لم يسعدنى زمانى من قبل بخبر مثلما أسعدنى نبأ فوز صديقى الشاعر الكبير فتحى عبدالسميع بجائزة الدولة للتفوق،
ليس لأنه صديقى الذى يكبرنى بعدة أعوام وأحب شعره منذ عقود، ولا لأنه أول شاعر من شعراء قصيدة النثر ألتقيه وأشعر فى شخصيته بالجدة والمعاناة والرغبة فى مواجهة العالم بالأسئلة الصعبة، فى الوقت الذى كان الكثيرون يهربون من تلك الأسئلة، كان فتحى أول شاعر ألتقيه فى جيله ـ وليس آخرهم ـ وأشعر من شخصيته بالنضج والثقة والقدرة على المواجهة.
لم يسعدنى زمانى من قبل بخبر مثلما أسعدنى نبأ فوز صديقى الشاعر الكبير فتحى عبدالسميع بجائزة الدولة للتفوق، ليس لأنه صديقى الذى يكبرنى بعدة أعوام وأحب شعره منذ عقود، ولا لأنه أول شاعر من شعراء قصيدة النثر ألتقيه وأشعر فى شخصيته بالجدة والمعاناة والرغبة فى مواجهة العالم بالأسئلة الصعبة، فى الوقت الذى كان الكثيرون يهربون من تلك الأسئلة، كان فتحى أول شاعر ألتقيه فى جيله ـ وليس آخرهم ـ وأشعر من شخصيته بالنضج والثقة والقدرة على المواجهة.
سعادتى بهذه الجائزة لا تنتمى إلى كل هذه الأسباب التى ربما كانت وجيهة ومشروعة، بل تنتمى إلى سبب آخر، أن هذه الجائزة ربما تكون ذهبت إلى ما يجسده شعر فتحى من "تجريب"، ومنذ التقيته أول مرة اعتبرت فتحى عبدالسميع أحد أكثر المخلصين فى أبناء جيله للتجريب والكتابة على غير سابق مثال، وأن السمة الأصلية فى شعره هى أنه استمر بعزم لا يلين وطاقة لا تتوقف عن العمل فى تغيير جلد قصيدته ديواناً بعد آخر، كما استمر فى ابتكار مداخل جديدة لقضايا إنسانية عميقة وجذرية.
سعادتى بهذه الجائزة فوق ذلك ـ إذن ـ أنها سوف تتيحُ لى أن أكتب عن واحد من التجارب الإبداعية العميقة التى تمنيت دائماً أن أوفيها قدراً مما تستحق.
إنه لما يحزننى أنه على كثرةِ كتابات وإبداعات فتحى عبدالسميع خلال الأعوام الماضية، لم يتسن لى الكتابة سوى عن ملمح صغير من ملامح الدهشة التى تمتاز بها قصائده النثرية الملهمة، فى مقال واحد فقط، نشرته على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون العام 2014 بعنوان "الشعر شاهد قبر"، عن ديوان "الموتى يقفزون من النافذة"، أقول ذلك على الرغم من تعدد الأعمال الشعرية التى أصدرها فتحى 7 مجموعات شعرية ـ ورغم تعدد الأدوار الثقافية التى يؤديها فى الحياة الثقافية المصرية بشكل عام.
فبالإضافة إلى الشعر، يعتبر فتحى باحثاً مهماً فى "الموروث الشعبى" وله فى هذا السياق كتاب "القربان البديل.. طقوس المصالحات الثأرية فى جنوب مصر"، كما أن له أيضاً اهتمام لافت بالنقد، تمثل فى كتابيه "الجميلة والمقدس" 2014 و"وجوه شهريار الحكاء والحكاء الآخر"، الصادر فى ديسمبر 2022، ضمن سلسلة "كتاب اليوم" الصادرة عن "أخبار اليوم"، كما أصدر شعرية الحدث مختارات وقراءة نقدية، وأصدر سيرته الذاتية العام 2016 بعنوان "الشعر والطفل والحَجر"، فضلاً عن دوره فى رئاسة تحرير سلسلة "الإبداع الشعرى" الصادرة عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب"، وقد شَرفتُ بالنشر فيها قبل عدة أعوام وأسعد بمتابعتها بسبب ما تتمتع به من اختيارات ضمير يقظ وذائقة عفية.
أقول ذلك عن شاعر صديق كثيراً ما التقينا فى المناسبات الثقافية، ورغم كل هذه الأعمال والأدوار المهمة لم تسمح لى زحمة الحياة سوى بالكتابة عنه مرة واحدة فقط، لكن الحياة كانت كريمة معى بصراحة حين سمحت لى بلقاءات مبكرة ومفيدة معه، على الرغم من أننى لست من أصدقائه المقربين فى القاهرة إلا أننى أعرف قدره وأتابع بشغف مشروعه الشعرى والثقافى الذى يديره من مكان إقامته فى "قنا"، وهو المشروع الذى فشل فى تحقيقه الكثيرون من شعراء ومثقفى الجنوب عبر الأجيال، سواء فى ذلك الذين بقوا هناك فأوغلوا فى محليّتهم وتصاغروا، أو الذين نزحوا إلى القاهرة واستقروا فيها فتبددت أحلامهم الأدبية باتساع العاصمة، أو حتى من الذين غادروا البلاد وهاجروا منها فتوقفوا ـ تقريباً ـ عن الكتابة.
