أحمد عثمان الباحث فى المصريات يفتح ملف القضية ويحكى الوقائع والأدلة/ الشبهات تحوم حول «بانخس» كاهن آتون الأكبر.. و«أيى» خال الملك
يظل الملك توت عنخ آمون هو نجم الشباك بين ملوك التاريخ.. ذاع صيته فى العالم كله، وتتوافد حشود السائحين من كافة أجناس العالم لزيارته والوقوف بإجلال أمام مومياته ومقتنياته بالغة الروعة..
وكــان اكــتشـاف مــقبــرتـــه بـوادى الملوك بــالأقصــر فــى 4 نــوفمبر 1922 حدثاً تغير بعده تاريخ علم المصريات، فقد كانت المقبرة هى الأولى التى يتم اكتشافها كاملة دون أن تمتد لها يد اللصوص وعبثهم، وضمت كنوزاً وأسراراً أعادت كتابة التاريخ الفرعونى، ودلت وأعطت صورة كاملة عن حياة المصرى القديم بكل تفاصيلها، من أزياء وطعام وسلاح وآثاث وآلات موسيقية..
كانت مقبرة الملك توت تضم 5 آلاف قطعة أثرية من الذهب الخالص و3 توابيت بالغة الروعة بينها التابوت الشهير الموجود بداخله مومياء الملك الشهير، واستمر تجهيز المقبرة وتنظيفها وجرد محتوياتها مدة 10 سنوات.. وكانت سبباً فى ذيوع ما سمى بلعنة الفراعنة، بعدما مات 22 ممن شاركوا فى اكتشافها فى ظروف غامضة..
والملك توت يمثل أكبر تجليات التقدم الذى بلغته الامبراطورية المصرية القديمة، وجلس على عرش مصر وعمره 9 سنوات، واستمر حكمه أقل من عشر سنوات (بين 1334 و1325 ق.م)، ومات فى ظروف غامضة ظلت لغزاً محيراً، إلى أن كانت تلك الدراسة التى ظهرت قبل 66 سنة وأثبتت أن الملك تعرض لعملية اغتيال، وأن وفاته كانت بسبب جريمة مدبرة..
وكان الباحث المصرى أحمد عثمان المتخصص فى التاريخ المصرى القديم والمقيم منذ سنوات بعيدة (منتصف الستينات) بالعاصمة الإنجليزية لندن من أبرز الذين كتبوا عن سيرة الملك توت، وتعددت كتبه ودراساته التى تناولت سيرة الملك توت حاكم مصر وفرعونها الأشهر، وفى تلك الشهادة يكشف أسرار مقتل الملك توت وملابسات الجريمة فى ذكرى مرور 66 عاماً على اكتشافها:
(1)
توت عنخ آمون أشهر ملوك التاريخ القديم إطلاقاً مات مقتولاً، وظلت جريمة القتل وفاعلها سراً محفوظاً داخل تابوت الملك لأكثر من ثلاثة ألف عام، بل إن جريمة قتل الملك الشاب لم يتم التأكد منها لحوالى 80 عاماً بعد اكتشاف مقبرته، ولم تظهر إلا منذ أعادت جامعة ليفربول البريطانية فتح ملف الملك المصرى (1968) وبدأت شرطة اسكوتلاند يارد التحقيق فى القضية.
ولم يعد هناك شك الآن فى أن حياة الملك توت عنخ آمون انتهت - وهو بعد فى التاسعة عشر من عمره - نتيجة لجريمة وحشية تمت قبل حوالى 33 قرناً من الزمان لم يتم الكشف عنها إلا فى السنوات الأخيرة، بفضل التطور الحديث للتكنولوجيا وما نتج عنه من ظهور أجهزة التصوير عن طريق الأشعة.
فمنذ العثور على المومياء داخل مقبرته فى وادى الملوك فى نوفمبر 1922، حاول الباحثون التعرف على سبب وفاة توت عنخ آمون بسبب موته المبكر، وذهب البعض إلى أنه مات على أثر إصابته بأحد الأمراض الخطيرة التى يصعب علاجها مثل السل. إلا أن كتاباً جديداً ظهر فى الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً بعنوان «مقتل توت عنخ آمون»، يؤكد مؤلفه «روبرت براير»- أستاذ المصريات بجامعة لونج آيلاند الأمريكية بنيويورك - أن الملك المصرى مات مقتولاً. وكان هذا المقال أول من أشار إلى مقتل توت عنخ آمون الوارد فى كتابى «بيت المسيح» الذى نشر عام 1992 بالإنجليزية والألمانية والإسبانية، استناداً إلى التقرير الطبى لرونالد هاريسون أستاذ الباثولوجيا، الذى ظل مجهولاً فى الملفات البريطانية مدة أربعة وعشرين عاماً.
لم يظهر تقرير هاريسون إلا بعد 44 عاماً من العثور على المومياء، وكان أول فحص طبى لمومياء الملك توت هو الذى أجرى عام 1925 بعد ثلاث سنوات من العثور على مقبرته، قام به الدكتور دوجلاس درى أستاذ التشريح بجامعة فؤاد الأول - جامعة القاهرة فيما بعد - الذى أخرج المومياء من مقبرته حيث لا تزال محفوظة حتى الآن، إلى مقبرة مجاورة لفحصها. إلا أن «درى» اعتمد فى فحصه على مجرد ملاحظة المظاهر الخارجية التى يمكن رؤيتها بالعين المجردة، فلم يتمكن من تحديد سبب الوفاة وجاء فى التقرير الذى سجل به نتيجة فحصه أن هناك: «علامات قليلة ظاهرة على الأجزاء الخارجية من الجسد (للدلالة على) أسباب الوفاة».
وفى عام 1968 جاء وفد طبى من جامعة ليفربول البريطانية إلى وادى الملوك لإعادة فحص المومياء داخل المقبرة هذه المرة، برئاسة الدكتور رونالد هاريسون الذى تمكن من عمل صور عديدة للمومياء عن طريق أشعة إكس، وبعد أن نفى الطبيب وجود أية أمراض بالجسد وقت الوفاة، أورد هاريسون تفاصيل جديدة عن حالة المومياء فى تقريره الطبى:
«عندما تم إزاحة الأربطة المحيطة بالجسد تبين مباشرة أن المومياء لم تكن فى كيان واحد، فقد تم فصل الرأس والعنق عن باقى الجسد، كما انفصلت الأعضاء عن جذع البدن.. وأظهرت الفحوصات التالية أن الأعضاء انكسرت فى عدة أماكن كما انفصلت عن الجسد، وانكسرت الذراع اليمنى عند المرفق.. والذراع اليسرى مكسورة عند المرفق وكذلك عند المعصم.. وأبعدت الرأس والرقبة عن الجسد عند نقطة الالتقاء (فى العمود الفقرى) بين الفقرة العنقية السابعة عشر وأول الفقرات الصدرية».
استناداً إلى هذا التقرير قلت فى كتابى إن توت عنخ آمون مات مقتولاً، وعند عرضه على بعض الخبراء الطبيين أكدوا لى أن الملك الشاب لا بد وأنه تعرض إلى العديد من الضربات القوية التى أحدثت عدة كسور فى عظامه - وإن كانت هناك بعض الكسور التى لم تحدث إلا فى العصر الحديث عند إخراج المومياء من التابوت - إلا أن الوفاة تمت بسبب فصل العمود الفقرى عن الرأس عند أول الفقرات التى تربطه بالجسد، مما يدل على أن الملك تعرض لعملية تشبه الشنق. وعندما أراد روبرت براير التأكد من صحة ما أوردته فى كتابى، ذهب إلى جامعة ليفربول وطلب الإطلاع على صور الأشعة التى قام بها هاريسون وعرضها على بعض الخبراء الطبيين الذين أكدوا له وجود عدة كسور فى عظام الجمجمة من بينها «جرح دائرى فى الحفرة التحت صدغية فى الخد الأيسر بجوار حلمة الأذن اليسرى»، أدت إلى حدوث بقعة من الدم وجدت متجلطة أسفل الأذن.
وذهب الباحث الأمريكى إلى إن الملك الشاب أصيب بضربة عنيفة على رأسه بآلة حادة تسببت فى هذا الكسر الذى لم يؤد إلى الوفاة مباشرة، وإنما ظل الملك فى حالة غيبوبة «كوما» فترة طويلة - عدة أسابيع - من الوقت قبل وفاته.
(2)
كنت قد اقترحت أن قاتل توت عنج آمون هو «با نحس» كاهن آتون - الذى ورد اسمه فى التوراة على أنه «فينحاس» - بسبب اتهامه للملك بالارتداد عن الديانة الآتونية. ذلك أن توت عنخ آمون جاء إلى العرش خلفاً لإخناتون الذى قام بثورة دينية توحيدية، أدت إلى إغلاق جميع المعابد المصرية ومصادرة أوقافها، ولم يعد قائماً سوى عبادة آتون الواحد الذى ليست له صورة أو تمثال.
ولما كانت هذه الاعتقادات مفاجئة للمصريين الذين اعتادوا لآلاف السنين على تعدد الآلهة التى يرونها دائماً متمثلة فى أشكال فنية، فلم يتبع إخناتون سوى القليل من رجال الفكر والثقافة. فجاء توت عنخ آمون ليعيد فتح المعابد القديمة التى أغلقها والده، كما أعاد تنظيم طائفة الكهنة وأغدق عليهم من الأوقاف والعطايا. ولهذا اعتقدت أنه من الطبيعى فى هذه الحالة - وإن لم يكن هناك دليل أثرى يؤكد هذا التفسير - أن يغضب أتباع إخناتون لتصرفات ابنه ويعتبروه مرتداً يباح إهدار دمه.
