لم تعد البيئة شأنًا يخص الخبراء وحدهم، لأن أثرها يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في كل بيت وشارع ومنشأة، ويظهر في الماء الذي نشربه، والهواء الذي نتنفسه، والطاقة التي نستهلكها، والمخلفات التي ننتجها.
المستشار حسام الدين علاممؤسس مبادرة القانون وبناء السلامعضو الجمعية المصرية للقانون الدولي
وحين تتحدث الدولة المصرية اليوم عن الاقتصاد الدائري ((Circular Economy))، وإدارة المخلفات، وحماية الموارد الطبيعية، والطاقة المتجددة، فهي لا تتحدث عن ملف جانبي، بل عن ركيزة من ركائز الصحة العامة، وجودة الحياة، وأمن المجتمع، وحق الأجيال القادمة.
ومن هنا تبرز أهمية هذا الموضوع: أن يعرف كل مواطن أن حماية البيئة ليست مجرد سلوك محمود، بل حق دستوري، وواجب وطني، ومسار تنموي واضح تعمل الدولة المصرية على تطويره، وتدعمه التشريعات الوطنية، وتؤكده التوجهات الدولية الحديثة.
وقد بدا هذا التوجه واضحًا في المشاركة المصرية الأخيرة في معرض ومؤتمر آي فات ميونيخ 2026 ((IFAT Munich 2026))، بوصفه من أهم المنصات العالمية في إدارة المخلفات وإعادة التدوير والحلول البيئية المستدامة، حيث عرضت الدولة المصرية مساراتها نحو استعادة الموارد وجذب الاستثمارات البيئية.
الدستور والقانون: أين تبدأ الحماية البيئية في الدولة المصرية؟ تبدأ الحماية البيئية في مصر من الدستور نفسه. فقد نصت المادة (٤٦) على أن: "لكل شخص الحق فى بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني. وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يكفل تحقيق التنمية المستدامة، وضمان حقوق الأجيال القادمة فيها."
وهذه المادة تضع المسألة البيئية في موضعها الصحيح: حق ثابت، وواجب عام، والتزام مباشر على عاتق الدولة. وهي، في الوقت نفسه، تربط بين البيئة والتنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، بما يؤكد أن حماية البيئة ليست ترفًا تنظيميًا، بل جزء من الرؤية الدستورية لمستقبل الدولة والمجتمع.
ويتعزز هذا المعنى في المادة (32)، التي تنص على أن: "موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب، تلتزم الدولة بالحفاظ عليها، وحسن استغلالها، وعدم استنزافها، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها. كما تلتزم الدولة بالعمل على الاستغلال الأمثل لمصادر الطاقة المتجددة، وتحفيز الاستثمار فيها، وتشجيع البحث العلمى المتعلق بها. وتعمل الدولة على تشجيع تصنيع المواد الأولية، وزيادة قيمتها المضافة وفقًا للجدوى الاقتصادية."
واللافت في هذا النص أنه لا يكتفي بحماية الموارد من الاستنزاف، بل يربطها بالطاقة المتجددة، والبحث العلمي، والقيمة المضافة، بما يكشف أن النظرة الدستورية إلى البيئة ليست دفاعية فقط، بل تنموية أيضًا.
ثم تأتي المادة (45) لتضيف بعدًا آخر، إذ تنص على أن: "تلتزم الدولة بحماية بحارها وشواطئها وبحيراتها وممراتها المائية ومحمياتها الطبيعية. ويحظر التعدى عليها، أو تلويثها، أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها، وحق كل مواطن فى التمتع بها مكفول، كما تكفل الدولة حماية وتنمية المساحة الخضراء فى الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المعرض منها للانقراض أو الخطر، والرفق بالحيوان، وذلك كله على النحو الذى ينظمه القانون."