لا أنسى أن أوَّل من لفت نظرى إلى شاعرية فتحى عبدالسميع كان الكاتب الكبير الراحل خيرى شلبى، الذى عملت معه لسنوات فى مجلة "الشعر"، وكان يبدى اهتمامه دائماً بما كان يُطلق عليه مدرسة "الشعر القنائى"، ويبدو فخوراً حين يكلمك "العم خيرى" عن تلك المدرسة التى تعتبر البيئة الجغرافية هى المعلم الأول فيها، لدرجة أنه كانت تنتفخ أوداجه ويزداد وجهه احمراراً وصوته خشونة حين يكلمك عن تلك المدرسة التى "تخرج منها فطاحل الشعراء فى مصر"، ذاكراً أمل دنقل وعبد الرحيم منصور وعبد الرحمن الأبنودى على سبيل المثال، وكان يعتقد أن فتحى ومعه مجموعة من شعراء قنا منتصف التسعينات كانوا يمثلون امتداداً طبيعياً لهذه المدرسة، ومنهم الشعرء: عبد الرحيم طايع ومصطفى جوهر وسعد القليعى ومحمود مغربى ومحمود الأزهرى وغيرهم الكثيرون ممن لا تسعفنى الذاكرة.
شعرية الحكاية
لقد نجح فتحى عبدالسميع فى تحقيق المعادلة الصعبة، بأن يعيش الأديب ويعمل خارج الوسط الثقافى فى "القاهرة" بل وفى إحدى مدن الجنوب لكنه يظل قادراً على صناعة التجريب والدهشة فى نصّه الشعرى، ويظل ـ فى الوقت نفسه ـ حاضراً فى صحافتها ووسائل إعلامها، لقد حافظ فتحى على إيقاع حضوره معتمداً وسائط فنية، والأصعب أنه لم يكن يكتب القصيدة التى يريدها النقاد، ومن ثم لم يكن يكتب القصيدة المتوقَّعة من قبل الجمهور ـ رغم اتقانه لها بكل تأكيد ـ بل يكتب ما يريده هو، وما يعتبره دليلاً على تطور وعيه بالشعر.
الحق أن منح الجائزة للشاعر فتحى عبد السميع هو بمثابة تكريم مستحق لكثيرين من جيل فتحى وللكثير من شعراء قصيدة النثر المصرية من الأجيال المختلفة، خصوصاً من شعراء جيل السبعينات الذين أسهموا نظرياً وإبداعياً فى تطوير قصيدة النثر، مثل: حلمى سالم ورفعت سلام وأمجد ريان ومحمد صالح وعبد المقصود عبد الكريم وعبدالمنعم رمضان وجمال القصاص وفاطمة قنديل، كما تعتبر جائزة لكل شعراء جيل الثمانينيات ومنهم: إبراهيم داوود وفتحى عبد الله وأسامة الدناصورى وعلاء خالد وشريف رزق، كما تعتبر جائزة لكل شعراء جيل التسعينيات مثل: عماد أبو صالح وأحمد يمانى ومحمد متولى وإيمان مرسال وأشرف يوسف وميلاد زكريا والبهاء حسين وهدى حسين وعماد فؤاد وعزمى عبد الوهاب وكمال أبو النور ومحمد عبدالرحيم ونجاة على.. وغيرهم كثيرون من الأجيال الشعرية الجديدة.
ككل شعراء جيله بدأ فتحى بكتابة نصوص تفعيلية لكنه سرعان ما انتقل إلى قصيدة النثر، وفى الحالتين كانت أحلامه فى الشعر كبيرة وطموحاته لا حدود لها مع التجريب، لقد ظل قادراً على ممارسة الطموح بقصيدته مؤمناً من ديوان إلى آخر بأن الشاعر هو ما يحلم به فى القصيدة، ومنذ ديوان "تقطيبة المحارب" 1999 بدا فتحى ساعياً إلى كتابة معاناة البشر جميعاً، عبر التقاط روح الأشياء واستنطاقها وإسباغ الدراما الإنسانية عليها:
" منذ تعلّمتُ مَسك البنادق
وأنا لا أبصر فى الناشنكاه
إلا جبهتى"
منذ أصدر "تمثال رملى" العام 2012 بدأت تجربته تأخذ منعطفاً جديداً، بكتابة يمكن أن نطلق عليها "استنطاق الأشياء"، وهى السمة التى طورها فى الدواوين اللاحقة، كما فى "أحد عشر ظلاً لحجر"، وهى قصائد عمل خلالها على تمصير قصيدة النثر ومنحها طعماً مصرياً خالصاً، من خلال شعرية الالتحام بالمكان وهو هنا جنوب الصعيد، يمكن تلمس ملامحه من عناوين القصائد: "تقاسيم الربابة"، "عربة نقل الموتى"، "بندقية على حائط"، "أعيرة فى الهواء"، "آر بى جى"، "مكابر يبكى بشكل مختلف"، "الوشم"، "قاطع الطريق الذى صار شاعراً"، "بطن يخلو من الكراكيب" وغيرها، كما يهدى قصيدة "إلى بلطة تلمع فى حزام طالع النخل"، وأخرى "إلى براية وقلم رصاص أعرفهما جيداً"، وثالثة إلى "فلاية".
كثير من قصائده يمكن تصنيفها تحت نمط "كتابة الحكاية"، حيث يحكى قلم رصاص مثلاً عن نفسه، وتحكى خصلات من شعر الأم قصتها، ويقف تمثال رملى هاتفاً فى الناس بهذه الكلمات:
"زعقةٌ صغيرة
يُمكن أن تحدث فجوة فى صدرى
لا بازلت ولا جرانيت
هشّ كأرملة تضم صغارَها وتبكى
هشّ ولا أدل على خلود
بل أقودكم إليه،
لا الماضى ولا المستقبل
أنا الآن
أنا سريع الزوال
التقطنى طفل من الهواء
وراح يطعمنى رملاً
ويكسونى رملاً
نقيّ ولا فرق بين لحمى وقميصي
الأزرارُ هى ذاتها عظامي
لم يلمسنى ازميل ولم تُحلّق حولى مطرقة
ما من فرعون قرقع بالسياط
حتى أكون جاهزاً
فى عيد انتصاره على شعبه".
ليلة فى "الخارجة"
التقينا أنا والشاعر فتحى عبدالسميع لأول مرة لقاء سريعاً فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، ربما أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضى، قبل أن نلتقى فى صدفة مدهشة فى محافظة الوادى الجديد، بمناسبة انعقاد مؤتمر ثقافى استمر لعدة أيام فى كلية الآداب خلال النصف الثانى من عقد التسعينات فى القرن الماضى، منذ هذا اللقاء فى الخارجة عام 1997 تقريباً وأنا أعرف أن تجربة الشاعر فتحى عبدالسميع تنطوى على ملامح شعرية خاصة جداً، كنا ألقينا قصائدنا معاً فى الملتقى حين بدأت أدرك أن العوالم التى يكتبها فى نصوصه هى بالضرورة حصيلة خبرات حياة ثرية للغاية عاشها الشاعر فى الصعيد، فإلى جوار كونه مثقفاً وشاعراً كان العمل الوظيفى لهذا الشاعر هو موظف فى إحدى المحاكم، حيث حصل على نماذجه الإنسانية فى القصائد من هذا المنبع الواقعى والخصب جداً ـ فى الوقت نفسه ـ للخيال وللشعر.
كل ما أذكره عن ليلة "الخارجة" التى أمضيتُها مع فتحى أنها كانت ليلة عامرة بالحكايات والضحك والدموع فى بيت صديقنا الشاعر والمثقف مصطفى معاذ، بحضور الأصدقاء محمد رمضان الواحاتى وكمال كوكب، لكن الضحك توقف حين بدأ فتحى عبدالسميع يحكى عن مشاهد الأسى التى صادفها فى لحظات العمل المُضنية وسط الكوارث والجرائم، كان يحكى بفم مزموم وصوت عميق، عن البؤس الذى يعشش فى كل شىء فى أرياف الصعيد، عن حروب الدم بين القبائل والعائلات، حكى عن تلك الأسرة المكونة من أم وأب وجدة وعدة أطفال والذين راحوا فى مشهد جماعى لحظة تناولهم طعام الغداء على "الطبلية"، وحينما وصل رجال الأمن كان الطعام لايزال دافئاً فى حر الصعيد، والبخار كان ـ لا يزال ـ يتصاعد من بعض الصحون.
لقد دمعت العيون فى تلك الليلة من البكاء أكثر مما دمعت من الفرح، كنا فى أواخر عقد التسعينيات نطرح على أنفسنا أسئلة تمس جوهر العالم الذى نعيش فيه ولا نستنكر فكرة تغيير العالم بالفن، لم نكن نريد أن نتخلى عن الناس الذين ولدنا بينهم، حيث كانت قصيدة النثر المصرية الوليدة فى هذه الفترة لا تزال تقاوم الأفكار المستوردة عن الشعر، وأولها التخلى عن قضايا الإنسان الحقيقية والاكتفاء بكتابة الجسد، على سبيل ممارسة نوع من الحريات الشعرية المفقودة، قليلون جداً الذين شغلوا أنفسهم بتطوير أدواتهم الشعرية والاعتماد على خبراتهم الحياتية المباشرة فى كتابة قصائد نثر مصرية وقادرة على صناعة الفارق، لكن فتحى عبدالسميع كان أول من فعل ذلك.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..
المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا
تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق
يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...