ولما كان «با نحس» هو كاهن آتون الأكبر، وقد وردت قصة عنه فى التوراة تقول بأنه قتل رجلاً ارتد عن ديانة التوحيد، فقد رجحت أن يكون هو المسئول عن قتل توت عنخ آمون. ورغماً عن هذا التهمة التى ما زال يوجهها بعض الباحثين الحديثين للملك الشاب بالارتداد عن الديانة التوحيدية، فليس صحيحاً أن توت عنخ آمون ارتد عن دعوة إخناتون عندما أعاد فتح المعابد المصرية التى أغلقها سلفه، وسمح برجوع العبادات القديمة.. فكل النصوص التى عثر عليها فى مقبرة هذا الملك تناقض الفكرة الشائعة عن ارتداد توت عنخ آمون، حيث ورد بها اسم آتون على أنه الإله الواحد، كما يتبين بوضوح من الصورة المرسومة على ظهر كرسى العرش، بالرغم من ظهور أسماء المعبودات القديمة مثل آمون ورع إلى جانبه.
وتأكد هذا الفهم مؤخراً من المنظر المرسوم على حائط مقبرة مايا مرضعة الملك الشاب، التى عثرت عليها البعثة الفرنسية للآثار بمنطقة سقارة. فهنا نرى توت عنخ آمون يجلس على حجر المرضعة وتعلوه رموز آتون الواحد، رغم أن اسمه المنقوش يؤكد أنه تغير من توت عنخ آتون إلى توت عنخ آمون. فلم يرتد توت عنخ آمون عن الاعتقادات الآتونية، وإنما اعتبر المعبودات القديمة بمثابة وسطاء - مثل الملائكة والقديسين - بين آتون الواحد وبين جماهير الشعب، التى لم تكن تدرك فى هذه المرحلة المتقدمة الفكرة المجردة لوجود إله لا يتمثل فى صورة.
لكن روبرت براير ذهب مذهباً آخر فى تحديد الفاعل لجريمة القتل، حيث استعرض الشخصيات التى كانت تحيط بالملك فى تلك الحقبة من الزمان، وحاول التعرف على من منهم كانت له مصلحة شخصية فى قتله بمعنى أنه استفاد من موته، حيث إن المصلحة من أهم الدوافع فى هذه الجريمة.
ولما كان القائد آيى - الذى هو خال إخناتون - رئيس وزراء الملك ومسئولاً عن سلاح الخيالة والعجلات وعن الحرس الملكى وهو الذى خلف توت على العرش، أصبح هو المتهم الأول. واستند براير على خطاب عثر عليه الأثريون فى بلاد الحيثيين بآسيا الصغرى موجه من أرملة توت عنخ آمون - عنخ سنبا آمون - إلى ملك الحيثيين، تطلب منه إرسال أحد أبنائه إلى مصر حتى تتزوجه ويصير ملكاً، لأنها لا ترغب فى الزواج من أحد التابعين لها بعد وفاة زوجها.
وبالطبع فإن الأمير الحيثى الذى خرج من بلاده قاصداً مصر لم يصل إليها، ولابد أنه لقى مصرعه فى الطريق على يد رجال رئيس الوزراء المصرى. كما أن هناك خاتماً موجوداً فى أحد المتاحف الألمانية يشير إلى أن الوزير آيى تزوج من أرملة توت عنخ آمون صوريا، ليكتسب الحق فى العرش. ولما كانت صورة آيى قد ظهرت مرسومة على جدار مقبرة توت عنخ آمون عند دفنه، وقد أصبح ملكاً جالساً على العرش فى هذا الوقت المبكر، فإن هذا يتعارض مع تفسير روبرت براير الذى يتطلب مرور فترة من الزمان بين إصابة الملك وموته، تسمح لأرملته بإرسال خطابين إلى ملك الحيثيين قبل اعتلاء آيى للعرش. لهذا فضل أستاذ المصريات الأمريكى الاعتماد على الكسر الموجود تحت الأذن اليسر كسبب للوفاة، لأنه يسمح بمرور فترة زمنية بين الإصابة والموت.
ومع هذا فإننى استبعد أن يكون آى هو القاتل لعدة أسباب:
- رسائل عنخ سنبا آمون إلى ملك الحيثيين لا تقول إن الملك المصرى مريض، وإنما تخبره بموت توت عنخ آمون ولهذا فهى تبحث عن زوج آخر.
- كما أن السبب الأهم يرجع إلى الإصابات الموجودة بالجسد نفسه، فبالرغم من وجود عدة كسور فى العظام إلا أن الإصابة الوحيدة التى يمكن أن تؤدى إلى الوفاة المباشرة هى فصل الرقبة عن بقى الجسد. ومن المؤكد أن هذا لم يتم فى الأزمنة الحديثة بعد فتح المقبرة، بل تم قبل الوفاة حيث أظهرت صور الأشعة وجود تكلس - فى نفس موضع الكسر - عند أسفل الجمجمة من الخلف عند التقائها بالعمود الفقرى.
(3)
انتهت شهادة أحمد عثمان.. ولكن تظل حياة الملك توت تثير الدهشة والتساؤلات والألغاز..
هل هو ابن إخناتون أم أمنحوتب الثالث؟
هل ارتد عن عبادة أمون أم أنها شائعة؟
هل مات مقتولاً؟.. ومن الذى قتله؟
هل هناك بجريمة اغتيال.. أم بسبب الملاريا؟
يبدو أن ملف الملك توت سيظل مفتوحاً!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..
المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا
تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق
يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...