يستعيد المصريون هذه الأيام ذكرى انطلاق التليفزيون المصري أو بالأحرى التليفزيون العربي الذي انشأ في الحادي والعشرين من يوليو عام 1960.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
ذلك الحدث الذي كان إعلانا عن ميلاد مؤسسة وطنية تنويرية حملت على عاتقها مسؤولية تشكيل الوعي الجمعي، وحفظ الهوية الثقافية، ونقل صورة مصر إلى العالم العربي والخارجي !
وبينما يشهد العالم تحولات غير مسبوقة في صناعة الإعلام، ويعيش الجمهور وسط طوفان من المعلومات وتدفق الأخبار عبر المنصات الرقمية، تبرز الحاجة إلى إعادة بلورة مفهوم إعلام الخدمة العامة (Public Service Media - PSM) باعتباره أحد أهم الضمانات لحماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية، وترسيخ قيم المواطنة والدولة الحديثة !
لقد تأسس التليفزيون المصري في الأصل على فلسفة الخدمة العامة، قبل أن تصبح هذه الفلسفة مفهوما مؤسسيا تتبناه العديد من دول العالم حتى الدول التي منحت صناعة الإعلام للقطاع الخاص لم تستغني عن وجود إعلام الخدمة العامة ففي المملكة المتحدة مثلا هناك ( local) BBC التي تهتم بالشأن الداخلي وفي الولايات المتحدة توجد مكاتب الشؤون العامة حيت تمتلك كل وزارة أو وكالة حكومية فيدرالية مكتبا خاصا بالشؤون العامة (Public Affairs) يتولى التواصل مع وسائل الإعلام التي يمتلكها جميعا القطاع الخاص. إن إعلام الخدمة العامة لا يقاس بارتفاع نسب المشاهدة فقط، وإنما بمدى تأثيره الإيجابي في المجتمع، وقدرته على خدمة المواطن بوصفه صاحب الحق الأول في أن يَعلم ويُعلم عنه.
وتتمثل أولى وظائف إعلام الخدمة العامة في تعزيز الديمقراطية والمشاركة وتحمل المسئولية المجتمعية وتقديم معلومات دقيقة وموثقة تساعد المواطن على تكوين رأي مستنير تجاه القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن الإثارة أو التضليل.
كما يرسخ ثقافة الشفافية من خلال المتابعة المهنية لأداء المؤسسات العامة، ويفتح المجال لحوار وطني متوازن يشارك فيه الجميع دون إقصاء أو احتكار للرأي.
ولا يقل دوره أهمية في الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية. ففي زمن العولمة والمنصات العابرة للحدود، يصبح الإعلام الوطني مسؤولا عن صون اللغة العربية، وإبراز التراث المصري، وتشجيع الإنتاج الثقافي والفني الذي يعكس شخصية المجتمع وقيمه !
كما يمنح مساحة للتنوع الثقافي والاجتماعي، ويقدم صورة متوازنة لجميع فئات المجتمع، بما فيها الفئات الأقل حضورا في وسائل الإعلام التجارية ومن أبرز أدواره أيضا التعليم والتوعية. إن إعلام الخدمة العامة لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يسهم في بناء الإنسان من خلال البرامج الوثائقية، والتحليلات المتخصصة، والحملات الصحية، والمحتوى العلمي والثقافي، بما يرفع مستوى الوعي العام ويعزز الثقافة المجتمعية وبالتالي يجب أن يقدم هذا المحتوى بقدر كبير من الابداع المبتكر والتجديد الدائم !
وتتضاعف أهمية هذا النوع من الإعلام في أوقات الأزمات والكوارث والحروب حين تتعرض الدول لمخاطر صحية أو أمنية أو طبيعية، ويصبح الإعلام الوطني مصدرا رئيسيا للمعلومات الدقيقة والسريعة ويلتف الجمهور حول شاشاته واذاعاته ومنصاته بما يمنع انتشار الشائعات ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع وقد أثبتت التجارب العالمية أن وسائل إعلام الخدمة العامة كانت الأكثر قدرة على إدارة الاتصال الجماهيري في أوقات الأزمات !
وفي عصر الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، تبرز وظيفة أخرى لا تقل أهمية، وهي مواجهة التضليل الإعلامي. حيث إن انتشار الأخبار الكاذبة والمحتوى المفبرك يفرض وجود مؤسسة إعلامية تحظى بالمصداقية، وتلتزم بأعلى المعايير والقيم المهنية في التحقق من المعلومات، بعيدا عن الضغوط السياسية أو المصالح التجارية لا سيما مع وجود الإعلام الاجتماعي أو Social Media الذي لا تحكمه المعايير المهنية والضوابط القانونية ! إن معركة المستقبل لن تكون فقط صراعا على امتلاك المعلومة، بل على امتلاك الحقيقة كما يؤدي إعلام الخدمة العامة دورا اجتماعيا لا تهتم وسائل الإعلام التجارية بالقيام به وحدها وهو تسليط الضوء على قضايا الفئات المهمشة، ومنح مساحة لذوي الاحتياجات الخاصة، والفقراء، وسكان المناطق النائية، وكل من لا يجد صوتا في الإعلام الخاص الذي يفضل الاهتمام بالفنون والرياضة واشكال الترفيه !
كما يقدم محتوى يوازن بين الترفيه الهادف والرسالة التثقيفية، مقاوما هيمنة المحتوى السطحي الذي تفرضه أحيانا اعتبارات سوق الدعاية والإعلان .
ورغم هذه الأهمية، فإن إعلام الخدمة العامة يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الضغوط المالية، والتطورات التكنولوجية المتسارعة، والمنافسة الشرسة مع المنصات الرقمية العالمية. ولذلك فإن الحفاظ على دوره يتطلب رؤية مؤسسية حديثة، وتمويلا مستقرا، واستقلالية مهنية، واستثمارا حقيقيا في العنصر البشري والتكنولوجيا، حتى يظل قادرا على أداء رسالته في العصر الرقمي.
إن الاحتفال بعيد ميلاد التليفزيون المصري فرصة لإطلاق حوار مجتمعي - كما وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي - حول مستقبل إعلام الخدمة العامة في مصر. والمطلوب ليس مجرد تحديث الأجهزة أو الاستوديوهات، وإنما تجديد الرؤى التي يقوم عليها الإعلام الوطني، ليصبح أكثر قربا من المواطن، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر تأثيرا في تشكيل الوعي.
لقد كان التليفزيون المصري، على امتداد عقود، مدرسة مهنية صنعت أجيالا من الإعلاميين وأسهمت في تشكيل الوجدان العربي.
واليوم، وهو يطفئ شمعة جديدة من عمره، فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه لهذه المؤسسة العريقة هي إعادة ترسيخ مفهوم إعلام الخدمة العامة بوصفه ركيزة للدولة الحديثة، وحارسا للهوية الوطنية، وشريكا في التنمية، ومنبرا يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
كل عام وكل الاعلاميين بخير ...
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يستعيد المصريون هذه الأيام ذكرى انطلاق التليفزيون المصري أو بالأحرى التليفزيون العربي الذي انشأ في الحادي والعشرين من يوليو عام...
للإيمان أثر عميق في تشكيل وجدان الإنسان واتجاهاته وسلوكه اليومي؛ فهو يمنح كثيرا من الناس لغة أخلاقية يفهمون بها معنى...
في عالم الشرق الأدنى القديم، كانت الآلهة غالبا مرتبطة بقوة واحدة واضحة: إله للحرب، أو للخصوبة، أو للموت، أو للسماء،...
حين يطرح اسم مصر داخل أروقة الأمم المتحدة في مناقشات التنمية المستدامة، لم يعد ينظر إليها بوصفها دولة تعرض رؤيتها...