لم تأخذ قضية إنسانية حظها من تسليط الضوء عليها مثلما أخذت قضية الرق فى أمريكا، ففى كل عام تقريبا يظهر لنا فيلم
أو اثنان من إنتاج أمريكى يحكى عن قصة معاناة السود من العنصرية والرق.
هكذا جاء فيلم Emancipation الذى أوجز قضيته فى صورة لعبد يبدو على ظهره آثار تعذيب وجلد وحرق ولكنه يجلس مستعرضا جروحه للكاميرا فى إباء وتحد بإيمانه القوى بأن الله معه.
نعود فى التاريخ إلى يناير عام ١٨٦٣ حين أعلن الرئيس الأمريكى ابراهام لنكولن تحرير المستعبدين فى الولايات المتمردة، ففى لويزيانا وحدها واجه ما يربو على ٣٥٠ ألف عبد خيارا إما أن يبقوا فى أسر العبودية انتظارا لجيش الاتحاد ليحررهم أو يظفروا بالحرية بأنفسهم.
تدور أحداث الفيلم فى أعقاب توقيع لنكولن على إعلان تحرير العبيد، وتبدأ القصة الحقيقية بسلسلة من لقطات طائرات الدرون التى تشق طريقها عبر مستنقع الغابات وتمتد فوق مزرعة للقطن.
يداعب بيتر (ويل سميث) القدم النحيلة لزوجته دوديان (شارمين بينجوا) بالماء بينما يحيط بهما أطفالهما فى وضع الصلاة، إنهم يخشون الله ويؤمنون أن الرب سيمنحهم القوة والخلاص من البيض الذين يرونهم مجرد ممتلكات لهم.
يظهر رجلان أبيضان يسحبان بيتر من عائلته عنوة، ما يجعله يسحب إطار الباب من الجدران فينكسر وتنهار قدرته على البقاء وسطهم، بينما هو يسحب إلى العربة يعدهم بأنه سيعود، رغم بيعه للجيش الكونفدرالى كعامل يدوى لبناء خط سكة حديد.
سميث، الحديث العهد بجائزة الأوسكار على أدائه فى فيلم KingRichard العام الماضى، يقدم دورًا ملتزمًا جسديًا كشخصية تعتمد بشكل كبير على قصة واقعية، رجل مؤمن وزوج وأب محبّ، حافظ على أسرته ووضع فى قلوبهم الأمان، عن طريق زرع الإيمان بالله وأنه لا بد من أن الله له غاية فيما يحدث لهم، رغم عبوديته وجهله، على الرغم من أنه كان عبدا مجتهدا ونشيطا ويعمل حدادا عند سيده إلا أن سيده تخلى عنه ليجد نفسه منفصلاً بقسوة عن زوجته وأطفاله، وتبدأ رحلة عذاب أشد قسوة عندما باعه سيده لقوات فيدرالية تقوم ببناء سكة حديد باستخدام العبيد وتعاملهم بقسوة تصل إلى الحرمان من الطعام والماء والحرق والقتل وتعليق رؤوس من يهرب منهم بحثا عن متنفس.
يعد بيتر أبناءه بأنه سيعود وفى مشاهد متتالية لقتامة الحياة والاضطهاد والسخرة والظلم يستعرض المخرج قدرات سميث فى التعبير عن غضبه المغلف بالإيمان بأن الله سيرسل له مخرجا، خاصة بعد أن أصبح موضع سخرية سيده وتحديه ومنعه من الطعام والماء فارضا عليه الاستمرار فى العمل ويصفه بالكلب، فيطلب بيتر منه أن يعامله مثل كلبه ويطعمه من طعام الكلب الذى يأكل اللحم، بعدها نرى مشهدا للبطل يقرفص مقيدا أمام كلب شرس دون أن يطرف له جفن.. مشهد رائع لسميث وأداء متوقع من نجم مثله خاصة بعد الجدل الذى نشب بين ويل سميث وكريس روك فى حفل توزيع جوائز الأوسكار العام الماضى عرض حياته المهنية للخطر وتساءل الكثيرون عما إذا كان سميث سيعمل مرة أخرى، حيث تم إلغاء العديد من مشاريعه.
بدأ المخرج أنتون فوكو الفيلم بلقطة عالية لأجواء لويزيانا يستعرض فيها طبيعتها القاتمة الكئيبة ثم ينزل ويتجول فى الحقول وسط العبيد الذين يجمعون القطن بأيديهم العارية ثم يدخل على سميث وهو يغسل قدمى زوجته وهو يؤكد لها أن الله معه وماذا سيفعل له العبد لو أن الله معه، ثم يجر إلى عربة بها أمثاله من العبيد لترحيلهم إلى معسكر بناء سكة الحديد، مشهد سريع يوضح به علاقة سميث بكل ما حوله وارتباطه بأسرته.
اتخذ مخرج أفلام "يوم التدريب" و"الملك آرثر" و "سقوط اوليمبوس" و"العظماء السبعة"، والكاتب بيل كوليدج من تجربة مؤلمة قضية خاصة للعمل جزء منها تاريخى وآخر اجتماعى، وجزء مطاردة وجزء ملحمة معركة.
