كان شهر رمضان في قريتي كوم العرب - في سوهاج مكونا من أذان الشيخ محمد رفعت وطبق الكشك المحلى بالسكر،
والسوهاجية لا يعرفون غير هذا الكشك وهو مختلف عن الكشك الذي في مصر الوسطى، يخلطونه بالبيض، لكن العربان في مصر الوسطى كانوا يأكلونه مثل السوهاجية مبلولا بالماء محلى بالسكر والكشك وحده لا يشبع، بل الدفوف التي تصاحب إنشاد النقشبندى، والسكون والحر في الصيف، هذه اللحظة كانت الإذاعة هى البطل فيها، لم يكن التليفزيون قد دخل بيتنا، فظل رمضان طفولتي - يعنى النقشبندى والشيخ محمد رفعت والكشك، والشيخ سيد النقشبندى - تشكل في مدينة طهطا وهي المدينة التي كانت قريتي تتبعها، ثم فصلت عنها وضمت إلى طما، ولكن طهطا مدينة عريقة تجارية تحمل سمات المدن التي في الوجه البحرى، ورغم أن النقشبندي جاء جده من أذربيجان في وسط آسيا ليدرس في الجامع الأزهر واستقر في قرية - دميرة بالدقهلية، إلا أنه تمصر -حتى النخاع، وتشبع بمدرسة التصوف - النقشبندية --وعاش زاهدا، ومات فقيراً لأنه كان ينفق كل ما يحصل عليه في سبيل الله، وكان من نجوم الإذاعة المصرية - التحق بها في العام 1967 - ومن مسجد الإمام الحسين بالقاهرة كان انطلاقه التليفزيونى من خلال لقاءات سجلها معه - أحمد فراج - وهو المذيع الذي صنع نجوم الخطاب الدينى في سبعينيات القرن العشرين، هو من قدم الشيخ الشعراوى والدكتور مصطفى محمود في برنامجه نور علی نور - وفى حياة جيلى والجيل الذي سبقني عاش - النقشبندى - وعرفه الناس بابتهالات لحنها له - بليغ حمدى - بناء على طلب الرئيس السادات، فاختلط اللحن العبقرى بالصوت الحلو، واستمتع الناس بهذه الحالة، حالة الملحن المتصوف والمنشد المتدفق طرباً وخشوعاً وحلاوة روح .. مات النقشبندى في العام 1976 في يوم 14 فبراير وبقى في قلوبنا.
رمضان فى الصعيد.. الأبنودى وجابر أبو حسين يُغنّيان على الدكة
عندما تسمع نغمة الربابة وعبارة بعد المديح في المكمل، وحتى عبارة سيرة عرب أقدمين بصوت جابر أبو حسين، شيخ الشعراء الشعبيين في الصعيد، تكون قد استبدت بك الأشواق لتسمع الأبنودى بصوته الصعيدي القسمات الواضح المعالم والانحياز، وهو يقول الحكاية أو المعركة التى سوف يسردها - أبوحسين - بصوته الشجي، وكل ليلة من ليالى رمضان كان الناس فى كوم العرب، وكل القرى يتحلقون حول أجهزة الراديو، بعد صلاة العشاء والتراويح، وتدور أكواب الشاي على الحاضرين وتنقضى المدة التي حددتها - إذاعة الشعب .
الحلقة السيرة الهلالية، ويتفرق الجمع، وتبقى الحكايات حاضرة بمجرد انتهاء – الأبنودي وجابر أبو حسين - من سرد الحكاية أو الفصل من السيرة، ينبرى كبار الحفظة، حفظة السيرة السرد ما كان وما سيكون من حوادث السيرة، والذين سافر أولادهم إلى ليبيا والسعودية واليمن والعراق وامتلكوا أجهزة الكاسيت والشرائط التي تحمل سيرة بنى هلال، كانوا وحدهم يمتلكون القدرة على استدعاء الأبنودي وجابر أبو حسين في ليالى - سهرة رمضان – والسهرة في قريتي وكل قرى الصعيد تعنى جلوس رجال وشباب العائلات والقبائل في دواوين ومناضد على الدكك المصنوعة من الخشب، المفروشة بفراشيات أو مفارش من الصوف، وعلى الدكة يجلس الأبنودى وجابر أبو حسين، ينبعث صوته وكأنه جالس مع الناس، ومعه - عم جابر - وفي آخر الليل يقرأ المقرئ آيات من القرآن الكريم، وهكذا تمضى ليالي رمضان فى الصعيد مغمورة بالمحبة المنبعثة من حنجرة الأبنودى وأوتار ربابة جابر أبو حسين - رحمهما الله وجعل مثواهما الجنة --وسيرة بنى هلال هى سيرة الجدود، يتعامل معها أهالي القرى فى الصعيد الأوسط والأعلى على أنها تاریخ مقدس، يروى معارك وبطولات - بني هلال وبنى سليم - في رحلة التغريبة إلى أرض تونس وهي رحلة طويلة شاقة، غيرت وجه شمال أفريقيا، جعلته عربيا، ومازال الهلاليون وقبائل الحلف الهلالى والأبنودى وجابر أبو حسين يلقون محبة العربان فى مصر وكل بلاد العرب ويلقون الكراهية من كل كارهي الثقافة العربية الذين يسمون أنفسهم أسماء عجيبة، قصدوا بها التغطية على المحرك والمدبر الأصلي، الجالس في تل أبيب والجالس فى واشنطن، سيرة بنى هلال وشهر رمضان متعانقان ومتشابكان في حياة أجيال كثيرة فى الصعيد وفي البوادي فالعربان في الصحراء الغربية والصحراء الشرقية ينتسبون إلى قبائل الحلف الهلالي التي جاءت من نجد والحجاز وجنوب العراق وأنزلها العزيز بالله - الخليفة الفاطمي - في شرق النيل، ثم جاء الخليفة المستنصر فاستنفر هذه القبائل واستعان بها ضد المعز بن باديس - حاكم تونس - وتحركت هذه القبائل وانتصرت على ابن باديس وواصلت زحفها حتى بلغت المغرب الأقصى وبلاد الأندلس، وارتدت فروع من هذه القبائل في اتجاه ليبيا ومصر، واستقرت في الصعيد الأوسط والأعلى وحملت معها حكاياتها و تواريخ أبطالها، والأبنودى وجابر أبو حسين كانا مخلصين للسيرة التى كان سماعها يمنح رمضان الصعيدى طعمه الرائع.
محمد رفعت شيخ شيوخ قراءة القرآن الكريم فى بلاد المسلمين
لن نتكلم عن جمال الصوت. صوت الشيخ رفعت - ولن يكون جديدا لو قلنا إنه كان أروع وأجمل شيخ قرأ القرآن الكريم في بلاد المسلمين في القرن العشرين، لكن مقولة - الشيخ الشعراوى - لخصت القصة، فهو الشيخ المتخصص في علوم القرآن واللغة العربية، قال إن الحصرى هو الشيخ المتقن الأحكام التجويد، وعبد الباسط هو صاحب الصوت الجميل، ومصطفى إسماعيل منحه الله الصوت الجميل والدقة في التجويد وختم - الشعراوى - مقولته فذكر أن - محمد رفعت - هو الشيخ الذي منحه الله الصوت الجميل والدقة في الأحكام والإحكام في النطق ومخارج الحروف، فكأنه يساوى كل هؤلاء.. والشعراوى شيخ كبير وعالم له مكانته في العالم الإسلامي، لا يطلق الكلام على عواهنه ولا ينطق بالرأى من دون دراسة وتدقيق.
أما - نحن عباد الله عشاق الشيخ رفعت - فنراه حمامة بيضاء -مرفرفة، في يوم هواؤه طيب جميل النبرة صوته يلامس القلب من بوابة الأذن، يجعلك تهابه وتحبه وتوقره وهو هادئ، لا يعرف الصخب، ولا النشاز، يشرح الآيات بالمقامات، وهب حياته للقرآن فوهبه الله الحياة بعد الموت كلما سمع مسلم أذان المغرب بصوت الشيخ رفعت - شيخ الشيوخ استحضر روح شهر رمضان فأصبح صوت الشيخ علامة على أجمل شهور السنة الهجرية، ومن حياته وتاريخه المضىء نعرف أنه فقد نور البصر في طفولته فألحقه والده بكتاب حفظ فيه كتاب الله ودرس علم القراءات والتجويد، ورشحه شيخه ليقرأ في الليالي لما أحس من صوته الجمال والاختلاف، فاشتهر في سن مبكرة وتولى نفقات عائلته التي فقدت عائلها - والده المأمور بقسم الجمالية بالقاهرة - والشيخ من مواليد درب الأغوات في حي المغربلين، وهو الحي الذي تراه في روايات نجيب محفوظ، حی شعبي قاهري فيه راقات الثقافة القاهرية منذ عصر جوهر الصقلي حتى يومنا هذا، فتشبع الشيخ بهذه الروح المصرية الخصبة الرقيقة الطيبة الدافئة ومنحها للناس في كل بلاد المسلمين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.
عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.
يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.
يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...