير نتنياهو وسائل التواصل الاجتماعى الإسرائيلية ضد بنى جانتس، وفى حسابه على موقع X (تويتر سابقًا) حاول نتنياهو الابن التشكيك فى نزاهة بنى جانتس، متسائلًا عن مصدر تمويل الزيارة التى جرت من وراء ظهر والده ودون أدنى تنسيق مع أية جهة إسرائيلية، وفسر تصرف عضو مجلس الحرب الإسرائيلى بأنه انقلاب ناعم على رئيس وزراء إسرائيل.

 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...

منتدى التعاون العربى الهندى فى دورته الثانية:إعادة تشكيل الشراكة فى عالم متغير

بدعوة من وزارة الشؤون الخارجية الهندية شارك مؤخرا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في عدد من الفعاليات...

مصر تتصدر مؤشر الشعور بالأمن على مستوى العالم

سالم: ارتفاع تصنيف مصر فى مؤشر الأمن يعكس جهود القيادة السياسية التى تحركت فى كل الاتجاهات داخلياً وخارجياً


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص