تفاصيل آخر 8 سنوات فى حيـاة عميد الأدب العربى

كان يحب سماع القرآن بصوت الحصرى.. ورفض إذاعة «الحب الضائع» فى رمضان/ حبى لسوزان تغلب على اعتناقى لأفكار أبى العلاء المعرى/ لم أخجل من شىء قدر خجلى من هجومى على المنفلوطى.. وما كتبته عنه كلام فارغ

رافق الدكتور محمد الدسوقى العميد الثمانى سنوات الأخيرة من عمره، وكان شاهدا على أحداث ومواقف، سردها فى كتابه "أيام مع طه حسين"، كشف فيها عن الجانب الإنسانى الذى كان يعيش يومياته مع العميد فى بيته، إلى جانب "طه المفكر، صاحب البصيرة".

تحدث الدسوقى عن عبقرية العميد قائلا: إن هذا العبقرى الضرير، كان لا يرضى عن كتاب كتبه، ولهذا كان لا يراجع أى مؤلف من مؤلفاته، فى إعادة طبعه، وهذا لون من التواضع، والاعتراف بأن ما يكتبه، محاولات، وإن أثنى عليها ثناء مستطابا. ومن عبقريته أيضا، الحرص الشديد على الوقت، وعدم إنفاقه إلا فيما يجدى، وكان يضيق بالزائر الذى يطيل المكث، ويضيع الوقت، وينعته بعد انصرافه بأنه ثرثار، ومع هذا كان لا يشعر الزائر بهذا الضيق، ويشد على يديه عند الانصراف قائلا له "أحب أن أراك كثيرا".

ويضيف الدسوقى عن ذكرياته مع عميد الأدبى العربى، قائلا: كنت أقرأ له الصحف مرة، وتطرقنا لخبر عن الزواج ومشكلاته فى بعض دول العالم، فقال العميد بعد قراءة الخبر «كان مذهبى هو مذهب المعرى، فى العزوف عن الزواج، لأنى أحببته، وكتبت عنه رسالتى للدكتوراه»، فقلت له «يبدو أن زيجتكم كانت السبب فى تخليكم عن مذهب أبى العلاء»، فقال لى «إن زوجتى كانت تقرأ لى فى الجامعة بأجر، فأعجبنى صوتها، وطريقة حديثها، فأحببتها وغلب حبها على مذهب المعرى، فطلبت منها الزواج، فاستشارت أهلها، فأشاروا عليها بعدم الزواج منى، لأنى أجنبى، وكفيف، ولكنها لم تأخذ بمشورتهم» فسألته «لو كان قدر لكم الزواج بأخرى فهل كان ذلك سيؤثر عليكم؟» فأجابنى «بالطبع. لقد قرأت لى زوجتى سوزان الأدب الكلاسيكى الفرنسى، وعاونتنى فى دراسة اللغة اللاتينية، وفتحت أمامى آفاقا فكرية، أثرت فى ثقافتى وأدبى تأثيرا واضحا».

وعن المقربين من الدكتور طه، يقول الدسوقى فى كتابه: الكاتب ثروت أباظة كان من الشخصيات المقربة للعميد، وزيارته له كانت تتطرق للموضوعات الشخصية بجانب الموضوعات الثقافية والسياسية، وكنا إذا حضر أباظة نتوقف عن القراءة، وتطرق الحديث ذات مرة عن شيخ النقاد محمد مندور، وكان بعد وفاته بشهور، فقال العميد «مندور ليس شيئا ذا بال فى الثقافة، وليس لديه دور فكرى هام، فى حياتنا الثقافية فى هذا القرن»، وقد رددت عليه قائلا «الدكتور مندور أسهم فى حياتنا الفكرية المعاصرة إسهاما لا بأس به، وله مؤلفات علمية جديرة بالخلود» فسألنى العميد «مثل ماذا؟»، فأجبته "كتاب النقد المنهجى عند العرب" فقال العميد «كتاب هايف»، وتدخل أباظة قائلا «الدكتور مندور كان يكتب من أجل المال، ولو كان ما يكتبه ليس فى مجال تخصصه»، وأكد العميد على كلام أباظة قائلا «هو فعلا كان يحرص على المال، فعندما كان أستاذا مساعدا فى جامعة الإسكندرية، عرض عليه أحمد أبو الفتح راتبا 125 جنيها مقابل عمله فى صحيفة المصرى، وكنت مديرا للجامعة، فجاء ليقدم استقالته، وعندما حاولت أن أثنيه، رفض متعللا بأن راتبه فى الصحافة ضعف ما يتقاضاه من الجامعة»، وصمت العميد ثم أكمل «أوفدت مندور فى بعثة إلى باريس، ومكث فيها اثنا عشر عاما، ولم يتمكن إلا من الحصول على الليسانس فى الأدب اليونانى، بسبب عبثه ولهوه، وعدم إخلاصه للعمل».

"أيام مع طه حسين" يمثل نوعا من اليوميات فريدا فى الثقافة العربية المعاصرة، فهى تسجل يوميات شخص غير كاتبها، وتحمل جانبا من النشاط المهنى لصاحب اليوميات، فهى يوميات طه حسين بلسان سكرتيره الشخصى، ويوميات حسين الدسوقى الموظف عند العميد لم تخل من الحديث عن أسباب تغيبه أو تدخلاته فى الحديث مع ضيوف العميد.

ويقول الدسوقى كاتب اليوميات: لم يكن العميد يعرف أنى أدون ما أرى، وأسمع، وما استأذنته فى ذلك. لكنى ما تقولت ولا تزيدت عليه. وما قصدت من وراء هذا التدوين إلا خدمة الفكر والتاريخ، وكنت أقدر أمانة الرواية، والنقل حق قدرها، وإن ذهب البعض إلى أننى قد تجاوزت حدود الأمانة، فسجلت أشياء ما كان يجب تسجيلها، وبخاصة فى حديث العميد عن أصدقائه وبعض رجال السياسة والفكر.

وتأتى أهمية "أيام الدسوقى" مع العميد فى أنها لم تكن تدوينا للحاضر فقط، وإنما كانت فرصة "للفضفضة" والحديث عن ذكريات إنسانية وأحداث سياسية، ربما لم يذكرها العميد بالتفصيل فى أيامه.

يأتى على سبيل المثال ما أثار أغوار ذاكرة العميد عندما طلب من الدسوقى أن يشعل له لفافة من التبغ، فقال له كيف تعلمت شرب الدخان؟ فذكر له العميد أن شيخه المرصفى كان من عادته أن يرسل زميلا له ليشترى له علبة سجائر كانت تسمى "الفيل" وثمنها قرش واحد، «ثم أخذنا نقلد أستاذنا ونشرب الدخان. وكان إخوتى جميعا يشربون الدخان، ولما علم أبى ثار، وكان يعاتب والدتى وقال لها يوما: أولادك كلهم يشربوا دخان، حنى المفعوص طه».

المذكرات لم تغفل الجانب الإيمانى للعميد، والذى طاله التشكيك فى حياته وحتى الآن، حيث تحدث الدسوقى عن حبه لسماع القرآن الكريم من الإذاعة بصوت الشيخ الحصرى، كما أن إذاعة الشرق الأوسط طلبت منه إذاعة روايته "الحب الضائع" كمسلسل رمضانى، لكنه رفض وقال لهم «ألم تجدوا غير هذه القصة لإذاعتها فى شهر الصيام، أمامكم مرآة الإسلام، أو الوعد الحق مثلا، أما هذه القصة فلا أرضى عنها، أو بمعنى أصح لا أميل إليها».

تعرض الدسوقى فى كتابه لنقاط الضعف الإنسانية وحالات الندم أحيانا، على سبيل المثال ينقل عن العميد قوله «لم أخجل من شىء فى كل ما كتبت، قدر خجلى من هجومى على المنفلوطى، فالذى كتبته عنه كلام فارغ». أما عن رأيه فى أمير الشعراء أحمد شوقى فقال «لا يعجبنى شوقى، ومن المضحك أن يتزوج ابنى مؤنس بحفيدته، ولو كان شوقى حيا لرفض».

وتلقى العميد من أحد أشقائه رسالة يطلب فيها أن يبعث إليه بعشرين جنيها، لأنه فى أمس الحاجة إليها، وزار العميد فى هذا اليوم شقيقه المهندس عبد المجيد حسين، فكلفه بأن يحمل المبلغ إلى شقيقهما.

تناول الكتاب جزءا هاما ولا يعرف أحد عنه الكثير، وهو طبيعة العلاقة بين العميد وزوجته سوزان، وبينها وبين عائلة العميد، وهذه المواقف على قلتها متناثرة بين صفحات اليوميات، ولكن ما بين السطور يكفى دون الحديث باستفاضة.

كان العميد لا يذكر اسمها صراحة، ولكن يشير إليها بـ"الست"، ودائما كان يحرص أن يكون سكرتيره محل رضاها أولا، ومما ذكره الدسوقى «طلب منى العميد ونحن نجلس فى شرفة حجرة نومه، أن أخرج له من حافظة نقوده الصغيرة مبلغ خمسة وعشرين جنيها. وكان العميد يحمل حافظتين، ونبه على ألا ترانى زوجته. وأنا أضع يدى فى جيبه، وأخرج النقود، وما كدت أعيد حافظة النقود إلى جيبه، والنقود فى يدى حتى قدمت علينا زوجة العميد، فهمس لى: خلّى الفلوس معاك. وبعد أن تأكد من هبوطها للطابق الأول، قال: هات الفلوس اللى معاك. فأعطيتها له فدسها فى جيب سرواله، ولم أسأله عن الجهة التى ستذهب إليها النقود، كما أنه لم يقل شيئا».

ومن الطريف أن العميد كان يتهرب من الضرائب، كما ذكرت اليوميات، فبعد أن نشرت له دار الآداب مذكراته وكتاب «الأيام» تبقى له مبلغ خمسمائة جنيه، حملهم إليه الأستاذ فتحى نوفل، ولما طلب من العميد إيصالا بتسلم المبلغ، أملى على نوفل عبارة «تسلمت المبلغ الأخير من حسابى مع الشكر»، ولما طلب نوفل أن تنص الكتابة على المبلغ، رفض العميد قائلا "إن الضرائب أخذت منى العام الماضى ألفا وثمانمائة جنيه".

يعد كتاب "أيام مع طه حسين " للدكتور محمد الدسوقى الوثيقة شبه الوحيدة لمن رافقوا العميد بعد اختفاء مرافقه فريد شحاته، المعروف بالصندوق الأسود للعميد، الذى رافقه أربعين عاما، ثم هدد بنشر ما عاشه فى بيت العميد، ولكن لم يسمع أحد عنه غير خبر هجرته إلى كندا بعد أن أخذت الصحف تتهمه بالخيانة.

 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...

أبو عبيدة بن الجراح.. أحد المُبشّرين بالجنة والنبى منحه لقب أمين الأمة

رجال حول الرسول «2» ينتمى إلى بنى فهر من قريش وكان من السابقين فى الإسلام وكان زاهداً يعمل من أجل...


مقالات

بئر يوسف
  • الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:00 ص
خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص