مقالات صبرى موسى تسببت فـى إنشاء محافظة البحر الأحمر

أصبح الصحفى الشاب صبرى موسى هو "جوكر" التجربة الصحفية الجديدة الواعدة، وتعددت مهامه فى مطبخ "صباح الخير"،

 فهو أحد الأضلاع الرئيسية فى تحريرها كاتبا، وفى توضيبها رساما وسكرتيرا للتحرير، وفى شقها الأدبى مبدعا وروائيا تنشر المجلة وتحتفى بقصصه ورواياته مسلسلة على صفحاتها.

(1)

وفوق ذلك ابتكر فنونا صحفية جديدة وفريدة، مثل فكرة باب "نادى القلوب الوحيدة"، الذى سرعان ما أصبح أشهر أبواب الرسائل الإنسانية فى الصحافة المصرية، وجرى استنساخه فيما بعد بأسماء مختلفة، صحفيا وتليفزيونيا، لكن تظل ملكيته الفكرية محفوظة لصاحب الأصل.

فمن قراءته للرسائل التى كانت تصل إلى بريد المجلة لاحظ صبرى موسى أن هناك رسائل تدخل فى خانة "المشاعر" وليس "المشاكل"، ولأن صفحة البريد مقصورة على نشر المشكلات والتعليقات، ولأن هناك رسائل مختلفة تميل إلى الفضفضة، ويعبر أصحابها عن أحاسيس خاصة وشخصية، وكأنهم يبحثون عن من يسمعهم ويتفاعل معهم ويطبطب على قلوبهم الوحيدة، لمعت الفكرة فى رأس صبرى موسى: لماذا لا يكون هناك باب مخصص لهؤلاء من أصحاب القلوب الوحيدة؟!

وفى أوراقه يحكى صبرى موسى عن فكرة هذا الباب وقصته: "بعد لحظة تأمل عميق رأيت فيها أن المجتمع أخذ يتجه للشكل الفردى بطريقة متزايدة، ومن هنا نشأت فى خاطرى فكرة الباب الذى قد أنجح من خلاله فى جعل الناس يتكلمون معا من ناحية، وتنمية الإحساس لديهم بالتواصل من ناحية أخرى.. وفكرت ألا يأخذ الباب الجديد شكل الأبواب القديمة التقليدية لبريد القراء، فقط بنشر الرسالة مصحوبة بتعليق من محرر الباب، الذى يجيب على كل ما يصل إليه من مشاكل وكأنه يملك مفاتيح القضايا جميعا، وقررت أن يكون الشكل مختلفا وغير تقليدى، بأن أعرض الرسالة التى تصلنى بالبريد فأكون أولا ساعدت القارئ فى التعبير عن نفسه، ثم يليها خطوة أخرى ألقى فيها بالكرة لمنطقة القراء لأمنحهم الفرصة فى أن يقوموا بمخاطبة زميلهم بشأن مشكلته واقتراح ما يرونه من حلول، وهنا يشعر صاحب القلب الوحيد أنه ليس وحده، وأن هناك من يشاركه فى معاناته، ومن جهة أخرى فإن هذا من شأنه أن يخلق التواصل الاجتماعى فيهم ويحقق التواصل الإنسانى بينهم."

واستعان صبرى موسى بزميلته زينب صادق لتساعده فى تحرير الباب الجديد، وكان الإعلان عنه مبتكرا هو الآخر، فى شكل رسائل مثيرة إلى قراء المجلة من نوعية: عزيزى القارئ.. قبل أن تنهار أرسل إلى نادى القلوب الوحيدة" .

و"إذا كنت وحيدا ولا تجد من يستمع إلى شكواك اكتب لنادى القلوب الوحيدة.. فستجد من يسمعك".

وحقق الباب نجاحا يفوق الوصف وانهالت الرسائل على صاحبه، وبإحساس خاص كان ينتقى الرسائل التى يشعر بصدق كاتبها، ويحرص على نشرها بأسلوبها البسيط العفوى، وتحول قراء الباب إلى ما يشبه الأسرة الواحدة، يقرؤون ويتفاعلون ويمدون يد العون للمحتاج.

يحكى صبرى: "أرسل لنا شاب مصرى مهاجر إلى اليونان يشكو من إحساسه بالوحدة بعد أن داهمه مرض فى الغربة، علاجه باهظ التكاليف، ويقول إنه يشعر بحنين جارف لوطنه وأهله، ونشرنا رسالة هذا الشاب.. وكانت بالفعل رسالة تقطر صدقا، وبعدها بشهور وصلتنى منه رسالة يقول فيها إن قارئا من أسوان أرسل له تذكرة السفر من اليونان وجاء لوطنه وزار الأهل والأحباب، بل تولى القارئ الأسوانى أيضا نفقات علاجه حتى تم شفاؤه، ثم أعطاه تذكرة عودة إلى اليونان مقر عمله.. وقال القارئ إنه يهيب بنا أن ننشر اسم هذا الإنسان صاحب المروءة الذى فعل كل ذلك لوجه الله وبغرض الخير فقط بدون الرجوع للمجلة.. وبالفعل شكرناه".

وكان النجاح المدوى لنادى القلوب الوحيدة السبب الأهم بالطبع فى استثماره تليفزيونيا، فتحول إلى فقرة تليفزيونية أسبوعية ثابتة ضمن أشهر برامج التوك شو حينها، وهو "القاهرة اليوم" الذى كان يقدمه عمرو أديب، وكان يستضيف فيها صبرى موسى ليجيب بطريقته على رسائل المشاهدين وقصصهم الإنسانية.. وظل يقدمها لسنوات إلى أن داهمه المرض فاعتذر مجبرا، وجاء عمرو أديب بالفنانة رجاء الجداوى لتحل محله وتقوم بدور قاضى نادى القلوب الوحيدة.

وعندما رحلت رجاء الجداوى (5 يوليو 2020)، وعندما خرج عمرو أديب لينعيها، فإنه لم ينس أن يعيد الفقرة لأصلها والفضل لصاحبه، ويؤكد أن صاحب فكرتها هو صبرى موسى.

(2)

لنعود إلى التجربة الصحفية من جديد.

فبعد سنوات من العمل الشاق فى مطبخ المجلة، والأدوار والمهام المتعددة التى مارسها بكفاءة، شعر صبرى موسى برغبة عارمة فى التمرد وفى الانطلاق خارج الجدران، أو على حد وصفه "بدأت أشعر بثقل جسدى من الجلوس والانقطاع عن الشارع"، ولذلك كان أشد المتحمسين لفكرة الرحلات الأدبية لمبدعى المجلة من أدباء ورسامين، حيث اختار فتحى غانم أن يذهب إلى "الجبل"، وسافر عبدالله الطوخى فى رحلة مع "النهر"، واتجه صالح مرسى إلى "البحر".. أما صبرى موسى فاختار أن تكون مغامرته مزدوجة.. إلى الصحراء والبحيرات.

ولم يكن اختياره للصحراء عشوائيا ولا من قبيل المصادفة، لأن شغف صبرى موسى بالصحراء قديم ويعود لزمن طفولته وصباه فى دمياط، فقد كانت روح المغامرة تدفعه لأن يسير على قدميه لساعات، مستكشفا تلك المساحات الشاسعة من الصحارى الممتدة وراء مصيف رأس البر، وراح الشغف ينمو ويتكاثف، وهو ما نلمسه من أوراقه:

"ظلت الرحلة للصحراء تستهوينى منذ وعيت أن مصر بلادى منتزعة من براثن تلك الصحراء انتزاعا (هبة النيل)، وكم كانت دهشتى وأنا أراها من مقعدى فى السماء داخل طائرة.. شريط رفيع طويل أخضر لا يكاد يُرى وسط مساحة هائلة من اللون الأصفر الصخرى.. ولقد كانت رحلتى الصحراوية الأولى فى الخمسينيات (1958) تجاه الغرب وراء السلوم وحدودنا مع ليبيا، وبدت لى الصحراء الغربية آنذاك جيرية بيضاء تبدو فقيرة عاطلة إزاء البحر العظيم الأبيض.. ولا أظننى قد كتبت بعد تلك الرحلة سوى بضع مقالات تتناول بالإشفاق حاجة سكان الصحراء للاهتمام والرعاية".. وظلت تلك الرغبة "الصحراوية" العارمة كامنة تحت جلده حتى تفجرت فى رحلته لاستكشاف صحارى مصر الشرقية.. ووضعته يد الله فى التجربة!

وفى السابعة من صباح يوم الثلاثاء 17 أبريل 1963 كان صبرى موسى يجلس مع زميله الرسام مصطفى رمزى فى طائرة خاصة لنقل التموين لعمال المناجم فى "برانيس" بقلب الصحراء الشرقية.. لتبدأ مغامرته المثيرة لاكتشاف تلك الصحارى الشاسعة فيما وراء أسوان والسد العالى وحدودنا مع السودان، يوم كان الوصول إلى تلك المناطق قطعة من العذاب.. فلم تكن هناك سوى وسائل المواصلات البدائية، بدءا من السير على الأقدام، إلى ركوب الجمال، إلى سيارات النقل القديمة المتهالكة التى تسير بسرعة السلحفاة.. وحتى الطائرة المتاحة كانت "شىء منه العذاب أرحم" على رأى أم كلثوم، وهو ما يبدع صبرى موسى فى وصفه:

"كانت الطائرة الضخمة مزدحمة من الداخل بصناديق الطعام المحفوظ وأقفاص الخبز والخضر والفاكهة.. وكانت الطائرة غير مبطنة بعوازل الصوت التى تتمتع بها طائرات الركاب التى تسافر إلى المدن والعواصم.. وصوت اختراقها لطبقات الجو كان يئز فى داخلها أزيز يحجب الأصوات، وقد حاول مصطفى رمزى وكان جالسا فى المقعد الخشبى المجاور لى أن يحدثنى، وقد اكتشفت أنه يحدثنى حين رأيت شفتيه تتحركان، لكننى لم أسمع صوته، وعندما أردت أن أستوضحه ما يقول، لم أسمع صوتى أنا أيضا.. وكان الأستاذ فؤاد شال -عضو نادى الصيد وأحد مكتشفى المعادن فى الصحراء ورفيقنا فى الرحلة – يحاول أن يشرح لى الطريق وهو يشير بأصبعه من نافذة الطائرة، ورغم محاولاته المتكررة لكى يصل صوته إلى أذنى التى لا تبعد عن فِيه بأكثر من ثلاثة سنتيمترات، فلم أسمع سوى هذا الأزيز المستمر.. هذا الطنين، واكتشفت أن أذنى أصبحت بدون فائدة.. فاستعملت عينى".

ويواصل صبرى حكاياته عن الرحلة الصعبة:

"وبعد ساعتين ونصف الساعة أسقطتنى الطائرة فى قلب الصحراء عند "حماطة"، وهى نقطة صغيرة للأمن والاتصالات اللاسلكية، تبعد ساعة وربع بسيارة النقل القديمة عن جبل "الدرهيب"، حيث كان مقررا مبيتى فى معسكر خشبى مهجور يخص منجما قديما عاطلا عن العمل".

ورغم كل هذا العذاب "الطائر"، فإنه كان أهون من بقية وسائل المواصلات داخل الصحراء ودروبها.. وهذا ما يوضحه صبرى موسى بنفسه فى أوراقه وبالتفصيل البليغ:

"وفى رحلة الصحراء رحلت أكثر من مرة بأكثر من وسيلة.. مرة بالقطار حتى "قفط" ومنها بالسيارة – عبر طريق الحج القديم – إلى القصير على البحر الأحمر، ثم مرسى علم وأبو غصون إلى الصحراء الحقيقية.. ومرة أخرى بالسيارة مباشرة من السويس بحذاء البحر الأحمر إلى برانيس فى أربع وعشرين ساعة، اشتريت بعدها سجائرى من قرية "حلايب" على الحدود السودانية التى تنزوى على شاطئ البحر الأحمر خارج نطاق الحدود الدولية، وخارج نطاق الزمن، حيث باع لى سجائرى الأمريكية الحديثة المستوردة مخلوق أسمر فى ثياب بيضاء، يضفر شعره على طريقة فراعنة طيبة القديمة".

ولكن كل هذا العذاب سرعان ما تبخر، وكل تلك المشقة سرعان ما تلاشت أمام متعة المغامرة والاكتشاف، فألقى نفسه لمدة 3 شهور متصلة فى قلب الصحراء الشرقية، يتيه بين وديانها وهضابها وجبالها ومناجمها ويعيش بين سكانها الأصليين.. فمنحته أسرارها وكشفت له كنوزها، والصحراء الحقيقية – بتعبيره – لا تعطى نفسها إلا لمن يصادقها ويمعن النظر فيها..

بعيون ذلك الصبى الدمياطى الحالم عاش صبرى موسى فى تلك الصحراء "البكر"، فقد كان أول صحفى يغامر بدخولها ويتجول بين جبالها، ويعيد اكتشافها من أيام أجداده الفراعنة.

(3)

مغامرة مثيرة خرج منها صبرى موسى بثلاثة انتصارات كبيرة..

المتعة الصافية هى أولى انتصاراته التى عاد بها.. إنه أخيرا حقق حلمه القديم وشغفه الكامن.. ومن أوراقه ننقل:

"كان انبهارى شديدا بالطبيعة لأول مرة، أنا الذى كنت أتصور أنى أعرف الطبيعة بحكم علاقتى القديمة بالبحر والنهر والصحراء الصغيرة.. لقد وجدت نفسى أمام الطبيعة الحقيقية ببراءتها وجبروتها فى نفس الوقت، بجمالها وسحرها وحتى بالأخطار المخبأة فيها.. رمال تنعكس عليها أشعة الشمس الذهبية فى الشروق والغروب فتبدو لوحة رائعة فى متحف، وفجأة تنبثق منها "طريشة" – وهى ثعبان له أجنحة – أو عقرب صغير يتنزه على الرمل.. بخلاف المناطق المهجورة وراء الجبال والتى تضم ذئابا وضباعا.. لكن هذا كله يتضاءل حين تجد جبلا شامخا من الصخر الأحمر والأزرق والأسود والأصفر، على قمته تتلألأ شجرة خضراء لا تعرف كيف استطاعت أن تجد غذاءها فى هذه الصخور الصماء؟".

الانتصار الثانى كان فى سلسلة الحلقات التى نشرها عن تلك الرحلة، وجمعها فى كتاب حمل عنوان "فى الصحراء" ونُشر فى العام 1963، وأثار اهتماما واسعا بتلك البقعة المهملة من أرض مصر، والتى لم تكن وطأتها قدم مصرية غير المشتغلين بها قبل جلاء الإنجليز عن القنال، وبعدها قامت الدولة بإرسال البعثات التعليمية والطبية والتموينية إلى تلك المنطقة، وتسببت رحلة صبرى موسى فى صدور قرار جمهورى بإنشاء محافظة البحر الأحمر.. وكان الانتصار الثالث هو الأهم والأبقى إذ أنه فى تلك الرحلة ولدت فكرة رواية "فساد الأمكنة" فى عقل ووجدان صبرى موسى، فقد بدأت تتشكل ملامح رواية أسطورية يلعب فيها المكان دورا طاغيا ومحوريا، ربما كانت الشرارة فى اللحظة نفسها التى وقعت فيها عيونه على جبل "الدرهيب" بكل شموخه وتفرده وموقعه فى قلب الصحراء..

وباعترافه شخصيا:

"لقد ظل اسم الجبل – باسمه غريب الإيقاع والتكوين – يلح على خيالى طوال ارتحالى فى الصحراء وكأنما هو لغز مهيب تلقيه الطبيعة فى طريقى يعترضنى ويطالبنى بتفسيره.. كأن هذا العالم الفريد البكر يعطينى الحق بأن أصنع له قوانينه وقواعده لأبدأ فى تشكيله على هواى، وأبتكر له مخلوقاته وسكانه.. وهكذا نبتت بداخلى فكرة هذه الرواية".. إنها الرواية التى قادته إلى أهم جائزة أدبية يحصل عليها أديب عربى فى أمريكا.. وتلك قصة أخرى!

 	ايمن الحكيم

ايمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...

أبو عبيدة بن الجراح.. أحد المُبشّرين بالجنة والنبى منحه لقب أمين الأمة

رجال حول الرسول «2» ينتمى إلى بنى فهر من قريش وكان من السابقين فى الإسلام وكان زاهداً يعمل من أجل...


مقالات

"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص
بئر يوسف
  • الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:00 ص