فى ذكرى ميلاده (6) شخصيات نجيب محفوظ تخاف من المـــاضى فى "أفراح القبة"

عاصر نجيب محفوظ منذ طفولته فى العقد الثانى من القرن العشرين أزهى عصور المسرح المصرى التى امتدت حتى الستينات،

فكان من الطبيعى أن يكون جزءاً من مشروعه الأدبى، واستفاد منه فى إطار ما يخدم مشروعه الروائى، فلم يكن المسرح فى حد ذاته هدفاً أو غاية، كان وسيلة، وفى هذا جاءت رواية أفراح القبة (١٩٨١) فى إطار مشروعه المسرحى الكبير الذى لم يقتصر فقط على ثمانى حواريات أو مسرحيات قصيرة من ذات الفصل الواحد قدمها خلال ١٠ سنوات، ولكن أيضاً فى تجليات المسرح فى أعماله القصصية والروائية.

هذه الرواية التى يرويها أربع شخصيات تطرح سؤالاً جوهرياً من خلال الأحداث، ألا وهو: هل يمكن إعادة الماضى بكل ما يحمل دون تجميل أو تزييف، دون معالجة درامية؟ هل يمكن أن نعترف على الملأ بأفعالنا الظاهر منها والمستتر، وذلك من خلال حكاية فرقة مسرحية خاصة من ستينات القرن الماضى، فهى ليست فقط مواجهة بين المسرح والحياة، ولكن هذا السؤال الصعب والذى يبدو مستحيلاً: هل يمكن أن نفضح أنفسنا ونكشف كل أسرارنا على خشبة المسرح؟.. نحن أهل المسرح الذين نؤمن به ونحبه، هل يمكن أن نفعل هذا؟.. وإذا كانت المواجهة بين المسرح والحياة قد تمت من قبل حين خرجت شخصيات الكاتب المسرح الإيطالى لويجى بيرانديللو من الأوراق وتمردت عليه، وطلبت مصائر أخرى، لأن مصائر المؤلف لا ترضيها، فإن ذلك كان حدثاً كبيراً فى تاريخ الدراما، وأصبحت الشخصيات الست التى خرجت من رأس مؤلفها قبل أن تكتمل ترفض النهاية، وتختار نهايتها، لكن فى هذه الرواية العقدة موجودة والمصائر معروفة سلفاً، لكن الشخصيات ترفض أن تدخل فى عرض مسرحى، فقد قدم محفوظ معكوس بيرانديللو، فالشخصيات لم تخرج من رأس المؤلف وتتمرد عليه قبل أن تكتمل، بل هى حقيقية ورفضت الدخول فى رأس المؤلف، تخاف من الاكتمال والنهاية! فهى تعرف النهايات، والمشكلة فى كيفية أن يواجه كل إنسان نفسه ويعرّيها تماماً ليس فقط أمام نفسه بل أمام الجمهور على الملأ، كيف يعيد الإنسان تمثيل الماضى فى الحاضر؟

فنحن أمام نص مسرحى كتبه عباس كرم يونس أحد أفراد الفرقة الذى ولد وتعلم وعاش فى هذه الفرقة، كتب النص عن حياة هذه الجماعة ومن المفترض أن يؤدى هؤلاء أدوارهم كما هى، أى تتم إعادة الماضى على خشبة المسرح، كل شخصية تعيد تفاصيل حياتها بكل شفافية كما كتبها المؤلف الشاب الذى ظل يكتب روايات فاشلة، روايات متخيلة من بنات أفكاره حول المثالية والعدل والحق، ومدير الفرقة وصاحبها سرحان بك يرفض هذه الأعمال، إلى أن جاءت الفكرة للمؤلف وفى لحظة إلهام قرر أن يكتب حياة البيت، بيت العائلة الذى كان مسرحاً لكل الأحداث، والذى كانت الفرقة تكمل فيه كل ليلة ما لم يشاهده الجمهور، ناهيك عن التاريخ سيئ السمعة للبيت من خلال الجدة أم الأب، والأب كرم يونس مدمن الأفيون، والأم حليمة الكبش التى سلمت نفسها كغيرها لسرحان بك قبل أن تتزوج كرم يونس، وفى هذا الفضاء المفعم بالقمار والمخدرات والخيانة والجنس استمد عباس نص مسرحيته التى أذهلت صاحب الفرقة سرحان ورأى أنها سوف تنجح نجاحاً مبهراً، بعد أن كتب عباس كل شىء!

استخدم محفوظ فى هذه الرواية أسلوب الأصوات المتعددة، أربعة أصوات تحكى الأحداث: الأب والابن والأم، ووجهة نظر خارج العائلة للممثل طارق رمضان، وهو ممثل درجة ثانية سوف يحصل على دور البطولة لأول مرة فى هذه المسرحية، لأن هذا هو دوره فى الواقع، ليضع نجيب محفوظ هذه الشخصيات عارية تماماً، وينزع عنها كل ما يسترها، وحين قرأت هذه الرواية للمرة الأولى، فكرت فى علاقة المسرح بالواقع، وهو السؤال الذى تطرحه الرواية بقوة.

تأتى البداية من الصوت الأول طارق رمضان، ممثل درجة ثانية وهو الخائب الأبدى كما يسمى نفسه، ابن الطبقة المتوسطة الذى فشل فى دراسته ولم يتعلم سوى أسرار القمار والبغاء، فنبذته أسرته العريقة لانحرافه، ولم يحتوه سوى رفيق فشله ونزواته الجنسية سرحان الهلالى، ابن الإقطاعى الذى أسس مسرحاً حباً فى الإدارة والنساء. وتبدأ الرواية على لسان طارق بسرد أقرب لإرشادات المسرح، حيث يصف حجرة سرحان مدير الفرقة أثناء قراءة النص ورد فعل الفرقة على النص الذى سوف ينزع كل الأقنعة عن حياة هؤلاء، ويبدأ الجدل حولها حيث يراها سرحان والناقد فؤاد «مسرحية مرعبة ومتقنة ومثيرة»، أما بالنسبة لطارق فما هى بمسرحية، إنها اعتراف، هى الحقيقة، إنها باختصار تكرر ما وقع بالحرف الواحد، كاشفة فى الوقت نفسه جرائم خفية، ومؤلفها عباس مؤلف زائف سرق الحقيقة بلا حياء، والدليل أنه لم يؤلف سطراً ذا قيمة من قبل، وكل ما كتبه ألقى به سرحان فى سلة المهملات، ولن يؤلف مرة أخرى، ويصرخ بعد بروفة «الترابيزة» بعد أن قرأ مخرج الفرقة سالم العجرودى النص فى حضور الجميع: لقد فاض قلبى بالغضب والمرارة، انتشرت أحزان الماضى كالدخان بكل هزائمه وآلامه، اللعنة على الماضى والحاضر.

اختيار طارق رمضان ليكون الصوت الأول للحكاية لأنه الوحيد الذى سيمثل كل ليلة دوره، يعيد الماضى بكل قسوته أمام الجمهور على خشبة المسرح، يبكى أمام نعش تحية التى تركته لتتزوج عباس، الذى يتهمه طارق وفقاً للنص بأنه زج بأمه وأبيه فى السجن وقتل زوجته وابنه، ثم انتحر فى النهاية. فكيف يؤدى هذه الأفعال القاسية كل ليلة؟ إنها جريمة وليست مسرحية، جريمة خلقت مؤلفاً كان فاشلاً فى كل ما كتب، وممثلاً تجاوز الخمسين ولم يحصل على البطولة إلا حين أدى على المسرح دوره فى الحياة!

فى الصوت الأول يكشف محفوظ عن بعض الشخصيات، وتقريباً صوت طارق رمضان بمثابة برولوج، مقدمة، رغم أنه يضع نهايات بعض الشخصيات، أما الشخصيات الثلاث الأخرى، الأب والأم والابن، فهى بمثابة البداية والوسط والنهاية، فلا تكتمل الشخصيات فى ذهن القارئ سوى فى الحكاية الرابعة التى تأتى على لسان عباس كرم يونس، مؤلف المسرحية أو سارق الحقيقة كما يسميه طارق. وعلى الرغم من وجود العديد من الشخصيات التى تحفل بها الرواية فإن نجيب محفوظ رأى أن الشخصيات الرئيسية هى الأربع، والأخرى ثانوية، على الرغم من أهمية دور تحية التى تلعب دوراً محورياً فى الأحداث، وهى شخصية ثرية يصفها طارق بأنها كثيرة العلاقات التى تستكمل من خلالها أجرها الصغير، والمسرحية التى كتبها حبيبها وزوجها وقاتلها عباس هتكت ما خفى من أسرارها، حيث تعترف وهى على فراش المرض بأنها باعت نفسها لضيف أجنبى، وهنا قرر زوجها قتلها باستبدال الدواء، وتصفها الرواية بأنه ما من ممثل فى المسرح لا يعشق تحية!

فهذه رواية كل أبطالها منحرفون، حتى عباس الذى يصفه البعض بالمثالى، فقد قدم نجيب محفوظ شخصيات ثرية وعميقة، حقيقية إلى حد القسوة. فهل يمكن أن يكون المسرح هكذا؟! هل يمكن أن يصعد الواقع كما هو على خشبة المسرح؟

بعد أن قرأ طارق رمضان النص الذى كتبه غريمه وعدوه اللدود عباس، راح يصرخ «سأمثّل كل ليلة دور العاشق المهجور، سأبكى مراراً وتكراراً أمام النعش!» وتلك هى المشكلة: كيف يعيد طارق رمضان أحزان الماضى وقسوته؟ كيف يعيش أعضاء الفرقة قسوة الماضى بكل مفرداته مرة أخرى؟ لقد ماتت تحية دون أن تندم على حبه أو تتذكره، ماتت دون أن تعرف أن المثالى، أى عباس، قتلها، وعباس الذى انتحر فى المسرحية يجب أن يُشنق فى الحياة كما يرى نجيب محفوظ على لسان طارق، ويتساءل: كيف تخلق جريمة مؤلفاً وممثلاً فى آن؟ وهى نظرة أقرب إلى فلسفة مسرح العبث الذى انحاز إليه نجيب محفوظ وسار على نهجه فى حوارياته الثمانية التى كتبها للمسرح. فثمة تناقض يعيشه الإنسان، أسئلة عديدة لا إجابة لها، ليس فقط الميتافيزيقية ولكن أيضاً اليومية العادية. حيث يتساءل طارق مرة أخرى: لقد بات البلد ماخوراً كبيراً، لم تكبس الشرطة بيت كرم يونس وهو يمارس الحياة كما تمارسها الدولة، فردت درية: نحن فى زمن القومية الجنسية!

ويبدأ الصوت الثانى كرم يونس بالخريف أيضاً، ففى صوت طارق رمضان سبتمبر/الخريف شهر التأهب والتدريب، ومع كرم يونس الخريف نذير، فهل نتحمل برودة الشتاء؟ الأول ينتظر حياة جديدة مع النص رغم كل الخلافات والتحفظات، ينتظر دور البطولة لأول مرة فهو شهر التأهب، أما الثانى الذى أصبح بعدما كان ملقناً كبيراً يعيش حياة المسارح والفنون مع زوجته قاطعة التذاكر حليمة الكبش، كلاهما أصبح يبيع اللب والسودانى بعد السجن والفضيحة، فهل سيتحمل قسوة المستقبل؟

ويبنى نجيب محفوظ الأصوات الأربعة من خلال حبكة درامية مثيرة أشبه بقطعة الأراربيسك التى تتشابك أجزاؤها فى النهاية لتصنع تحفة فنية فى نافذة أو باب، تحفة صالحة للحياة تنبض بالحياة، يعتمد فى بنائها العميق على الحوار المسرحى بين الشخصيات، ويلجأ إلى السرد للتعليق على الحوار، حيث يؤدى السرد فى أحيان كثيرة دور الإرشادات المسرحية، وكما جسد خوف طارق من عودة الماضى فى الحاضر على خشبة المسرح، كان طارق هو الماضى نفسه فى نظر كرم وحليمة: «جئت من الماضى كذكرى من أسوأ ذكرياته». ونحن لا نقرأ النص الذى كتبه عباس، نعرف عنه قليلاً أو قُل أهم النقاط والأحداث، ولكن فى الواقع تدور أحداث أعنف ومسرحية أقوى من التى كتبها عباس من خلال حوار عنيف وقاسٍ يكشف خبايا الحياة لدى هذه الشخصيات: ماضيها وحاضرها. نحن نعرف كل شىء من تعليق الشخصيات حول المسرحية، ولنقرأ الحوار الذى دار بين كرم وحليم بعد أن أخبرهما طارق بالمسرحية وما فيها من فضائح وجرائم، حيث تؤكد حليمة أنه يكذب، أى طارق، ويرى الأب أن طارق لا يكذب، فهناك مسرحية، فى حوار ممتع يكشف كل شىء، يصرح فيه كرم برأيه فى ابنه عباس: «لم يكن يوافقنا على حياتنا.. كان مثالياً كأنه ابن حرام، لكنه لا يغدر بنا، ثم لماذا يقتل تحية؟» وفى هذا الحوار يتعرف القارئ على شخصية حليمة وكرم، تعايره حليمة قائلةً: «كان أبوك ساعى بريد، أما أبى فكان موظفاً فى دائرة الشمشرجى» فيرد كرم: «ذلك يعنى أنه كان خادماً»، فتحاول الدفاع عن نفسها: «أنا من أسرة»، وحين تحاول معايرته بأمه عشيقة الشاويش، يقول لها: «أمى مثلك تماماً، أى عاهرة مثلك!» فهذه علاقة رجل بزوجته وهما من أنجبا مؤلف المسرحية الذى نشأ وترعرع فى هذه الأجواء!

ويتساءل محفوظ فى هذه الرواية المسرحية عن الحقيقة، حيث قدمت فرقة سرحان الهلالى عروضاً عادية، الفرقة قدمت تمثليات مؤلفة مصرية وعالمية، لكنها هل تستطيع تقديم حياتها، تقديم الحقيقة؟ فبعد أن خرج كرم يونس من لقاء سرحان الهلالى فى لقائه الأول معه بعد خروجه من السجن ليسأله عن مسرحية ابنه، خرج ناقماً: «غادرتُه وأنا أنوء باحتقارى للجنس البشرى، لا أحد يحبنى ولا أحب أحداً، حتى عباس لا أحبه وإن تعلق به أملى». الغادر القاتل، ولكن فيما ألومه وأنا مثله، لقد تقشر الطلاء عنه فتجلى على حقيقته الموروثة عن أبيه. والأهم فى الرواية الشخصية الحقيقية التى ليس لديها ما تخبئه، فهو ينتمى إلى كل أفعاله ويفخر بها.

 

 

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ
فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح
فيلم

المزيد من فن

ياسمين صبرى وأمير كرارة فى فيلم جديد

يواصل الفنان أمير كرارة تصوير مسلسله الجديد «رأس الأفعى » المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى.

«اسأل روحك» خارج الموسم الرمضانى

تأكد بشكل كبير خروج مسلسل «اسأل روحك » للفنانة ياسمين رئيس من السباق الرمضانى.

أحمد العوضى يصور «الأستاذ » بعد رمضان

اتفق الفنان أحمد العوضى على تقديم مسلسل جديد، يعرض خارج الموسم الرمضانى، بعد الانتهاء من مسلسل «على كلاى».

ياسمين عبدالعزيز تصالح شقيقها فى «وننسى اللى كان»

تواصل الفنانة ياسمين عبدالعزيز تصوير مسلسلها «وننسى اللى كان »، المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى المقبل.