في عالم تتوالى فيه مشاهد القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، لم يعد السؤال عن جدوى القانون الدولي سؤالا نظريا يخص قاعات الدرس وحدها، بل صار سؤالا يخرج من قلب المشهد الإنساني نفسه. ما قيمة القانون الدولي إذا كانت هذه الانتهاكات تقع على هذا النحو؟ وما جدوى القانون الدولي الإنساني إذا كان الضعفاء لا يجدون الحماية دائما، وإذا بدت النصوص أبطأ من النيران، وأضعف من منطق القوة؟ بل إن بعض طلاب القانون، وبعض الأصوات الأكاديمية، لم يعودوا يتوقفون عند حدود التساؤل عن الفاعلية، وإنما اندفعوا إلى ما هو أبعد: هل بقي لهذه المنظومة معنى حقيقي، أم أنها تحولت إلى لغة رفيعة تستدعى في الخطاب وتغيب عند الامتحان الأصعب؟
المستشار/ حسام الدين علاممؤسس مبادرة القانون وبناء السلام
هذه الأسئلة ليست متعجلة بطبيعتها، ولا يجوز التعامل معها بتعال أو ببرود تجريدي. إنها أسئلة ولدها واقع موجع، وصاغتها خيبات متراكمة، وأعادها إلى السطح مشهد دولي يبدو فيه أحيانا أن الانتهاك أسرع من المساءلة، وأن الجريمة أعلى صوتا من القاعدة. غير أن اللحظة التي يشتد فيها الألم ليست هي اللحظة المناسبة لإصدار أحكام نهائية على القانون نفسه من غير تمييز دقيق بين وجود القاعدة واحترامها، وبين قيمة القانون وحدود إنفاذه، وبين ضعف الامتثال وبين سقوط المنظومة من أصلها. ومن هنا، فإن النقاش الرصين لا يبدأ من الاستسلام للإحباط، بل من إعادة ترتيب الأسئلة على نحو أكثر علما واتزانا.
القانون قاعدة ملزمة، لا رغبة أخلاقية مجردة قبل أن نحاكم القانون الدولي على مستوى فاعليته، ينبغي أن نعود خطوة إلى الوراء ونسأل: ما القانون أصلا؟القانون، في معناه العام، ليس مجرد نصوص منثورة أو دعوات إلى ما ينبغي أن يكون، بل هو مجموعة من القواعد العامة والمجردة التي تنظم السلوك داخل المجتمع، وتحدد الحقوق والواجبات، وتبين ما يجوز وما لا يجوز، وترتبط في النهاية بجزاء يترتب على مخالفتها.
وهذه الصفة الإلزامية هي التي تميز القاعدة القانونية عن النصيحة الأخلاقية أو التوصية الاجتماعية. فالقانون لا يكتفي بأن يقول للناس ما هو حسن أو مرغوب، بل يربط المخالفة بأثر قانوني: عقوبة، أو بطلان، أو تعويض، أو مسؤولية، أو غير ذلك من صور الجزاء التي تجعل القاعدة أكثر من مجرد أمنية أخلاقية. أما القانون الدولي العام، فهو ذلك الفرع من القانون الذي ينظم العلاقات بين أشخاص المجتمع الدولي، وفي مقدمتهم الدول والمنظمات الدولية، ويحدد ما لها من حقوق وما عليها من التزامات، في السلم والحرب، وفي التعاون والنزاع، وفي الاقتصاد والبيئة وحقوق الإنسان وغيرها.
ومعنى ذلك أن القانون الدولي ليس خطبة أخلاقية موجهة إلى العالم، بل إطار قانوني ينظم حياة المجتمع الدولي ويضبط تفاعلاته، حتى في غياب سلطة مركزية عليا تماثل الدولة داخل الإقليم الوطني. وفي داخل هذا البناء الأوسع، يبرز القانون الدولي الإنساني بوصفه الفرع الذي ينظم النزاعات المسلحة ويهدف، لأسباب إنسانية، إلى الحد من آثارها. فهو لا يقوم على افتراض عالم خال من الحروب، بل على محاولة الحد من همجية الحرب حين تقع.
إنه يسعى إلى حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، أو الذين كفوا عن المشاركة فيها، ويفرض قيودا على وسائل الحرب وأساليبها. وهذه النقطة بالذات أساسية؛ لأن من يحاكم القانون الدولي الإنساني أحيانا كما لو كان وعدا بإلغاء الحرب يحمله ما لا يدعيه أصلا. وظيفته ليست أن يمنع كل نزاع، بل أن يمنع أن تتحول الحرب إلى فضاء منفلت من كل قيد.
الخطأ في التطبيق لا يعني فساد النظرية هنا تكمن المغالطة المركزية في كثير من الأحكام المتعجلة على القانون الدولي: نرى الخرق، فنحكم على القاعدة نفسها بالعدم. وهذه مغالطة شديدة التأثير؛ لأنها تنقلنا من ملاحظة فشل في الامتثال أو الإنفاذ إلى استنتاج سقوط المنظومة ذاتها. والحقيقة أن الخطأ في التطبيق لا يعني بالضرورة فساد النظرية. فوجود السرقات لا يبطل قيمة التجريم، ووقوع القتل لا يجعل القانون الجنائي بلا معنى، وفساد بعض الممارسات لا ينسف فكرة العدالة في أصلها. وبالمنطق نفسه، فإن كثرة انتهاكات القانون الدولي لا تعني سقوط القانون الدولي، بل تعني أولا أن هناك قواعد قائمة جرى خرقها. فالانتهاك لا يتصور من الأصل إلا إذا وجد معيار سابق يميز بين المشروع وغير المشروع. ومن هنا، فإن تكرار الحديث عن العدوان، وجرائم الحرب، والانتهاكات الجسيمة، والمسؤولية الدولية، لا يدل على فراغ معياري، بل يدل على وجود قواعد قانونية حاكمة يقاس إليها السلوك ويحكم عليه في ضوئها. ولهذا فإن المشكلة الحقيقية لا تبدأ من غياب القانون، بل من ضعف الامتثال له، أو من قصور الإنفاذ، أو من اختلال موازين القوة السياسية التي تعيق المساءلة في بعض الأحيان. والخلط بين هذه المستويات هو الذي يدفع بعض الناس إلى استنتاجات نهائية في غير موضعها. فحين يفشل بعض الفاعلين في احترام القانون، لا يكون الاستنتاج الصحيح أن القانون لا قيمة له، بل أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان احترامه، وتقوية أدوات تطبيقه، وتوسيع دوائر المساءلة، وبناء إرادة سياسية ومؤسسية أكثر قدرة على حماية القاعدة من أن تبقى مجرد نص معلن لا أثر له. إننا، ببساطة، لا نكون أمام دليل على موت القانون، بل أمام دليل على الحاجة إليه.
القيمة العملية للقانون الدولي في حياة العالم اليومية من أضعف الحجج في هذا الباب تلك التي تقصر النظر على لحظات الانتهاك الصارخة وتغفل آلاف صور الانتظام اليومي التي لا يلتفت إليها أحد لأنها صارت مألوفة. فلو كان القانون الدولي بلا فائدة فعلا، لما أمكن تفسير انتظام هذا القدر الهائل من العلاقات الدولية في كل يوم. العالم الحديث لا يعمل بالقوة وحدها، بل يعمل أيضا بقواعد مشتركة تنظم التجارة، والطيران، والملاحة، والبريد، والاتصالات، والتعاون الصحي والبيئي والإنساني، وحركة المعاهدات، وتسوية المنازعات، وإدارة العلاقات بين الدول والمؤسسات الدولية. هذه ليست تفاصيل فنية هامشية، بل هي جزء من الهيكل الذي يجعل العالم قابلا للحياة والتنسيق والاستمرار. والناس قد لا يفكرون يوميا في القانون الدولي وهم يستفيدون من البريد الدولي، أو من السفر الجوي الآمن نسبيا، أو من انتظام أطر التجارة، أو من قواعد الملاحة، لكن اعتيادهم لهذه الثمار لا يعني أن القانون غائب، بل يعني أنه يعمل إلى درجة أن أثره أصبح مألوفا. والأدبيات الأكاديمية المعاصرة لا تذهب إلى أن الدول تمتثل دائما، لكنها كذلك لا تذهب إلى أن القانون الدولي بلا أثر. بل تشير إلى نتيجة أكثر نضجا واتزانا: أن القانون الدولي يقيد سلوك الدول بدرجات متفاوتة، وأن الامتثال له يحدث كثيرا، وإن لم يكن كاملا أو متساويا في كل الملفات. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن وعي الجمهور يتغذى عادة على لحظات الخرق الفاضح، بينما تبقى صور الامتثال اليومية الواسعة خارج دائرة الضوء. غير أن غياب الضوء لا يعني غياب الأثر.
القانون الدولي الإنساني لا يسقط لأن الانتهاكات كثرت يبدو الاعتراض هنا أكثر مرارة، لأنه يتصل مباشرة بمشاهد الحرب والدمار. ما قيمة قانون إنساني ترتكب أمامه المجازر؟والجواب الصريح أن القانون الدولي الإنساني لا يفقد ضرورته لأن بعض الأطراف تنتهكه، بل تظهر ضرورته على نحو أشد حين يتعرض الإنسان للخطر. فاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 أصبحت ذات تصديق عالمي شامل من جميع الدول، وهذا وحده تعبير بالغ الدلالة عن اعتراف عالمي بأن الحرب، مهما اشتدت، لا يجوز أن تترك بلا قواعد. ومن دون هذه القواعد، لا يعود ممكنا قانونا أن نقول إن استهداف المدنيين جريمة، أو إن التعذيب محظور، أو إن التجويع الجماعي والعقاب الجماعي أفعال غير مشروعة، أو إن العاملين الطبيين وفرق الإغاثة والجرحى والمرضى والأسرى يتمتعون بحماية خاصة. ومن دون هذا الإطار، ينهار الحد الأدنى من اللغة القانونية المشتركة التي تسمح بالتوثيق، والمطالبة بالإغاثة، وبناء ملفات المساءلة، وإسناد الضحايا بمعيار يتجاوز الصدمة إلى الحجة. ولهذا فإن بقاء القانون الدولي الإنساني ليس ترفا نظريا، بل ضرورة عملية وأخلاقية وقانونية معا. صحيح أنه لا يمنع كل جريمة، لكنه يمنع أن تصبح الجريمة أمرا غير قابل للتسمية، ويمنع أن يصبح الضحايا بلا لغة قانونية تدافع عنهم، ويمنع أن تختزل الحرب في كونها مجرد ساحة لا يحكمها إلا ميزان القوة المجردة.
لماذا تحرص الدول على الظهور بمظهر الملتزم بالقانون؟ هذه من أقوى الحجج ضد فكرة أن القانون الدولي عديم الفائدة. فالدول، حتى حين تتهم بخرقه، لا تتصرف عادة كما لو أنه بلا معنى. لا تقول في الغالب: نحن نفعل ما نشاء لأن القانون لا يهم. بل تقول: ما فعلناه مشروع، أو دفاع عن النفس، أو متفق مع القانون، أو خارج نطاق الحظر، أو مبرر استثنائيا. وهذا وحده يكشف أن القانون الدولي ما زال معيارا حاضرا في حسابات الدول، وأن وصف السلوك بأنه غير مشروع يظل أمرا تخشى كثير من الدول آثاره السياسية والمعنوية. والأدبيات الحديثة تفسر ذلك بوضوح: الدول تحسب حساب السمعة، والمعاملة بالمثل، والجزاءات المباشرة وغير المباشرة، وتأثير صورتها على علاقاتها وتحالفاتها ومكانتها. والدولة التي تعرف باحترام القانون الدولي تكتسب صورة أفضل في نظر الدول الجادة والمؤسسات الدولية التي تجعل احترام القانون معيارا للموثوقية والاستقرار والتحضر السياسي.
وعلى العكس، فإن الدولة التي يترسخ عنها الاستخفاف بالقانون الدولي تلحق بسمعتها أضرارا سياسية واعتبارية قد لا تقل أثرا عن بعض الخسائر المادية المباشرة.
ولهذا فإن احترام القانون الدولي لا يرفع فقط القيمة الأخلاقية للدولة، بل يعزز مكانتها ويقوي شرعيتها، بينما يضعف انتهاكه صورتها ويجعلها أكثر تعرضا للعزلة والشك والضغط.
لماذا ما زلنا بحاجة إلى دارسين أقوياء وممارسين كبار في هذا الحقل؟ لأن اللحظة التي تتكاثر فيها الانتهاكات ليست لحظة الانصراف عن القانون، بل لحظة التمسك به بإتقان أكبر. العالم لا يحتاج اليوم إلى عدد أقل من دارسي القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، بل إلى عدد أكبر من الباحثين الجادين، والمحامين المؤهلين، والدبلوماسيين القادرين على التفاوض، والقضاة البارعين، والعاملين في التوثيق والإغاثة، وكل من يستطيع أن يحول النصوص إلى حجج، والوقائع إلى ملفات، والانتهاكات إلى مطالبات قانونية مؤسسة. فالقانون لا يعمل وحده. يحتاج إلى عقول تفهمه جيدا، وتعرف حدوده، وتعرف كذلك كيف تفعله داخل الجامعات، والمحاكم، والمنظمات، والمؤسسات، والفضاءات التفاوضية والإعلامية.
ولهذا فإن دراسة القانون الدولي ليست ترفا فكريا، ودراسة القانون الدولي الإنساني ليست تخصصا هامشيا. إنهما من أكثر الحقول إلحاحا في هذا الزمن، لأن عالمنا لم يعد بسيطا؛ بل صار عالما تتداخل فيه الحرب بالإعلام، والسياسة بالقانون، والحقوق بالمصالح، والسرديات بالوقائع.
والطالب الذي يتفوق في هذا الحقل لا يتعلم نصوصا ومصطلحات فقط، بل يتعلم كيف يميز بين الادعاء والحجة، وبين الانفعال والتحليل، وبين الصدمة المشروعة والحكم القانوني الرصين. وهذا بالضبط ما يحتاجه العالم الآن أكثر من أي وقت مضى.
خاتمة ليس صحيحا أن القانون الدولي يفقد قيمته كلما كثرت مخالفته. الصحيح أن قيمته تظهر على نحو أشد كلما احتاج العالم إلى قاعدة تضبط القوة، ومعيار يميز بين المشروع وغير المشروع، ولغة قانونية تسمح بتسمية الجريمة باسمها، وبحماية الضحية، وبمنع الاستسلام الكامل لمنطق الغلبة. فالانتهاك لا يثبت موت القانون، بل يثبت أن هناك قانونا جرى خرقه، وأن الإنسانية ما زالت في حاجة إلى من يدافع عن بقائه وفاعليته وكرامته.
ولهذا فإن اليأس من القانون الدولي، مهما بدا مفهوما تحت ضغط المشاهد القاسية، لا يقدم حلا، بل يفتح الباب لفوضى أوسع، وعنف أقل انضباطا، وعالم أقل عدلا. ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تبقى واضحة وحاسمة هي أن القانون الدولي لا يمكن أن يفقد قيمته ما دام العالم يحتاج إلى تنظيم للعلاقات بين الدول، وما دام الإنسان يحتاج إلى حد أدنى من الحماية حين تنهار السياسة أو تتوحش الحرب.
وما نحتاجه اليوم ليس الانصراف عنه، بل مزيدًا من الإيمان العلمي الجاد به، ومزيدًا من الطلاب والممارسين الذين يتقنونه، ويحسنون الدفاع عنه، ويعرفون كيف يجعلون من النصوص أدوات حماية لا مجرد عبارات في الكتب.
فالعالم سيظل بحاجة إلى القانون ما دام فيه نزاع، وستظل الإنسانية بحاجة إلى من يتميزون في هذا الحقل ما دام فيها من يريد أن يجعل القوة منضبطة بالحق، وأن يجعل الحق مسنودًا بالعقل، وأن يجعل الإنسان، حتى في أوقات الخطر، جديرًا بالحماية لا بالنسيان.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد العمل التطوعي البيئي خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا للفتيات الشابات، سواء في حملات التوعية أو المبادرات المجتمعية أو الأنشطة...
في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تصنع أحيان بالضجيج، خرج شاب بسيط من قرية مصرية صغيرة ليؤكد أن الطريق الحقيقي إلى...
في عالم تتوالى فيه مشاهد القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، لم يعد السؤال عن جدوى القانون الدولي سؤالا نظريا يخص...
من السلوك اليومي تبدأ رحلة حماية البيئة؛ من قطرة ماء يجري ترشيدها، وضوء يُطفأ في وقته، ومخلفات منزلية تُمنح حياة...