أحمد الشريف: أكتب عن الإنسان العالق بين وطن يضيع ومنفى لا يكتمل

اللغة كائن يتنفس مع الشخصية الشخصية المهمشة بسيطة وعفوية ولديها قدرة عجيبة على الحلم أسعى أن تكون ترجماتى جسرًا أو نافذة بين مصر والنرويج أنا مشغول دائمًا بعوالم المهمشين.. ولم أظلم نقديًا

أحمد الشريف روائى ومترجم مصرى يقيم فى أوسلو، ويطمح فى أن يكون جسرا بين الثقافة الأوروبية والمصرية عبر ترجماته، صدر له العديد من الأعمال السردية المميزة، تجمع بين البساطة والعمق، من بين أعماله "مسك الليل"، و"متاهة اللذة"، و"حندوق وشبورة إسكندرية"، و"حكايات الجدة الإيروتيكية". ومؤخرا صدر له رواية "رجل الفودكا"، تتناول حياة اللاجئين والمغتربين، من خلال قصة لاجئ عراقى يعيش بعيدا عن وطنه، وعن نفسه أيضا، تحدثنا معه عن الرواية وعن أعماله ومشروعه القادم.

ما الخط الدرامى المهيمن فى رواية "رجل الفودكا"؟

"رجل الفودكا" تتناول حياة لاجئ عراقى مغترب، هارب من الصراعات، جاء إلى أوروبا، وتحديداً العاصمة النرويجية أوسلو، محملا بكل المشاكل والصراعات والأحزان والمأسى التى مرت عليه فى العراق، مثل فقدان الأب وخطفه من قبل مليشيات حزب البعث، ثم قتله، فقد حنان الأب، فأصبح متمرداً، ثم جاء النرويج مع أخوته الكبار، كعادة بعض الجنسيات ومنهم الأشقاء العراقييين، عند سفرهم إلى أى بلد يأخذون معهم أخوتهم وأقاربهم. هذا الشخص مع الوقت شعر بحالة من اللااتزان والاضطراب، فلجأ إلى الكحول وشرب الفودكا.

 ما الذى جذبك لتجسيد شخصية لاجئ عراقى يعيش فى النرويج؟

العراقيون أكثرية فى المنفى،  وتحديداً فى الدول الأوروبية، نظراً للحروب التى كانت فى العراق، مثل حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية، ثم دخول الأمريكان للعراق، فأدى ذلك إلى هجرة 4 مليون عراقى حول العالم، بالإضافة إلى أن الشخصية العراقية محملة بمشاكل نفسية ووجودية، نظراً لما مرت به من حروب وأزمات وهجرة، كما أن العراقى عندما يهاجر يكون تحت ضغط، وشظف العيش والفقر، وهذا يسبب له اضطرابا فى الشخصية، لأنه جاء من دولة غنية، ولكن بها صراعات وحروب وفساد، بالإضافة إلى البعد عن الوطن والأهل، كل هذا يخلق شخصية محيرة روائياً وفنياً.

 هل "رجل الفودكا" متممة لروايتك السابقة "كريستيانيا والمهاجر"؟

بعض النقاد اعتبروا أن "رجل الفودكا" جزءا ثانيا من رواية "كريستيانيا والمهاجر"، نظراً لأن معظم أحداثها تدور فى العاصمة أوسلو، وتتناول أيضا قصصا لبعض المنفيين والمغتربين، فربطوا بين الروايتين، ولكن "رجل الفودكا" رواية مستقلة، وشخصياتها مختلفة تماماً عن شخصيات الرواية الأخرى.

 العنوان يحمل دلالات رمزية.. فهل الفودكا هنا رمز للهروب من الواقع، أم للإنسان الضائع فى المنفي؟

الاثنان معاً، الفودكا هنا ليست شراباً، بل رمز، ففى النرويج يعتبرون الفودكا شرابا يتم تناوله فى فترات الراحة أو فى عطلات نهاية الأسبوع أو الاحتفالات، يشربونها للاستمتاع والاحتفال، ولكن بالنسبة لبطل الرواية كانت لا تمنحه إلا مزيداً من الغربة، ومع الوقت فقد لذة الشرب، وتحولت الفودكا إلى وسيلة للانتحار البطىء.

 هل اختيارك لاسم "تايه" بطل الروية له دلالة؟ وهل كنت تقصد بها نموذجا فرديا أم جيلا كاملا من اللاجئين؟

"تايه" اسم شائع فى مدينة البصرة العراقية، وهو أيضا يعتبر اسم وصفة فى ذات الوقت، وتايه هو رمز لكل من فقد طريقه فى الزحام، فهو تائه وكل من حوله تائهون، جيل كامل تائه، لأن حتى لو كان الشخص فى وضعية اقتصادية جيدة أو مركز جيد خارج بلده، دائما يشعر بحالة من الحيرة والتوهان، لأن بلده فى وجدانه ودائما يفكر فيها.

 مزجت فى الرواية بين اللغة العربية الفصحى واللهجة العراقية، كيف تعاملت مع هذا التداخل اللغوى؟

هذا المزج لم يكن عائقا بالنسبة لى،  وأعتبر أنه جعل النص أقرب إلى الحياة، إن اختار المفردات العربية الفصحى،  وللعلم 70 % من اللهجة العراقية هى فصحى،  فكان هذا المزج سهلا، فاللغة عندى كائن يتنفس مع الشخصية، فحين أكتب عراقياً لا يمكن أن أضع فى فمه لغة لا تشبهه.

 هل أثرت تجاربك الشخصية والتعامل مع ثقافات مختلفة فى كتابتك لهذه الرواية؟

بلا شك، فنجد فى الرواية شخصيات من بلدان مختلفة، من النرويج والعراق وسوريا وبولندا والسويد، كل منهم يحمل موروثا وثقافة مختلفة عن الآخر، وحاولت أن أجعلهم يتحاورون بهدوء، حتى لا يخلق بينهم صراعات، وللعلم حتى الدول الأوروبية نفسها غير موحدة ثقافياً، فهم ينظرون للمختلف عنهم بعين الحذر. الرواية نابعة من الواقع، وكل شخصياتها يمكن أن تراها فى أى مكان.

 رواية "حندوق وشبورة إسكندرية" كانت تتناول الاغتراب داخل الوطن، وفى "رجل الفودكا" الاغتراب كان فى المنفى،  هل الروايتان وجهان لعملة واحدة؟

بالفعل، فالروايتان عن الإنسان العالق بين وطن يضيع ومنفى لا يكتمل، فمثلا "حندوق وشبورة إسكندرية" أعتبرها رواية السفر بامتياز، أو رواية التطلع إلى السفر والشوق له بجنون، فالبطل دائما يتابع السفن وهى فى الميناء، وهو فى شوق للضفة الأخرى،  ودائما يسأل: ماذا يحدث فى الضفة الأخرى؟ هناك نوعان من الغربة: غربة المكان وغربة المعنى.  فى "حندوق وشبورة أسكندرية" الناس يعيشون فى بيوتهم، لكنهم لا يشعرون بالانتماء، وأصعب اغتراب هو الاغتراب داخل الوطن.

 فى الروايتين نجد أبطالا ضائعين يبحثون عن هوية، ما الذى يجذبك لهذه التيمة فى أعمالك؟

الإنسان الذى يعيش من غير توجه وبلا هدف أو حلم يحققه، أو شىء يرجو الوصول إليه، أو محاولة تغيير الواقع، سواء الوضع الجغرافى أو الوضع المادى أو الوضع الاجتماعى،  أو تغيير نفسه والآخرين، فهو بالتأكيد بلا هوية، أو كأنه ريشة فى مهب الريح، وللأسف هناك أشخاص ولا سيما فى العمل الروائى "مساكين" وفى حالة حيرة، لا يملكون الاختيار، وهنا تأتى بعض التيارات المضللة أو بعض التيارات المتشددة أو بعض التيارات التى تحمل هويات سياسية تضر الوطن والمواطن، وتضر الشخصية البسيطة فتجذبها بطرق ملتوية، لتكون ضد نفسها وضد الوطن، فمن هنا تأتى ضرورة الاهتمام بتأكيد الهوية.

