حرصا على تعزيز لغة الحوار والتواصل والسلام بين الشعوب ونقل العلوم والآداب والفنون والتجارب الدولية.. تحتفل دول العالم في 30 سبتمبر من كل عام باليوم الدولي للترجمة، في مناسبة تسلط الضوء على واحدة من أقدم المهن التي أسهمت في انتقال المعرفة والثقافة والأدب والعلوم بين الحضارات، وتفتح نقاشا متجددا حول مستقبل المهنة وتحدياتها في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
التنوع اللغوي وحقوق اللغة
وقد اختار الاتحاد الدولي للمترجمين قضية التنوع اللغوي وحقوق اللغة، محورا للاحتفاء هذا العام تحت شعار "قوة الفهم المتبادل" للتركيز على دور الترجمة والترجمة الفورية والمصطلحات في حماية التنوع اللغوي ودعم حقوق الإنسان اللغوية. ويبرز موضوع هذا العام دور الترجمة والترجمة الشفوية والمصطلحات في ضمان حق الأفراد في الوصول إلى التعليم والمعلومات والعدالة والخدمات العامة باللغة التي يفهمونها، وحماية اللغات من التهميش والاندثار.
*مجرد أداة مساعدة
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الترجمة بفعل التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، أكد خبراء في الترجمة " أهمية حماية حقوق اللغة وتعزيز حضورها في التعليم والبحث العلمي والفضاء الرقمي، إلى جانب تطوير المترجم وتأهيله للتعامل مع التقنيات الجديدة، مؤكدين أن التكنولوجيا تمثل أداة مساعدة لا بديلًا عن الدور الإنساني والثقافي للمترجم".
وثمنوا أهمية دور المؤسسات التعليمية والثقافية والجوائز المعنية بالترجمة في حماية التنوع اللغوي، مثل جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، من خلال توفير الحوافز للمترجمين ونقل الأعمال الفكرية والأدبية بين اللغات، بما يثري اللغة المنقول إليها ويوسع دائرة انتشار الأعمال، ويشجع الناطقين باللغات المهمشة على إنتاج أعمال جديدة.
*بداية المناسبة
وترجع فكرة الاحتفال إلى تأسيس الاتحاد الدولي للمُترجمين عام 1953، الذي أطلق فِكرة الاحتفال باليوم الدَّولْيّ للترجمة مُنذ عام 1991، كمُناسبة لتحقيق التعاون والمنفعة المُشترَكة للمُترجمين حول العالم، وإحقاقاً لقيمة التَّرجمَة في حياتنا وأعمال المُترجمين.ثُم تجاوبت الجمعية العامّة للأُمم المُتحدة مع هذا الانطلاق وأعلنت اليوم المُوافق 30 من سبتمبر من كُل عام، بأنّه اليوم العالمي للترجمة واحتفلت بهِ للمرة الأولى في عام 2017.
وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 سبتمبر يومًا دوليًا للترجمة بموجب القرار 71/288 الصادر في 24 مايو 2017، تقديرًا لدور المتخصصين في اللغات في تقريب الدول، وتسهيل الحوار والتفاهم والتعاون، ودعم التنمية والسلام والأمن.
ويرتبط اختيار التاريخ بعيد القديس جيروم، مترجم الكتاب المقدس، الذي يُنظر إليه بوصفه شفيع المترجمين.
*من "ناقل للغة" إلى "صانع للمعنى"
الترجمة هي عملية نقل الكلِمات والنصوص من لغتها الأصلية التي كُتبت بها إلى لغة أُخرى، مع الحرص على نقل الكلِمات بطريقة صحيحة مُماثلة لمعانيها في النصوص الأصلية، حتى لا يحدُث أي تغيير في المعنى الأصلي.
ولم تعد الترجمة مجرد عملية لاستبدال كلمات بأخرى، وإنما أصبحت عملية معقدة تتطلب فهم السياق الثقافي والتاريخي والاجتماعي للنص، والقدرة على نقل المعنى والنبرة والمصطلحات بما يتناسب مع الجمهور المستهدف.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، يبدو أن مستقبل المهنة لن يتحدد فقط بقدرة المترجم على معرفة اللغات، وإنما بقدرته على الجمع بين اللغة والتخصص والتكنولوجيا.
فالمترجم الذي يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم يراجع مخرجاتها ويفهم حدودها ويضيف إليها خبرته البشرية، يمكن أن يتحول من منفذ لعملية ترجمة تقليدية إلى خبير في إدارة المعرفة اللغوية وصناعة المحتوى متعدد اللغات.
وتؤكد الأمم المتحدة أن العمل اللغوي، بمختلف أشكاله من ترجمة وتفسير ومصطلحات وتحرير، يمثل عنصرًا أساسيًا في التواصل الدولي، ونقل المعرفة، والحفاظ على وضوح الخطاب في المجالات السياسية والعلمية والثقافية.
ومن هنا تكتسب المهنة أهمية خاصة في عالم متعدد اللغات والثقافات، حيث أصبحت الترجمة جزءًا من حركة الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والإعلام والنشر والتكنولوجيا والعلاقات الدولية.
"الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
ومع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والترجمة الآلية، تواجه مهنة الترجمة تحولًا غير مسبوق.
فالأدوات الحديثة تستطيع إنتاج ترجمة أولية خلال ثوانٍ، والتعامل مع كميات ضخمة من النصوص، واقتراح المصطلحات، ومساعدة المترجم في مراجعة النصوص وتوحيد المفردات. ما يمكن أن يرفع الإنتاجية ويختصر الوقت والتكلفة في بعض أنواع الترجمة.
لكن هذا التطور يطرح في المقابل أسئلة تتعلق بالدقة، والسياق، والخصوصية، وحقوق الملكية الفكرية، وجودة المخرجات، خاصة في النصوص الأدبية والقانونية والطبية والسياسية والتخصصية.
وتشير تجارب المؤسسات الدولية في مجال الترجمة إلى أن التطور التكنولوجي يدفع المهنة بصورة متزايدة نحو التركيز على جودة الترجمة والوعي المعرفي والثقافي، وليس مجرد إنتاج أكبر عدد من النصوص.
*تحديات مهنة الترجمة في عصر التحول الرقمي
تواجه مهنة الترجمة في عصر التحول الرقمي تحديات كبرى أبرزها :
-المنافسة مع الذكاء الاصطناعي والحاجة الماسة لضمان الدقة الثقافية والسياقية حيث أصبحت أنظمة الترجمة الآلية قادرة على تقديم نصوص سريعة ورخيصة، مما يهدد بتقليص حجم الطلب على المترجمين البشريين في المهام البسيطة.
-ضعف السياق الثقافي والعاطفي: تعجز الآلة غالباً عن إدراك التعابير المجازية، الدلالات العميقة، والمشاعر الإنسانية، خصوصاً في اللغات الغنية بالمعاني كالغة العربية.
-ندرة البيانات العربية: يواجه المحتوى العربي تحديات إضافية بسبب قلة البيانات الرقمية المتاحة مقارنة باللغات الأخرى، مما يؤثر على كفاءة خوارزميات الترجمة الآلية.
ومن أبرز المترجمين العرب:عبد الله بن المقفع ؛ حُنين بن إسحق ؛ثابت بن قرة؛سامي الدروبي ؛ صالح علماني ومنير البعلبكي.
-الحاجة للكفاءة التقنية: بات لزاماً على المترجم إتقان أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب (CAT tools) وتطبيقات النسخ والتدقيق الرقمي، مما يفرض عبئاً إضافياً للتعلم المستمر.
-تحدي الجودة والمراجعة: تحول دور المترجم في كثير من الأحيان من "منتج للنص" إلى "مصحح ومراجع" لمخرجات الذكاء الاصطناعي، وهي عملية قد تستهلك وقتاً وجهداً لضمان خلو النص من الأخطاء الفادحة.
-حماية حقوق الملكية الفكرية للنصوص المستخدمة في تدريب الأنظمة الذكية.
-حماية سرية البيانات عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في ترجمة وثائق حساسة.
+التمييز بين الترجمة الآلية الخام والترجمة الاحترافية التي تخضع للمراجعة البشرية.-الحفاظ على البعد الثقافي والإبداعي للترجمة، خصوصًا في الأدب والفنون.وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد منافس محتمل إلى أداة تفرض على المترجم إعادة تعريف دوره ومهاراته.
وقد أكدت منظمة الإيسيسكو، في تناولها لليوم الدولي للترجمة، أن التحدي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بكمية النصوص، وإنما بجودة الترجمة والأبعاد الفكرية والمعرفية التي يضيفها المترجم.
*هل يستبدل الذكاء الاصطناعي المترجم؟
السؤال الذي يفرض نفسه مع كل تطور جديد في أدوات الترجمة هو: هل يصبح المترجم البشري جزءًا من الماضي؟
المؤشرات الحالية تفتح سيناريو مختلفًا؛ إذ تتجه المهنة إلى نموذج يجمع بين الخبرة البشرية والأدوات الرقمية. فالآلة يمكنها التعامل بسرعة مع النصوص المتكررة والبيانات الضخمة، بينما تظل المهارات البشرية أكثر أهمية في فهم الإيحاءات والسياقات الثقافية، واختيار التعبير المناسب، والتعامل مع الغموض، ومراجعة الأخطاء، واتخاذ القرارات التي تتطلب معرفة متخصصة.
وتزداد أهمية هذه المهارات في الترجمة الأدبية، حيث لا يكفي نقل المعنى الحرفي، وإنما يحتاج المترجم إلى إعادة إنتاج روح النص وأسلوبه وإيقاعه وصوره البلاغية.
*مصر تحتفي بالترجمة وروادها
وفي مصر، تشهد احتفالات عام 2026 عددًا من الفعاليات الثقافية التي تركز على المترجمين ومسيرة المهنة وتحدياتها، حيث نظم المركز القومي للترجمة احتفالية بعنوان «رواد الترجمة.. تواصل أجيال» الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، بقاعة طه حسين بمقر المركز في دار الأوبرا المصرية، بمشاركة الدكتورة نادية جمال الدين والدكتور مرسي عواد، لمناقشة مسيرة الترجمة وروادها والتواصل بين الأجيال.
وتأتي الفعالية في إطار اهتمام وزارة الثقافة بدعم حركة الترجمة وتعزيز دورها كجسر بين الثقافات والحضارات.
كما تستضيف مكتبة مصر الجديدة العامة احتفالية باليوم الدولي للترجمة، تتضمن نقاشًا مفتوحًا حول أبرز المشكلات والتحديات التي تواجه الترجمة والتحرير في العصر الحالي، وبمشاركة عدد من المتخصصين في المجال، بالإضافة إلى فعاليات ومؤتمرات افتراضية عبر الإنترنت مثل مؤتمر مؤسسة ترجمان العرب.
وتعكس هذه الفعاليات اهتمامًا مصريًا مستمرًا بالترجمة باعتبارها أحد مسارات نقل المعرفة والانفتاح على الثقافات المختلفة، إلى جانب الاحتفاء بالأجيال التي أسهمت في تطوير حركة الترجمة في مصر.
*اختبار التطور المهني
وفي اليوم الدولي للترجمة، لا تبدو القضية مجرد منافسة بين الإنسان والآلة، وإنما اختبارًا لقدرة المهنة على التطور مع التكنولوجيا، مع الحفاظ على جوهرها الأساسي: نقل المعنى من ثقافة إلى أخرى دون فقدان روح النص وسياقه الإنساني.
**وهكذا تظل الترجمة، رغم التحولات التقنية، واحدة من أهم أدوات الحوار بين الشعوب؛ فيما يفرض عصر الذكاء الاصطناعي على المترجمين والمؤسسات الثقافية والتعليمية تطوير أدوات جديدة تضمن أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتطوير المهنة، لا سببًا في فقدان قيمتها الإنسانية والثقافية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
حرصا على تعزيز لغة الحوار والتواصل والسلام بين الشعوب ونقل العلوم والآداب والفنون والتجارب الدولية.. تحتفل دول العالم في 30...
في كشف أثري جديد بمنطقة الواحات يتميز بتخطيطه المعماري الفريد وما يحمله من نقوش ونصوص جنائزية نادرة... أعلنت البعثة المصرية...
باسم النجمة الكبيرة الراحلة سناء جميل.. وبمشاركة 13 عرضًا مسرحيًا عربيا ودوليا.. تنطلق اليوم الجمعة، فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان...
حتى تصبح حقوق الإنسان للأشخاص الصم واقعًا معاشًا في شتى مجالات الحياة.. ومن أجل تعزيز الاعتراف بلغات الإشارة الوطنية.. تحتفل...