رواية نجيب محفوظ التى عبرت عن حياة صغار الموظفين

في العام ١٩٦٠ قرر المخرج السينمائي الكبير - صلاحأبو سيف - أن يقدم رواية «بداية ونهاية» التي أبدعها نجيب محفوظ، إلى جمهور أوسع، جمهور السينما،

 وكان الكاتب الروائى الراحل اشتهر في الوسط الثقافي العربي ولأنه كان يعيش حياة الموظفين نجح في تقديم حياة هذه الشريحة المطحونة، فهو عمل في وزارة الأوقاف، ثم وزارة الثقافة، ودرس شرائح الموظفين الصغار منهم والكبار، وعرف تفاصيل محزنة ومرعبة عن طرق ترقية وتصعيد الموظفين في دواوين الوزارات في زمن الملكية الدستورية التي يظن البعض أنها كانت جنة العباد في أرض الله، ونحن في هذه الأيام نتذكر يوم رحيل -نجيب محفوظ - الذي ودعناه في ٣٠ أغسطس ٢٠٠٦، ومن المهم أن نتوقف أمام هذا الفيلم المأخوذ عن روايته المهمة، لأسباب عديدة منها أن صلاح أبو سيف كان أول من دعا - محفوظ - لكتابة السيناريو السينمائى وهو من علمه أصوله وقواعده، وأن هذه الرواية تتناول حياة شريحة عريضة، كانت من أصول تجارية وفلاحية أو عمالية، لأن التاجر والعامل والفلاح ينظر إلى الموظف حسب نظرية إن فاتك الميرى تمرغ فى ترابه والميرى هو الأمان الكامل وأصل الكلمة - الأميري - ومعناه الحكومي الرسمي المنسوب إلى الأمير أو الحاكم، والكلمة عند الفلاحين تعنى الضرائب المستحقة الواجبة الدفع لخزانة الحكومة، فالميرى هو الحكومة والحكومة هي الأمان والقوة والسند النفسى والتفوق الاجتماعي، وهذا ما جعل التجار والفلاحين والعمال يفرحون بالتحاق أولادهم بالميرى، ومن عالم - الميرى - انطلقت رواية بداية ونهاية كانت بدايتها القوية بمشهد وفاة الوالد الموظف الصغير، وتوالت الأحداث لتصور لنا آثار وفاة الموظف الصغير على الزوجة والأولاد وهي بالطبع آثار مريرة مؤلمة تراجيديا كاملة، الأم التي كانت ست بيت لا تملك وسيلة لإنقاذ أولادها والأخت قليلة الحظ من الجمال، عملت «خياطة» ووقعت في لحظة يأس، ضحية للشاب - سلمان البقال فأفقدها عذريتها، وانحرفت تحت ضغط الحاجة لتجد نفسها في غرفة الحجز بأحد أقسام الشرطة متهمة بممارسة الدعارة، ولم يكن حظ الإخوة حسن وحسين وحسنين أفضل من حظ الأخت - نفيسة .

وكلهم ضاعوا وسقطوا ، ورغم خصوبة عالم نجيب محفوظ تظل - بداية ونهاية - لها مكانة الريادة فهى التي عرفت جمهور السينما بالأديب الكبير الذي عبر عن عالم صغار الموظفين بصدق وخبرة وقدرة على التأثير في وجدان القارئ والمشاهد في آن واحد.

أنف وثلاث عيون.. حكاية عن أزمات البنات فى مجتمع المدينة الكبيرة

التهمة التي طاردت الكاتب - إحسان عبد القدوس - هيى انشغال رواياته بمجتمع الطبقة الراقية في زمانه، لأن تلك الطبقة التي عاش بالقرب منها، كانت مكونة من أعراق مختلفة العرق التركى والشركسي، والنصف أوروبي والمصرى، والمشترك بين شرائح هذه الطبقة هو الفراغ العاطفى، خاصة لدى البنات، لأن الأمهات كن مشغولات بالسهر والرقص والانغماس في حياة الليل باعتبار أن هذا الانغماس نوع من التشبه بأبناء الجنسيات الأوروبية الذين كانت لهم الهيمنة الثقافية في سنوات الاحتلال في رواية - أنف وثلاث عيون - حكاية عن طبيب متفوق في مهنته يتولى علاج الطبقة الراقية ويعيش فى تفاصيل العائلات التي تلجأ إليه لتستفيد بخبراته الطبية تقترب منه السيدة .

أمينة - ولقب الدلع الخاص بها «ميتو» - ويمنحها العطف والحب الذى لم تجده في زوجها – عبد السلام الزوج التقليدى الريفي - ولكن الدكتور هاشم أصابه الملل وقرر التخلص من – ميتو في الوقت الذي كانت فيه قد تخلصت من زوجها التقليدى الريفى المسكين وتخلصت من ابنتها الطفلة، حتى يرضى عنها - دكتور هاشم .