 تهتم فى أعمالك بالشخصيات المهمشة والمنسية.. ما الذى يجذبك لتلك العوالم؟

عالم المهمشين غنى وثرى،  وأنا مشغول دائما به، لأنهم يمتلكون صدقاً نادراً، والناقد والشاعر أحمد فضل شبلول، قال إن فى رواية "حندوق وشبورة إسكندرية" الكاتب اختار منطقة بكر فى الإسكندرية، وهى منطقة الدخيلة، وللأسف لم نكتب عن هذه المنطقة من قبل، كنا نكتب عن المناطق المعروفة فقط، مثل المنتزه والأنفوشى وبحرى ومحطة الرمل، وأنا لا أنحاز فقط للشخصيات المهمشة، ولكن أيضا للأماكن المهمشة. الشخصية المهمشة بسيطة وعفوية، ولديها قدرة عجيبة على الحلم رغم القسوة، هؤلاء الأشخاص هم مادة الحياة الحقيقية.

 حدثنا عن تجربتك مع ترجمة مختارات من الشعر النرويجى،  وكتاب "الراقصون مع النجوم"؟

هذه التجربة كانت بناء على طلب من الأصدقاء فى مؤسسة نور النرويجية، والكل أجمع على اختيارى لهذه المهمة، لأنى مقيم فى أوسلو منذ حوالى 20 عاماً، وتعلمت اللغة فى جامعة أوسلو، وبالتالى كنت مؤهلا لهذه المهمة، وصادف وقتها أن النرويج كانت ضيف شرف معرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2024، فتواصلت مع أصدقائى فى الهيئة العامة للكتاب، ومنهم الأستاذ عزمى عبد الوهاب والشاعر والباحث دكتور فارس خضر، فتلاقت الظروف والأهداف، وخرج كتاب "الراقصون تحت النجوم" الكتاب عبارة عن مختارات من الشعر النرويجى لأربعة عشر شاعرا وشاعرة، يضم شعراء كتبوا فى بدايات القرن العشرين وعشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، وشعراء لايزالون على قيد الحياة. كما ترجمت مؤخراً رواية نرويجية أتمنى أن تصدر قريباً. وكل شهر لى مقالة فى مجلة عالم الكتاب التى تصدر عن الهيئة العامة للكتاب، أقدم فيها مادة عن الثقافة النرويجية أو الإسكندنافية، فمثلا نشر مؤخراً مقال عن الكاتب النرويجى "كنوت همسون" الفائز بجائزة نوبل عام 1920، بالإضافة إلى كتاب وموسيقيين ومصورين، وأحاول كل شهر أن يكون هناك تنوع ثقافى،  حتى أكون بمثابة جسر أو نافذة بين مصر والنرويج.

 كيف ترى مكانك بين كتاب جيلك فى مصر والوطن العربى؟

هناك مقولة: بلادى وإن جارت على عزيزة.. وأهلى وإن ضنوا على كرام.. بلدنا لا تنسى أبناءها ابداً، ولا سيما العاشقين والمغرمين بها، وأنا متفائل بطبيعتى،  وأعلم أن كل شخص يأخذ نصيبه فى النهاية، وأتمنى بالطبع ويسعدنى أن يتم تكريمى فى بلدى،  فمن منا لا يحب التقدير، وتحديداً من بلده، ولكن مصر لا تنسى أبناءها أبداً، وكل شىء بوقته.

 هل أنصفك النقد وتعامل مع تجربتك بما تستحق؟

أنا راض جداً، والنقد أنصفنى،  فمثلا ما كتب عن "رجل الفودكا" والندوات التى ناقشتها، ربما أكثر من حجم الرواية نفسها. مصر لديها شىء رائع، وهو أن أى عمل جيد يأخذ حقه، وهذا حدث معى منذ أول مجموعة قصصية "مسك الليل"، لا أحد يستطيع أن يقول إنه ظلم نقدياً، لو العمل جيد، سيقف بجانبك النقاد والقراء، وهذا من خلال تجربتى.  وهذه قناعتى الشخصية، أنا لم أظلم نقدياً.

 ماذا عن عملك القادم؟

العمل القادم سيكون عودة للمجتمع المصرى والثقافة المصرية، أتناول فيه شريحة جديدة من داخل المجتمع المصرى،  وتحديداً عن المهمشين على أطراف المدن، وأتمنى أن أنتهى منه قريباً.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - الفانوسجي

يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..

مدحت صفوت: الترند جعل «اللايك» و«الشير» المعيار البديل للقيمة الجمالية

المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا

عصام الزيات: الطب أعطانى المادة الخام والكتابة أعطتها معنى

تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق

بين الغيب والحظ والقسمة والنصيب فلسفة القضاء والقدر

يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص