الأديب خيرى شلبى يكتب: حكايات أمهات أبطال العبور

فى 3 نوفمبر 1973 كتب الأديب الكبير خيرى شلبى مقالًا بعنوان «منزل فى الميدان لأم محمد»، يرصد فيه مشاعر كل أم مصرية قدمت قطعة من روحها فداء لهذا الوطن، وكان نص المقال كالتالى:

 لقد تعبت من الكلام والمشى، وآن لى أن أستريح، وتريد أن تستفزنى فى الحديث كى تصرف نظرى عن طول الطريق، لكننى أريد أن أغمض العين وأفتحها وقبل عودة الطرف أكون فى قلب المنزل، حيث ألتمس الدفء والراحة والأمان، احذر أن تكون ساترا فى خداعى فتذهب بى إلى منزلك فليس هو ما أعنيه رغم أنه يضم شيئا من دمى وبعضا من جسدى وليس من أجل زيارة أحدكم، جئت المدينة على عجل وليس ما تركته فى قريتى من جدران قائمة هو منزلى، إنما أرض القتال هى منزلى..

أتبتسم فى خبث يا ولد؟ .. تظننى عجوزا مخرفة؟ أيا ما كانت ظنونك فإن الحقيقى فى الأمر هو أننى جد صادقة، وكيف لا وأنا أبلغ من العمر عشرات المعارك اكتويت بنارها، وكل معركة أعطيت أتونها ولدا، كل ولد ربيته وحدى بعرق جبينى، وكد ذراع زوجى كان أيامها بعيدا عنى.. أتعرف أين كان؟ اسأل الموج الدافق فى قناة السويس فمن المؤكد أنه يعرفه، سيقول لك إن زوجى ساهم فى دفعه بصفائح من عرقه أثناء عمله فى حفرها. الله يرحمه ظل طول عمره بعيدا.. إن لم يكن فى حفر القنوات والمصارف والترع، ففى درء خطر الفيضان أيام الفيضانات الله يرحمه لم يكن يجىء إلا ليأخذ عملا جديدا مفاجئا، فالعمل هو السلطة الأولى فى حياته، فلم يكن يمكث فى أحضان الفراش إلا بقدر ما يدع فى الأحشاء بذرة جديدة..

ويترك فى القلب جراحات جديدة.. ويثقل كاهلى بأعباء جديدة من سفر إلى سفر، تعددت الأولاد والجراحات والأعباء.. النمو الحقيقى الذى عرفته حياتى هو نمو الأولاد والجراحات والأعباء، تسقينى الجراحات صديدها فأذيب الأعباء فى صهد السنين فتصبح رجلا يافعا أرمی به فى أتون معركة جديدة.. يذهب فلا يعود فلا تطرف لى عين ولا أذرف دمعة، وكيف أذرف الدموع وقد أهدانيه الله لأهديه إلى طريق الخلاص ليزيح عن كاهلى جبل الهموم..

لا لم أذرف.. وهل يذرف الدمع من أضاف إلى سور الحماية رجلا فما بالك بالتی أضافت كوكبة رجال.. أكون جديرة بالحزن حقا إذا لم يكن عندى ما أعطيه..

دعك من الموضوع الذى تريد أن تكتبه عنى فى الجرانين.. وانظر فى سيالتى هذه تجد عجبا. هذه هى.. لا تحاول أن تكتب شيئا.. فى هذه اللحظة لا أريد كاتبا بل قارئا اقرأ لى بصوت عال.. هات ما تعلمته فى المدارس من سير القديسين والشهداء وما عرفته من أبناء نساء فى مثل حالى.. تجدهم كلهم أبنائی أعزائى خلصائى الأبرار... اقرأ فى هذه القصاصات التى تكاد تذوب فى «سيالتى» نعم هذه شهادات ميلاد..  هذا هو ابنى «محمد» مات أبوه فى حفر القناة، ومات هو فى «التل الكبير»، وهذا هو ابنى «حسن» ذهب إلى الفالوجا وصعدت روحه إلى السماء..

وهذا هو ابنى «محمود» مات فى «بور سعيد» فى العام السادس والخمسين.. وهذا هو ابنى «زيدان» ذهب إلى سيناء عام سبعة وستين.. تسألنى الآن لمن هذه المجموعة من الصور.. هذه حزمة أخرى من الرجال لابد أنك تعرفها.

