المقهى الدبلوماسي.. "يا حارثة.. عرفت فالزم"

عامل إيه النهاردة.. إزي الحال.. أخبارك إيه.. كيف أصبحت.. يومك كان عامل ازاي.. هذه الأسئلة وغيرها يتبادرها البعض حينما يلتقي احدهم الأخر.. وذلك من باب الاطمئنان على الأخر..

 

وتتفاوت الردود على هذه الأسئلة من شخص لأخر.. مثل.. الحمد لله.. بخير.. لسة عايشين.. بفضل ونعمة.. في احسن حال.. زي كل يوم.. عادي.. عامل كده.. أهه.. الحمد لله على كل حال.. أهي ماشية.. كويس.. تمام.. وغيرها من الردود التي تختلف بحسب حال صاحبها من الاستبشار إلى اليأس والقنوط.. من الرضا إلى الضيق والغضب.. الإيمان.. الثقة بالله.. الضعف والوهن.. وغير ذلك مما ينم عن حال صاحبه..

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عندما التقى الحارث بن مالك الأنصاري.. دار بينهما حوار مختلف كما جاء في نص الحديث الذي رواه الطبراني ..

عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : " كيف أصبحت يا حارثة ؟ " قال : أصبحت مؤمنا حقا . قال : " انظر ما تقول ; فإن لكل قول حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ " قال : عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . قال : " يا حارثة ، عرفت فالزم " ..

أرأيتم بماذا أجاب حارثة على النبي.. كلنا عندما نجيب على مثل هذا السؤال.. ننظر حالنا في الدنيا ونجيب.. ولكن حارثة نظر إلى حاله مع الله.. فكانت هذه إجابته.. ولهذا اختتم الحديث بقول النبي لحارثة.."عرفت فالزم".. نعم.. فقد ارتقى حارثة لدرجة من المعرفة لحقيقة الإيمان وعلاقته مع ربه.. لذا كان توجيه النبي له.. أنك ما دمت قد وصلت لهذه الحقيقة وادركت هذه المعرفة.. فالزم ..

فما هي هذه المعرفة التي توصل صاحبها لهذه الدرجة من العلو والارتقاء بل واليقين..

وفي هذه اللحظة أخرجتني تهنئة صديقي العزيز بالعام الجديد من عباءة المعرفة لأبادله التحية وأتمنى له عاما سعيدا إن شاء الله.. ولأنتبه لقهوتي الفرنسية التي أوشكت أن تبرد بين يدي .. فسارعت بأخذ رشفة .. ولأعود لمحراب المعرفة.. وأسأل نفسي ما هي تلك المعرفة التي عرفها حارثة..

ولأتذكر تعريف أهل العلم والفلاسفة والذين يقولون أن المَعرِفَة هي الإدراك والوعي وفهم الحقائق عن طريق العقل المجرد أو بطريقة اكتساب المعلومات بإجراء تجربة وتفسير نتائج التجربة أو تفسير خبر.. أو من خلال التأمل في طبيعة الأشياء وتأمل النفس أو من خلال الإطلاع على تجارب الآخرين وقراءة استنتاجاتهم.. فالمعرفة مرتبطة بالبديهة والبحث لاكتشاف المجهول وتطوير الذات وتطوير التقنيات..
أوهي الخبرات والمهارات المكتسبة من قبل شخص من خلال التجربة أو التعليم والفهم النظري أو العملي لموضوع.. أو هي مجموع ما هو معروف في مجال معين من الحقائق والمعلومات والوعي أو الخبرة التي اكتسبتها من الواقع أو من القراءة أو المناقشة..

وقيل أيضا ان البعد المعرفي لأي شيء يعني الكلية بمعنى الشمول والعموم ويعني النهائية بمعنى الغائية واقصى ما يمكن ان يبلغه الشئ..
وقيل أيضا ان العقل هو أصل المعرفة ومصدرها الوحيد.. ويرى البعض أنّ المعرفة يجب أن تقيّم خصائص النّاس أو ما يُعرف بالفضائل الفكريّة وليس فقط خصائص الفرضيّات والمواقف الذهنيّة المُقترفة..
والمعرفة أيضا هي جوهر الوجود الإنساني.. وهي غاية كل الرحلات الفكرية المرهقة والتقلبات الذهنية الحادة والتحولات القلبية التي تعصف بنا وتكاد أن تردينا، معرفتك بالله هي ما تجعلك مؤمنًا ومعرفتك بالله على نحو معين هي ما تجعلك تملك اعتقادًا دينيًّا محددًا دون سواه.. معرفتك بنفسك تجعلك أكثر راحة واطمئنانا وتجعلك إنسانا أكثر اتساقا مع ذاتك..
معرفتك بالعالم من حولك هي ما قد تصنع منك شخصا سطحيا أو مثقفًا واسع الاطلاع ..

ونظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا هي فرع الفلسفة الذي يهتم بتفكيك معطيات مسألة المعرفة..
وتختلف المدارس في قبول حقيقة المعرفة.. فالتجريبيون لا يقبلون إلا معرفة جاءت عن طريق الحواس..

فيما أن العقليين يقبلون المعرفة التي تجئ عن طريق العقل ولكنهم لا يرفضون ما تجيء به الحواس من معلومات إلا أنهم يعتبرونها معلومات لا يُقْطَع بيقينها؛ إذ تنقصها صفتا الضرورة والتعميم.

فيما ينظر فلاسفة وكتاب الغرب للمعرفة والإدراك بصورة مختلفة.. فنجد "ديكارت" صاحب "الشك الديكارتي" فهو لكي يبني فلسفته على أساس متين؛ قرر أن يشك في صدق معلوماته .. معتبرا ان الفكر هو حقيقة المعرفة والوجود.. فقال مقولته الشهيرة "أنا أفكر فأنا إذن موجود"..

فيما يعتبر دوستوفيسكي المعروف بكتاباته القاتمة الكئيبة أن المعرفة والإدراك علة المرء فيقول: " أقسم لكم بأغلظ الأيمان أن شدة الإدراك مرض".. ويتفق معه بشكل أو باخر الكاتب العدمي إيميل سيوران :"الوعي لعنة ومنفى.. والجهل وطن“..

وأيضا يرى الكاتب التشيكي اليهودي فرانس أو فرانز كافكا، رائد الكتابة الكابوسية الواقعيّة العجائبية الحداثية السوداوية والعبثية أن" اﻹفراط في الوعى أشد خطورة من اﻹفراط فى المخدرات"..

لهذا نعود على ذي بدء.. ونؤكد أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي أدركها حارثة وأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يلزمها..
جعلني الله وإياكم من الذين يدركون حقيقة الإيمان ويعرفونها حق المعرفة ..
وللحديث بقية..

لمزيد من المقالات

المقهى الدبلوماسي.. العفو يا صاحب العفو..

Katen Doe

حمودة كامل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الذهب لا يتحدث… لكنه يسبق الجميع

قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن تُعلن التحالفات الجديدة، تكون هناك جهة واحدة قد اتخذت قرارها...

"بين التميّز والإثارة" أين تقف البرامج الحوارية اليوم؟

سباق محموم بين منصات الإعلام على تحقيق أعلى نسب مشاهدة، وتحوّل الشاشات إلى ساحات مفتوحة للجدل والاستقطاب، أدى إلى دفع...

كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟

حين ننجذب دون وعي: كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟ لأن القلب لا يختار دائمًا بحرّية… بل بما اعتاد عليه.