قدم فوكوا لسميث دورًا جسديًا وعاطفيًا للغاية، يشبه صفات الفيلم المرشح للأوسكار العام الماضى ولكنه فشل فى التعامل مع إيقاع الفيلم، فبدا افتقاره إلى التعامل مع السرعة فى تلاحق الأحداث خاصة رحلة هروبه إلى المستنقعات وملاحقة صياد العبيد فاسل (بن فوستر) لبيتر(ويل سميث) فى رحلة رأيناها كثيرا فى أفلام مطاردة العبيد.
يقدم سميث أداء عاطفيًا قويًا، ويدفع حدود الحالة العقلية لشخصيته. يصبح تحول الجسم بالكامل واضحًا عندما ينتقل سميث بين البيئات، إنه لا يقدم نفسه بشكل مختلف عن أى فيلم حركة سابق فحسب بل يعرض رؤية فريدة أكثر لبيتر، ويضفى عليه تبعات صراعه مع الإيمان، يصنع سميث لحظات لإظهار تأثيرها على نفسية بيتر المتهالكة، ففى النهاية هو يرغب أن يُنظر إليه على أنه إنسان، وبالتالى يؤمن أن إيمانه سيُكافأ، إنه لا يستهلك قصة التحرر بل يستخدم أطرافا صناعية لتغيير مظهره فى بعض الأحيان، فيبدو أقوى من أى رجل على وجه الأرض، على الرغم من بنيته الهزيلة.
وفى مشاهد أخرى يصبح من المستحيل تجاهل هشاشته بينما تظهر قوته عندما التحمت قوى الطبيعة بمستنقعاتها وما تحملة من حشرات وثعابين وتماسيح مع صياد العبيد الذى يلاحقه، ربما هذا ما قد يجعل أداء سميث فى هذا الفيلم أروع أدواره المهنية.
هناك مشهدان لا يمكن تجاهلهما فى الفيلم، مشهد الكلب ينبح فى وجه بيتر وهو راكع على ركبتيه وبدلا من أن ينكمش بيتر ويلف جسده النحيل خوفا من أنياب الكلب التى تكاد تطاله وتنهشه وجدناه يحملق وينظر بتركيز شديد إلى الكلب فى تحد معتمدا على إيمانه بالقدر، والمشهد الثانى حين يتساءل الضابط: هل الزنوج مقاتلون أم أنهم مهاجرون؟، وربما لم ينتظر الضابط الرد من بيتر الذى أصر على أن يقف ليجيب بحزم وفصاحة عن قدرته على القتال فيقول: أنا أقاتلهم يضربوننى يجلدوننى بالسياط، يعلقوننى بالحبال، يرموننى فى قعر بئر، يخرجوننى ويضربوننى من جديد وأقاتلهم من جديد، يحرقوننى ويكوون عنقى بالنار ويلسعون قدمى، يحطمون عظامى مرات ومرات أعجز عن إحصائها ولكنهم أبدا لن يستطيعوا كسرى وتحطيمى، هذان المشهدان رائعان ويحملان فى طياتهما كل ما يريد المخرج إلقاءه فى ذاكرة المشاهد، مشهدان يستحق سميث عنهما أوسكار جديدة.
"فاسل" شخص متمرس فى قتل العبيد الهاربين، ليقطع بعد ذلك رؤوسهم ويعلقها على أعمدة فى مكان عمل العبيد.
فاسل هذا ماتت أمه وهو صغير لتربيه الخادمة أو العبدة وتنشأ بينهما علاقة صداقة، وبسبب حبه لهذه المرأة يطلب من أبيه أن تشاركهما الطعام لكن الأب يرفض بشدة ويقول إذا شاركنا العبيد طعامنا، فيسرقون طعامنا ووظائفنا وأراضينا، ليخبره فاسل أنه كان يهرب لها الطعام من أسفل الباب حين تشعر بالجوع، يستدعيها الأب ويقوم بذبحها ويرميها فى الحقل لتتعفن، وليبدأ فاسل بحقده وكره للعبيد متأثراً بكلام الأب التحريضى، وتنتهى حياتها وهى تسأل عن سبب قتلها، قالت "لماذا" وماتت.
فى النهاية ينضم بيتر إلى الجيش، وتبدو لنا تسلسلات معركة ملحمية تفتقر إلى الحيوية وإحكام المعارك بين الأطراف المتحاربة بدلا من الاستسهال فى استخدام انفجارات تبدو ساذجة لعين المشاهد، يسرع فيلم "تحرر" نحو النهاية السعيدة المحبطة بعد ما يقرب من ساعتين هى مدة الفيلم.
يحتاج فيلم فوكو إلى المزيد من الإثارة ومكونات الحركة من أجل تدارك الإحساس ببعض الملل من تكرار أو تطويل بعض المشاهد.
فى النهاية هو فيلم يستحق الترشح لجائزة الأوسكار أحسن ممثل وأحسن إضاءة وأحسن تصوير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.
عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.
يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.
يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...