بعض أشقاء لزوجى وكلهم من أولاد بناتى ورجالى.. جميعهم الآن فى سيناء، وقلبى يؤكد لى أن أحدهم هو الذى رفع العلم المصرى فوق سيناء الحبيبة الغالية، فلتبق أرواحهم هناك ما بقى العلم المصرى مرتفعا..

آه يا من يطيرنى إلى هناك الآن.. لن يشفى جراحى إلا أن أحتضنه فى صدرى وأتنفس.. أتنفس بعمق لكى تتحول رفرفته إلى زئير يصم سمع البنادق ويبعثر قىء مدافع الطغاة المشركين.. الريح التى تداعب العلم الآن يا ولدی لیست سوی بعض أنفاسی المتصاعدة فى ارتياح عظيم.. إنه علم طويل مهيب بطول أكفان الشهداء، فويلك يا رصاص العدو حيثما يتمدد النسيم بطول الريح المصرية وعرضها.. آه يا ولدى حرانة أنا، وقيظ الثأر يلهينى، ولن يرطب قلبى سوى أن أستظل بهذا العلم.. سوف أذهب إلى هناك وصلب إرادتى يقهر كل المواقع.. قلبى فى سويداء الميدان بين أى بيت، ولى فى قلب الخطر منزل سوف أبنيه رغم أنف الخطر.. فليعلم هذا العدو الغاشم أن جثث الشهداء التى تتساقط من أبنائى وأبنائه لن تصنع فى النهاية سوی بیت واحد يستظل فيه الحق والضمير والإنسان.. وليس العدو بحق ولا ضمير ولا إنسان.. إنه شوكة العدوان..

إذا لم يذهب الجبل إلى محمد فليذهب محمد إلى الجبل.. لست الآن فى حاجة إلى أولادى بقدر ما هم فى حاجة إلىّ فكيف أتوانى عن تلبيتهم.. لا أطمع أن أكون مثل الطاهرة «زينب» عليها السلام.. ولكن فى قدرتى أن ألعب دورا مثلما لعبت.. أعرف أنك لن تذهب بى إلى حيث يدور القتال.. ولكننى سأتواجد بطول وعرض أرض المعركة، فليس الميدان هو ما دوى فى ساحته الرصاص، إنما ساحة الحق هى الميدان الحقيقى، ومهما أغارت عليه الصقور والغربان فهو أبدا لن يموت.

ما هذا الذى تهتف به يا ولد.. لو أعلم أنك تافه هكذا ما رضيت لابنتى أن تزوجك ابنتها.. ما الذى يدعوك الآن لأن تطلب صورتی.. ركبك عفريت اسمه صورتی؟ ابعد هذه الماكينة عنى.. إن كنت تطلب صورتى فهذا الكلام هو صورتى.. إن كان ولا بد للجرنان من صورة تؤيد الكلام فانشر صورة لأية فلاحة مصرية.. فكل فلاحة مصرية هى صورة لى.. وكل فلاح مصرى هو صورة لزوجى.. وكل سيدة فى المدينة هى مثل زوجتك إحدى بنات أولادى.. وكذا كل شاب فى المدينة وفى ساحة الجهاد.

قد أوافقك.. نعم أوافقك أن الأمر لا يخلو من بعض الضعفاء والضعيفات.. لكن ليس هناك الآن.. فى هذه اللحظة.. من يقيم حسابا لشىء سوى حساب الحق وحده.. الحق الذى يقيمونه الآن بأرواحهم ودمائهم، لقد أجبتك عن سؤالك الذى تريد أن تجرنى للإجابة عنه.. أجبتك قبل أن تصرح به.. وأضيف لم يعد هناك أحد يفكر فى تخزين شىء يستخدمه فى حياته للمأكل أو المشرب أو للراحة.. الشىء الوحيد الذى اختزنوه جيدا هو العزم والإصرار على تحرير الأرض وبناء الحق.

اذهب عنى أيها الخائف علىّ.. أما أنت أيها العلم الذى يرفرف على الأرض الحبيبة.. انتفض فى الريح، فأنا -هنا أو هناك- أحملك على صدرى.

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - الفانوسجي

يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..

مدحت صفوت: الترند جعل «اللايك» و«الشير» المعيار البديل للقيمة الجمالية

المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا

عصام الزيات: الطب أعطانى المادة الخام والكتابة أعطتها معنى

تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق

بين الغيب والحظ والقسمة والنصيب فلسفة القضاء والقدر

يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص