بأمر عبدالناصر: فريد شوقى يتسلل إلى بورسعيد لتصوير فيلم عن المقاومة الشعبية

فى يوم 23 ديسمبر من العام 1956 انسحبت قوات العدوان الثلاثى من بورسعيد والأراضى المصرية، وحصلت مصر

 على الاستقلال الحقيقى الذى حار الشعب من أجله على مدى سبعين عاماً وأكثر، ولما كان «جمال عبدالناصر» يعرف قيمة الفن، وتأثيره على الجماهير والرأى العام، اختار «فريد شوقى» وكلفه بالتسلل إلى «بورسعيد» المحتلة المحاصرة، لتصوير فيلم «بورسعيد» الذى كان له أبلغ الأثر فى الجماهير العربية والرأى العام العالمى، وهو الفيلم الذى يمثل وثيقة شاهدة على نضال الشعب المصرى من أجل الحرية والاستقلال، وفى مذكراته التى حررتها الناقدة والصحفية «إيريس نظمى» وأصدرتها «دار ريشة» منذ سنوات حكى فريد شوقى ما جرى قبل تصوير الفيلم، وهذا هو نص ما قاله الفنان الكبير رحمه الله.

«مددت يدى أصافح الرئيس جمال عبدالناصر الذى قال وهو يجلس أمام مكتبه:

ـ أنا بعت لك يا فريد

ـ تحت أمرك يا أفندم.

فقال الرئيس:

ـ لكم رسالة يا أهل الفن لا تقل أبدا عن رسالتنا نحن رجال الثورة، انت شايف العدوان اللى حصل ضد مصر، أنا عايزك تعمل فوراً فيلم عن الحرب والمقاومة فى بورسعيد.

ثم ابتسم الرئيس جمال عبدالناصر قائلا:

ـ أنا اخترتك انت بالذات لهذا الفيلم الوطنى لأنى أعلم أنك البطل الشعبى المحبوب الذى يحب الناس أن يشاهدوه، أريد أن أعرض هذا الفيلم على العالم كله لأكسب به الرأى العام العالمى، وتحت أمرك الجيش والطيران.

ثم نظر الرئيس إلى المشير عبدالحكيم عامر قائلاً:

ـ إعط أمر علشان فريد يستعد.

.. كانت الساعة تقترب من الثانية صباحاً، عندما خرجت من المبنى الذى التقيت فيه الرئيس عبدالناصر واكتشفت أنه مبنى «المؤتمر الإسلامى»، ولم أعد إلى بيتى رغم أنى كنت أريد أن أبعث الاطمئنان إلى قلوب بناتى وزوجتى، ولكنى ذهبت أبحث عن المخرجين، نيازى مصطفى وعزالدين ذوالفقار، وكاتبى السيناريو «السيد بدير وعلى الزرقانى»، كان هدفنا أن نصور العدوان الثلاثى والطائرات المعادية وهى تهاجم وتقصف الأماكن المزدحمة بالسكان المدنيين، وعمليات المقاومة الباسلة، وبطولة أهالى بورسعيد، هذه المدينة الشجاعة التى أصبح الفيلم يحمل اسمها، كان هدفنا أيضاً أن نصور انسحاب القوات المعتدية وتراجعها أمام الصمود البورسعيدى، لكن كيف الوصول إلى بورسعيد؟.. عن طريق «بحيرة المنزلة»، هذا هو الحل الوحيد، وارتدينا ملابس الصيادين، ووضعنا الكاميرا والمعدات الأخرى داخل «مشنات السمك» وغطيناها بقطع من القماش، واجتزنا بحيرة المنزلة حتى وصلنا نقطة التفتيش وعشنا لحظات عصيبة جداً، عندما تقدم الجندى الإنجليزى ليفتشنا، ماذا سيحدث لو اكتشفوا هذه الكاميرا التى أخفيناها داخل مشنة السمك؟.. وارتعد جسدى كله عندما مد الجندى الإنجليزى «سونكى» البندقية التى ترقد فى أعماقها معدات التصوير، لكن شخصاً ذكياً حاول أن يشتت انتباه وتركيز الجندى الإنجليزى، فناداه فى تلك اللحظة «سير، سير» فتطلع إليه الجندى صاحب السونكى ومررنا بسلام، ونحن لا نصدق أن الجندى الإنجليزى لم يكتشف أن هؤلاء الصيادين ليسوا إلا مجموعة من الفنانين جاءوا إلى بورسعيد لكى يسجلوا ويصنعوا فيلماً سينمائياً يفضح ذلك العدوان الثلاثى الغادر ويكشف عن بطولة أبناء بورسعيد الشجعان، وانتهينا من تصوير الفيلم بسرعة قياسية ونحجنا فى تسجيل القوات المعتدية وعرض الفيلم فى معظم بلاد العالم وحقق نجاحاً خرافياً فى مدينة دمشق، وجاء السوريون من القرى البعيدة لكى يشاهدوا الفيلم الذى يعبر عن المقاومة المصرية، ونفس النجاح حققه فى لبنان، وشكرنى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، واحتفظ بنسخة من فيلم «بورسعيد» فى بيته.

المطربون والمطربات على خط النار.. يحاربون بالأغنيات الوطنية

الشعب المصرى بما له من رصيد حضارى وإنجاز فنى، استطاع الصمود والمقاومة على مدى تاريخه بالفن، وكان الغناء هو السلاح القوى، ولو راجعنا زمن الاحتلال البريطانى فى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، سوف نكتشف دور الأغنية فى دعم الفلاحين المسخرين فى المشروعات، ودعم الأهالى الذين فقدوا أولادهم فى المعارك التى وقعت فى «كفر الدوار» والتل الكبير، بين الجيش المصرى والجيش البريطانى، وكان «السيد درويش» من الفنانين الذين تنبهوا لأهمية الغناء فى حشد الشعب فى مظاهرات ثورة 1919، وما زالت الأغنيات التى أبدعها فى تلك الفترة باقية فى قلوب الناس، ولما وقع العدوان الثلاثى على مصر، وسقطت مدينة بورسعيد فى قبضة القوات المعتدية، هب المطربون والمطربات والشعراء والملحنون للقيام بدورهم الوطنى فى رفع معنويات الشعب المحاصر فى المدينة الباسلة، التى تحولت شوارعها إلى ميادين قتل للجنود المحتلين، وتجمعت فيها كل أدوات المقاومة المصرية، وكانت الإذاعة المصرية تقوم بتوصيل صوت الفن الثورى إلى الشارع المصرى الغاضب الثائر، ومن أغنيات تلك الفترة، أغنية «أمانة عليك أمانة يا مسافر بورسعيد» التى تغنت بها شادية، وحققت نجاحاً كبيراً على المستوى الجماهيرى بما تضمنته من معان تشيد بقوة الشباب البورسعيدى المناضل المدافع عن كل شارع وكل بيت فى المدينة الصامدة، وكانت فايدة كامل، وصوتها القوى الحماسى حاضرة بالنشيد الذى كتبه «كمال عبدالحليم» الذى يقول «دع سمائى فسمائى محرقة، واحذر الأرض فأرضى صاعقة» وحضر أيضاً صوت المطربة العربية الرائعة «نجاح سلام» وهى رحمها الله حققت شهرتها الفنية فى مصر، وعاشت فيها سنوات طويلة وأحبت شعبها وأحبها المصريون، وتغنت المجموعة بالنشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدى» وكان من المقرر أن يغنيه «كارم محمود» لكن غارة وقعت على مبنى الإذاعة فى وسط القاهرة، فى الوقت الذى كانت فيه الفرقة الموسيقية مصطفة استعداداً لعزف اللحن، وبحكم «الفزعة» التى أحدثتها الغارة الجوية المعادية، انطلقت حناجر المجموعة بالنشيد، وعزفت الفرقة اللحن الحماسى، وأذيع النشيد عبر ميكروفون الإذاعة، ولم يكن من نصيب «كارم محمود» المشاركة فى أدائه، وظل النشيد على حناجر الأجيال المتعاقبة من المصريين، فكان التلاميذ يغنونه فى طابور الصباح طوال سنوات، وغنت أم كلثوم بعد زوال العدوان «ريسنا قال ما فيش محال، راح الدخيل راح وابن البلد كفّى».

هدى سلطان..

مصرية حرة دافعت عن الأرض فى المدينة الباسلة

هدى سلطان، كانت واحدة من جميلات السينما المصرية، تمثل الأنوثة المصرية التى هى سبيكة «عربية، قبطية، يونانية»، وهذا ما أخبرنا به «دكتورجمال حمدان» الذى شرح لنا فى موسوعته «شخصية مصر» الفروق بين «سمرة الصعيد» و«بياض الدلتا» فقال إن الدلتا تأثرت بهجرات يونانية ورومانية قديمة فمنحت ناسها البشرة البيضاء والقامة الطويلة، والصعيد تأثر بالهجرات الحبشية، فاكتسب أهله البشرة السمراء، ولكن حلاوة «هدى سلطان» كانت حلاوة فى الصوت، وحلاوة فى التمثيل السينمائى، وحسب ما ذكره فريد شوقى فى مذكراته أنه لم يشاهد فيلم «امرأة فى الطريق» لأنه احتوى مشاهد حب جمعت بين «رشدى أباظه» و«هدى» التى كانت زوجة له فى تلك الفترة، وهو الزواج الذى امتد بين العامين «1951ـ 1969»، وفى الفترة ذاتها قدمت دور «وفية» المرأة الضريرة، التى أحبت «طلبة» البطل المدافع عن «بورسعيد» فى زمن العدوان الثلاثى، وأصبحت تمثل نموذج المرأة المصرية الحرة التى تمسكت بالبقاء فى المدينة رغم النار والبارود والقتل، وكان لهذه الفنانة القديرة دور مهم فى نجاح فيلم «بورسعيد»، ونجحت فى التعبير عن جوهر المرأة المصرية المتمسكة بالوطن حتى النفس الأخير، وشاركت هدى زوجها «فريد شوقى» فى عشرين فيلماً، وقدمت أغنيات ناجحة فى أفلام كثيرة فى حقبة الخمسينات من القرن الماضى، وهى شقيقة الفنان «محمد فوزى» المطرب والملحن العبقرى، وهى من مواليد «كفر أبوجندى - قطورـ غربية» فى العام 1925 وتوفيت إلى رحمة الله فى العام 2006 بعد صراع مع مرض السرطان، ومن أعمالها التليفزيونية «زينب والعرش» و«بين القصرين» وغيرها من الأعمال المتميزة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فى وداع الفنان النبيل لطفى لبيب.. الجندى المقاتل فى الكتيبة 26

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات