«شيرين أبو عاقلة».. ذكريات الطفولة والصبا

عام كامل مر على استشهاد الصحفية الفلسطينية "شيرين أبو عاقلة"؛ أحداث كثيرة وقعت فى فلسطين خلال هذا العام الحزين

، لكن صوت "شيرين أبو عاقلة" لم يكن مشاركاً فى أى منها على عكس العادة، فقد افتقد الفلسطينيون هذا الصوت الذى ظل كاشفاً ومدافعا عن الانتهاكات التى تجرى على أرضهم لأكثر من ربع قرن.

اختارت "شيرين أبو عاقلة" الصحافة لتكون قريبة من الإنسان، على حد قولها فى أحد اللقاءات المتلفزة قبل رحيلها، وعندما رحلت عن دنيانا، كانت تمسك بميكروفونها لتغطية الاجتياح الإسرائيلى لمدينة جنين، وفى آخر "بوست" كتبته على صفحتها بفيس بوك يوم ٦ مايو ٢٠٢٢، قالت إنها تقود سيارتها فى "الطريق إلى جنين" والمطر يتساقط  بغزارة، لقد كان هدفها فضح حقيقية ما يجرى على أرض فلسطين للعالم كله، ولم تكن تدرى أنها تقود سيارتها إلى حتفها، وأنها ذاهبة لتقديم آخر تقرير متلفز لها فى الحياة.

فى هذا الحوار الذى يواكب ذكرى "اغتيال الصحافة" فى شخص "شرين أبو عاقلة" تحدثنا إلى شقيقها "طونى أبو عاقلة" الذى كان حديثه إنسانياً رقيقاً استرجع فيه ذكريات الطفولة، حيث كان ينطق باسمها فى الحوار تقريباً وكأنه يناديها، قال إنها كانت تتمتع  بقدر كبير من الهدوء، فلا يسمع صوتها إلا منساباً فى أرجاء البيت، وكان كلامها أصلاً قليلا جدا، وكانت تشغل نفسها دائماً بدروس مدرستها أو بالموسيقى التى كانت تحبها جداً، وكان معظم وقتها تقضيه فى مذاكرة دروسها أو فى دراسة الفن، وكانت تقوم أيضاً بالتطريز والحياكة كهواية أثيرة لديها.

 قال طونى إن شيرين فى طفولتها لم تكن تسبب أى إزعاج لأحد، فقد كانت هادئة بشكل كبير، لكن ذلك اختلف اختلافا كبيرا عندما كبرت، فقد لاحظت الأسرة أن صوتها صار من أقوى الأصوات فى فلسطين، ولم تكن العائلة تتوقع من الأصل أنها ستصبح مراسلة صحفية فى يوم من الأيام، وذلك لأن ميول شيرين أساساً كانت منصبة أكثر على الموسيقى والفن وأمور أخرى مختلفة كليا، لكنها انجذبت فى شبابها إلى الصحافة خلال دراستها الجامعية، وكانت من أكثر المواقف التى أثرت بها خلال مسيرتها الصحفية  كمراسلة تغطيتها للأحداث الخاصة بالانتفاضة الثانية فى فلسطين، وكذلك تغطيتها لاجتياح جنين، فقد كانت تتحدث عنهما باستمرار، وأضاف طونى: "كانت تحكى أنها كانت موجودة فى إحدى البؤر الاستيطانية، وعندما ترك المستوطنون البؤرة ظلت هناك ورأت كيف انسحبوا وتركوا الأرض ولم يبق فيها غير الفلسطينيين، وهذا الموقف أثر فيها جداً وكانت دائما تذكره، أما عن مدينة جنين فهناك علاقة تربطها بجنين، فقد كانت متأثرة كثيرا بها وتتكلم عنها، خاصة فى ظل الأحداث والمواقف التى مرت بها خلال الاجتياح الإسرائيلى للمدينة عام 2002.

  سألت: هل حدثتك عن زيارتها قبل الرحيل لمصر؟

قال طونى: "نعم، كثيراً جداً، فقد كانت سعيدة بزيارتها لمصر، وكانت تزورها باستمرار مع والدتى، وكانت تربطها علاقة وطيدة جدا بالقاهرة كمدينة وكتاريخ، فقد أحبت الأفلام والمسلسلات المصرية للغاية، وأذكر أنى عندما أكون جالسا فى البيت فى أيام الشتاء كنت أسألها عن الأعمال التى يمكن أن أشاهدها، فقد كانت هى المرجع بالنسبة لنا فى الفن، وكانت تنصحنى بمشاهدة مسلسلات أو أفلام  معينة، فقد نصحتنى مثلا بمتابعة مسلسل "١٠٠ وش" و مسلسل "جراند أوتيل"، ومن الفنانين  كانت تحب  "نيللى كريم" و"محمد ممدوح" و"أمينة خليل" وكانت تحب الفنانة يسرا والكثير من الممثلين المصريين".

وأضاف طونى: "كان لديها عادة، فإذا أعجبها أول حلقتين من مسلسل تكمله حتى  النهاية ولا تخاف أن تكون النهاية من النوع الذى ربما لا يعجبها، غير مناسبة مثلاً أو ليست كما تريد، لقد كانت مرجعا للعائلة فى الأعمال التى نشاهدها، سواء مسلسلات أو أفلام، وبالنسبة للمطربين المصريين، أحبت عمرو دياب وتامر حسنى كثيراً".

"كان يومها منظما بشكل كبير، فأيام العمل تقضيها فى العمل، أما فى باقى الأيام فتمارس الرياضة وتجتمع بالأصدقاء فى كوفى شوب أو  مطعم أو تكون مع العائلة، لقد كان لديها نظاما تسير عليه، وهى من يومها طموحة جدا، فقد أنهت دراستها فى جامعة بيرزيت وأنهت دراسة "البودكاست" وتطبيق التليفونات الحديثة أو "سمارت فون"، وكانت تقوم بالتصوير بنفسها، فهى دائما تحاول  تطوير معلوماتها، وكانت تحب  الحيوانات، مثل الكلاب، لكن للأسف كان عندها  حساسية من القطط، لكن كانت تحب الحيوانات الأليفة فى العموم، وكانت تحب التواجد بقربها، وأكثر شيء كان يسعدها وجودها مع العائلة والأصدقاء، وكانت تحب السفر كثيرا".

هكذا قال طونى، ثم أطرق برأسه قليلاً وتذكر شقيقته قائلاً: "أكثر شىء كان يحزنها ويؤثر فيها أن ترى شخصا يتعذب أو حزين، وكانت دائما تحكى لنا عن أهالى الشهداء ومن منهم خسر ابنه أو والده، وكان لديها اهتماما بالسياسة وبفلسطين لكونها صحفية بالطبع".

 سألت: كيف كانت أيامها الأخيرة؟

وبصوت حزين هادئ أجاب طونى: "فى أواخر أيامها مررنا بأوقات كثيرة سعيدة، فكنا نسافر كثيرا  ونقضى معظم وقتنا فى الولايات المتحدة الأمريكية وفى أوروبا، وكنا فى معظم الوقت كأسرة معها، وأتذكر آخر اتصال وآخر لقاء جمعانى بها جيداً، فآخر اتصال بيننا كان قبل استشهادها بيوم، وآخر لقاء جمعنى بها كان فى الرابع والعشرين من أبريل، وكان عيد الفصح، حيث تناولنا الغداء سويا ثم سافرت فى نفس اليوم وعدت إلى العمل".

  وكيف تلقيت خبر استشهادها؟

 قال طونى: "تلقيت خبر استشهادها، وكان مفاجأة مفجعة بالنسبة لى، فى الصباح الباكر، وكنت يومها فى الصومال، وعندما علمت الخبر كنت لم  أعرف كيف أتصرف، خاصة أننى بعيد عن الأهل، فلم أستطع تصديق الخبر أو تكذيبه، وكان يوما حزينا بالنسبة لى وللعائلة، وأحب أن أقول إننا كعائلة، كانت شيرين أهم شخص فينا، ونسعى لتخليد ذكرها اسمها وإرثها، والأهم أننا نحاول بقدر المستطاع محاسبة المسئولين عن اغتيال شرين، فما حدث لها لا يجب أن يحدث لأى صحفى أو شخص آخر أيا كانت جنسيته، فشيرين اتخذت كل الحذر والحيطة اللازمين لحمايتها من أى اعتداء، ورأينا كيف أطلق عليها 16 رصاصة بشكل قصدى وليس عابر كما يكذب الإسرائيليون، فقد كان استهدافا مقصوداً لها ولزملائها الصحفيين الذين كانوا معها فى جنين لتغطية الاجتياح الإسرائيلى، لكنى أتمنى أن يكون اغتيال شيرين - بقدر ما كان صعبا وأليما بالنسبة لى وللعائلة - أن يحمل أمورا جيدة، كمثل أن ينتج عنه محاسبة إسرائيل ووقف العمليات، وهذا ما أتمناه إن شاء الله، أن تستخلص الشيء الجيد من وراء الاغتيال، وبالتأكيد شيرين نفسها ستكون سعيدة  لو على الأقل توقفت عمليات الاغتيال ضد أبناء الشعب الفلسطينى، فقد كان اغتيالها خبراً صادماً للعالم كله.

 	إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - الفانوسجي

يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..

مدحت صفوت: الترند جعل «اللايك» و«الشير» المعيار البديل للقيمة الجمالية

المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا

عصام الزيات: الطب أعطانى المادة الخام والكتابة أعطتها معنى

تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق

بين الغيب والحظ والقسمة والنصيب فلسفة القضاء والقدر

يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص