تبدأ الحكاية من تفاصيل الحياة اليومية؛ أمّ تدير أسرتها وتساند أبناءها، وعاملة تساهم في الإنتاج، ومزارعة تحافظ على دورة الغذاء، ورائدة أعمال تحوّل مهارتها إلى مشروع. خلف كل دور من هذه الأدوار جهد يستحق التقدير، وفرصة يمكن أن تفتح بابًا جديدًا للمستقبل.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
ومن هنا تبرز قضية الأجر العادل والتمكين الاقتصادي للمرأة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز قدرة النساء على المشاركة في سوق العمل، والوصول إلى الموارد، وصناعة القرارات التي تمس حياتهن وأسرهن ومجتمعاتهن.
الموضوع يتجاوز قيمة الراتب إلى منظومة متكاملة من التعليم والتدريب، وتكافؤ الفرص، والحماية القانونية، ودعم المشروعات، وتوفير بيئة عمل تساعد المرأة على الاستمرار والتقدم.
المساواة في الأجر.. حق المرأة
تبدأ العدالة الاقتصادية من مكان العمل؛ من الوظيفة التي تحصل عليها المرأة، إلى المقابل الذي تتقاضاه، والفرص التي تُتاح لها للتطور. فمبدأ المساواة في الأجر عن العمل ذي القيمة المتساوية يعني أن المهارات والمسؤوليات وطبيعة العمل يجب أن تكون أساسًا للتقدير، بعيدًا عن التمييز.
وتتجاوز هذه القضية قيمة الراتب إلى الحق في التدريب المستمر، والوصول إلى المناصب القيادية، والحصول على فرص عادلة في التوظيف والترقي. فالمرأة التي تمتلك الخبرة والكفاءة تحتاج إلى بيئة عمل تتيح لها الاستفادة من قدراتها، وتمنحها مساحة حقيقية للتقدم.
كما يرتبط التمكين الاقتصادي بظروف الحياة اليومية؛ فمسؤوليات الأسرة ورعاية الأطفال وكبار السن قد تؤثر في قدرة المرأة على الاستمرار في العمل أو تطوير مهاراتها. ومن هنا تأتي أهمية السياسات التي تساعد على التوفيق بين الأسرة والعمل، وتدعم توزيع المسؤوليات بصورة أكثر توازنًا.
إن العدالة في الأجر والفرص تمثل أساسًا لبناء سوق عمل أكثر إنصافًا، وتفتح الطريق أمام مشاركة أوسع للمرأة في الإنتاج وصناعة القرار.
المرأة المصرية.. شريكة في الاقتصاد
في مصر، ترتبط قضية التمكين الاقتصادي للمرأة بحكايات يومية كثيرة؛ من صاحبة المشروع الصغير التي تبدأ من منزلها، إلى العاملة في المصنع، والموظفة التي تطور مهاراتها، والمزارعة التي تساهم في إنتاج الغذاء، والباحثة التي تختار مجالًا علميًا يحتاجه المستقبل.
لكل واحدة منهن طريق مختلف، لكن الهدف المشترك هو الحصول على فرصة تساعدها على استثمار قدراتها وتحقيق طموحاتها. وقد وضعت الدولة المصرية التمكين الاقتصادي للمرأة ضمن محاور الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، التي تتناول دعم المشاركة الاقتصادية، وريادة الأعمال، وتكافؤ الفرص، وتعزيز قدرة النساء على الوصول إلى الموارد والخدمات.
وتكتسب مشاركة المرأة في الاقتصاد أهمية تتجاوز حدود الدخل الشخصي؛ فهي ترتبط بقدرة الأسرة على مواجهة الاحتياجات، وبفرص الأبناء في التعليم، وبزيادة تنوع الخبرات داخل المؤسسات والمشروعات. وعندما تحصل المرأة على فرصة مناسبة، فإنها تضيف إلى الاقتصاد مهارة وخبرة وإنتاجًا، وتفتح أمام أسرتها مسارات جديدة للتقدم.
التشريعات المصرية.. حماية للمرأة العاملة
يمثل قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 أحد الأطر القانونية المهمة عند مناقشة حقوق المرأة في سوق العمل المصري. ويتضمن القانون أحكامًا تتعلق بحماية المرأة العاملة، وإجازة الوضع، والحماية من الفصل بسبب الحمل أو إجازة الوضع، إلى جانب تنظيم بعض الحقوق والالتزامات داخل بيئة العمل.
وتكمن أهمية هذه التشريعات في توفير قواعد واضحة تحكم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وتدعم حماية المرأة من الممارسات التي قد تعوق استمرارها المهني. كما أن وجود النص القانوني يفتح المجال أمام التوعية بالحقوق، وتطوير آليات الشكوى، ومتابعة مدى الالتزام بالتطبيق.
وتعمل وزارة العمل من خلال وحدة المساواة بين الجنسين والتمكين الاقتصادي للمرأة على دعم تكافؤ الفرص في التدريب والتشغيل، ومواجهة التمييز في مجال العمل، وتعزيز التوعية بحقوق المرأة العاملة.
وتظل الحماية القانونية أكثر فاعلية عندما تعرف المرأة حقوقها، وتدرك الجهات المعنية مسؤولياتها، وتتوافر قنوات واضحة للحصول على المساعدة والتظلم.
من المهارة إلى المشروع.. فرص للتمكين
قد تبدأ قصة اقتصادية ناجحة بمهارة بسيطة؛ تطريز تتقنه امرأة في قرية، أو منتج غذائي تصنعه أسرة، أو فكرة تجارية تطرحها شابة، أو مشروع رقمي يبدأ بإمكانات محدودة. لكن تحويل المهارة إلى مصدر دخل مستدام يحتاج إلى منظومة متكاملة من التدريب والتمويل والتسويق والإدارة.
وهنا تظهر أهمية البرامج التي تستهدف صاحبات المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتساعدهن على فهم احتياجات السوق، وتطوير المنتجات، وإدارة الموارد المالية، والوصول إلى العملاء. فنجاح المشروع لا يرتبط بامتلاك الفكرة وحدها، بل بالقدرة على الاستمرار والتوسع ومواجهة التحديات.
ومن النماذج التي يمكن الإشارة إليها في هذا المجال مشروع "مستورة" التابع لبنك ناصر الاجتماعي، الذي يستهدف دعم المرأة وتمويل مشروعات تساعدها على تحقيق دخل. كما يمثل جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر إحدى الجهات التي تقدم خدمات متنوعة لدعم المشروعات، تشمل التمويل والتدريب والمساعدة الفنية وفق البرامج المتاحة.
وتبرز كذلك أهمية الشمول المالي؛ فالمرأة التي تستطيع الوصول إلى الخدمات المصرفية، وتتعلم كيفية الادخار وإدارة الأموال، وتتعرف إلى أدوات التمويل، تصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية مدروسة.
أما المرأة الريفية، فتحتاج إلى برامج تراعي طبيعة حياتها واحتياجات مجتمعها، وتدعم المشروعات المرتبطة بالزراعة والصناعات الغذائية والحرف اليدوية والخدمات المحلية. فالتنمية المستدامة تزداد قوة عندما تصل فرص التمكين إلى المدن والقرى، وتراعي اختلاف المهارات والموارد والظروف.
التعليم والتكنولوجيا.. طريق جديد
تتغير طبيعة الوظائف مع اتساع الاقتصاد الرقمي وتطور التكنولوجيا، وهو ما يجعل التعلم المستمر عنصرًا أساسيًا في بناء المستقبل الاقتصادي للمرأة. فالمهارات الرقمية، والقدرة على التعامل مع البيانات، والتسويق الإلكتروني، وإدارة المشروعات عن بُعد، أصبحت أدوات يمكن أن توسع فرص العمل والإنتاج.
وتحتاج الفتيات والنساء إلى برامج تعليمية وتدريبية تربط المعرفة باحتياجات سوق العمل، وتمنحهن فرصة لتجربة المهارات وتطبيقها. كما أن تشجيع الفتيات على دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات يفتح أمامهن مجالات مهنية متنوعة، ويساعد على زيادة حضور المرأة في القطاعات التي تشكل جزءًا من اقتصاد المستقبل.
وتقدم التكنولوجيا كذلك فرصًا للنساء اللاتي يواجهن صعوبة في الانتقال اليومي إلى أماكن العمل، من خلال بعض أنماط العمل عن بُعد والعمل المرن، وفق طبيعة الوظيفة وضوابطها. لكن الاستفادة من هذه الفرص تحتاج إلى بنية رقمية مناسبة، وتدريب، وحماية للحقوق.
مستقبل أكثر إنصافًا.. مسؤولية مشتركة
إن بناء مستقبل اقتصادي مستدام للمرأة يحتاج إلى تعاون بين الحكومة والمؤسسات وأصحاب الأعمال والأسرة والمجتمع. فالتشريعات تضع القواعد، والبرامج توفر الأدوات، والتعليم يطور القدرات، بينما تساهم بيئة العمل في تحويل هذه العناصر إلى فرص حقيقية.
وتحتاج المؤسسات إلى سياسات واضحة للتوظيف والترقي وتقييم الأداء، تقوم على الكفاءة والخبرة وطبيعة المسؤوليات. كما تحتاج صاحبات المشروعات إلى خدمات تساعدهن على الوصول إلى الأسواق، وتحسين الإنتاج، وإدارة المخاطر، والاستفادة من التكنولوجيا.
وتظل الأسرة شريكًا أساسيًا في دعم المرأة، من خلال تشجيع التعليم والعمل، وتقدير طموحاتها، وتوزيع المسؤوليات بما يساعدها على الاستمرار والتقدم. أما المجتمع، فيمكنه أن يساهم في تغيير الصور النمطية عن المهن والأدوار الاقتصادية، وإبراز النماذج النسائية الناجحة في مختلف المجالات.
وتؤدي المرأة داخل الأسرة أدوارًا متعددة في الرعاية والتربية وإدارة المنزل، وهي مسؤوليات تحتاج إلى وقت وجهد ومهارات تنظيمية. والاعتراف بقيمة هذا الجهد يعني إدراك أثره في حياة الأسرة والاقتصاد، والعمل على توفير سياسات تساعد المرأة على التوفيق بين مسؤوليات الأسرة والعمل.
وفي النهاية، فإن الأجر العادل والفرصة الكاملة يمثلان أكثر من مطلبين اقتصاديين؛ إنهما جزء من رؤية أوسع للتنمية، تقوم على تقدير الإنسان وقدراته، وإتاحة المجال أمام كل فرد للمشاركة في بناء المستقبل.
فالمرأة التي تحصل على تعليم جيد، وفرصة عمل مناسبة، وأجر منصف، وحماية قانونية، ودعم لمشروعها، تمتلك أدوات أوسع للمشاركة في صناعة القرار وتحقيق طموحاتها. وكل خطوة في هذا الطريق تنعكس على الأسرة والمجتمع والاقتصاد.
المستقبل الأكثر إنصافًا يبدأ من فرصة حقيقية، ويستمر بالعمل والمعرفة والتشريعات التي تحمي الحقوق، وبإيمان المجتمع بأن تمكين المرأة استثمار في طاقة بشرية قادرة على الإسهام في التنمية المستدامة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تبدأ الحكاية من تفاصيل الحياة اليومية؛ أمّ تدير أسرتها وتساند أبناءها، وعاملة تساهم في الإنتاج، ومزارعة تحافظ على دورة الغذاء،...
قد يقول لك أحدهم فى لحظة عابرة: "أنت لا تعرف كيف تتعامل مع الناس"، فتمر الجملة وتنتهى المحادثة، لكنها لا...
بدأ اليوم العالمي لسلامة المرضى (World Patient Safety Day) رسميًا عام 2019. ويتم الاحتفال به سنويًا في 17 سبتمبر، وجاء...
إن الأساس الذي يبارك العلم وينمي ثمرته يكمن في التزام طالب العلم بالأخلاق الفاضلة مع معلِّمه الذي يمثل الجسر الذي...