ولكن الدكتور لم يمنحها ما أرادت، ومن حكاية ميتو - إلى حكاية - نجوى - التي تعيش في بيت خالتها التى باعتها بالفلوس لواحد من الأثرياء، وهذا النوع من الأمراض الاجتماعية لا نجده في بيوت الطبقات الشعبية التي تعتز بقرابة الدم وتعتبرها أقوى رباط بين البشر وهذه الرواية لقيت اهتماما كبيرا، قام الراحل المخرج الإذاعى - محمد علوان - بتحويلها إلى مسلسل إذاعى بطولة عمر الشريف وزوزو حمدى الحكيم وزوزو شكيب وسميرة أحمد، وتم تحويلها فى السبعينيات إلى فيلم بطولة حمدى أحمد وماجدة ومحمود ياسين والمسلسل الذي تعرضه قناة النيل للدراما هو عن نفس الرواية وأخرجه - نور الدمرداش -والبطولة فيه للفنان كمال الشناوى ومحمود المليجي وعايدة عبد العزيز ويسرا وليلى علوى وهالة صدقى وحسن مصطفى، ومؤخرا صدرت نسخة فيلم سينمائي آخر عن الرواية ذاتها، وهذا يعنى أن الرواية تحولت إلى عمل إنساني، يقاوم الزمن، لأنه يقدم قضايا وأزمات إنسانية، رغم اهتمامه بشريحة - بنات الطبقة الغنية فى زمن مضى - والمهم هنا التأكيد على أن مسلسل أنف وثلاث عيون الذي أخرجه نور الدمرداش وكتب له السيناريو أحمد الخطيب له تميزه وجماله المتفرد بفضل فريق التمثيل والسيناريو والحوار.

فى ذكرى الثورة العرابية لابد من الترحّم على عبد الله النديم

رحم الله عبد الله النديم ورحم الكاتب يسرى الجندي الذي جعله في حلقات تليفزيونية رائعة تمجد ذكراه وتحفظ نضاله الوطني وكفاحه في زمن الثورة العرابية في أواخر القرن التاسع عشر، وهي ثورة وطنية ضد الاستعمار الغربي الذي كانت تقوده بريطانيا، وهو - النديم - الصحفى صاحب القلم الحر الذي كان همزة الوصل بين الجيش الوطني والشعب الثائر تحت قيادة الزعيم أحمد عرابي الذي لقبه المصريون والعرب والمسلمون بلقب - أمير المؤمنين وهو ما أزعج السلطان العثماني فأصدر البيان الذي اعتبر فيه عرابي من العصاة الخارجين على قانون السلطنة العثمانية ومسلسل - النديم - الذي أخرجته - علوية زكى - وكتب له السيناريو يسرى الجندى  وقام ببطولته عزت العلايلي - وفريق من كبار

الفنانين - منهم محمود المليجي وحمدي غيث - استطاع أن يقدم صورة مقربة عن علاقة الشعب المصرى بقادة الثورة الوطنية العرابية التي كان شعارها مصر للمصريين وهو الشعار الذي جاء ردا على الاستعمار الاقتصادي الأوروبي الذي استدعاه - الخديو إسماعيل - بواسطة الديون التي استدانها من بيوت المال حتى رهن - مصر - كلها وباع كل ما يملكه المصريون، وأصبح المطلب الوطني هو استعادة مصر لتكون للمصريين وحدهم، وكان - النديم هو الصوت الثوري الذي يترجم أهداف الثورة للشعب وينقل نبض الشارع إلى القيادة الثورية وهو المناضل المولود في قرية -الطيبة - في محافظة الشرقية وقضى حياته في الإسكندرية بعد انتقال والده إليها ليعمل في الترسانة البحرية نجارا، وكان الأدب هو المفتاح الذي فتحطريق النضال أمام - عبد الله النديم - وهو الذي امتلك موهبة الكتابة الصحفية وأصدر عدة صحف منها التنكيت والتبكيت اللطائف الأستاذ، واستطاع الهرب من عيون الاحتلال والخديو، سنوات طويلة، ولكن كانت نهايته في تركيا، هناك مع جمال الدين الأفغاني وكانا في منفى ناعم، أعده السلطان العثماني لهما حتى يرتاح من شرهما، فهما دعاة النهضة والثورة وكان يوم التاسع من سبتمبر 1881 يوم وقفة عرابي ومعه الجيش الوطني لتقديم مطالب الشعب للخديو توفيق هو اليوم التاريخي الذي كان النديم وعرابي ومحمد عبيد والبارودي قادته الذين قاوموا الاستعمار حتى النهاية، وكلما أقبل يوم التاسع من سبتمبر من كل عام أصبح فرض عين علينا أن نترحم على النديم وعرابي وكل الأحرار من قادة الثورة العرابية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ
فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح

المزيد من فن

فى ذكرى ميلاده.. لويس عوض.. صاحب الرسالة

كلما قرأت لويس عوض 5/1915) (9/9/1990 أسأل نفسي من هو؟ سؤال يطرحه كل كتاب وضعه، سواء في الفكر أو النقد...

الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976

كان يوم 3 فبراير 1976 يوما من أيام الحزن في تاريخ وحياة الشعب المصرى، لا يقل حزنه فيه عن أيام...

من يفوز ب «أوسكار 2026» ؟

« Sinners» و « One Battle After Another» يتصدران أغلب الترشيحات فيلم المخرج رايان كوجلر يدخل التاريخ بحصوله على 16...

مسلسلات التيمة الواحدة تحاصر موسم رمضان

هل يخشى نجوم الدراما التغيير؟ أحمد سعد الدين: نجاح البطل والمؤلف والمخرج فى تجربة مشتركة يدفعهم غالباً لإعادة تقديمها