وإذا قرأنا هذه المواد الثلاث معًا، اتضح أن البناء الدستوري المصري يضع البيئة في موضع الحماية الصريحة، لا في موضع التمني العام. وعلى المستوى التشريعي، يقوم هذا البناء على قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته، وعلى قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية، إضافة إلى قانون المحميات الطبيعية رقم 102 لسنة 1983.
وتؤكد وزارة البيئة أن هذه المنظومة القانونية تُدعَم بأدوات تنفيذية ورقابية وخدمية موجهة إلى المواطنين والمستثمرين، وأن قانون إدارة المخلفات يمثل إطارًا حديثًا لتنظيم هذا القطاع على أسس أكثر تكاملًا ووضوحًا.
التنمية المستدامة والبصمة الكربونية: ماذا نعني بهذين المصطلحين؟ إذا كان المقال موجهًا إلى الجمهور العام، فلا يجوز أن نفترض أن هذه المصطلحات معروفة بذاتها. التنمية المستدامة ((Sustainable Development))، في التعريف الأممي الأشهر، هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر من غير المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.
والمعنى العملي لهذا التعريف بسيط وواضح: أن نتقدم اقتصاديًا ونحسن مستوى المعيشة، ولكن من غير أن نستهلك الموارد على نحو يضر بالهواء والماء والتربة والتنوع البيولوجي، أو يحمّل الأجيال القادمة كلفة ما نفعله اليوم.
ورؤية مصر 2030 ((Egypt Vision 2030)) نفسها تؤكد أن الاستراتيجية الوطنية تقوم على مبادئ التنمية المستدامة الشاملة، وأنها تعكس الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية معًا. أما البصمة الكربونية ((Carbon Footprint)) فهي، ببساطة، مقياس لكمية الانبعاثات من غازات الدفيئة التي يطلقها شخص، أو مؤسسة، أو منتج، أو نشاط إلى الغلاف الجوي. وهذا يعني أن البصمة الكربونية لا ترتبط بالمصانع الكبرى وحدها، بل تمتد إلى طريقة استهلاكنا للكهرباء، والنقل، ونمط الشراء، وهدر الغذاء، واستخدام الأجهزة، والتخلص من المخلفات.
وكلما استطعنا تقليل هذه الانبعاثات، خففنا الضغط على المناخ والهواء والصحة العامة. ومن هنا، فإن الحديث عن البصمة الكربونية لا ينبغي أن يُفهم على أنه خطاب موجه إلى الشركات الكبرى فقط، بل هو أيضًا دعوة إلى مراجعة السلوك اليومي للأفراد والأسر. وفي هذا السياق، يبرز الاقتصاد الدائري ((Circular Economy)) بوصفه انتقالًا من نموذج “الاستخدام ثم الإلقاء” إلى نموذج يعيد تصميم دورة الموارد على أساس التقليل، وإطالة العمر، والإصلاح، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، واستعادة القيمة.
وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يشرح هذا الاتجاه بوصفه مسارًا لتعزيز أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامين، ويؤكد أن الدائرية لا تقف عند إعادة التدوير فقط، بل تشمل أيضًا الرفض، والتقليل، والإصلاح، والتجديد، وإعادة التصنيع، وإعادة التوظيف. وهذا ينسجم بوضوح مع ما تعرضه الدولة المصرية الآن في ملف المخلفات واستعادة الموارد.
ماذا يستطيع المواطن والأسرة أن يفعلا من الآن؟ حين نتحدث عن البيئة، يظن بعض الناس أن المسؤولية الكبرى تقع دائمًا على الحكومات والشركات وحدها. وهذا غير دقيق. فالمواطن والأسرة يشكلان جزءًا أساسيًا من الحل، لأن كثيرًا من الضغوط البيئية تبدأ من عادات يومية قابلة للتعديل.
أول هذه العادات هو ترشيد الاستهلاك: الماء، والكهرباء، والوقود، والورق، والمنتجات أحادية الاستخدام. فتقليل الاستهلاك ليس فقط توفيرًا في الفاتورة، بل هو أيضًا خفض للضغط على الموارد وتقليل للبصمة الكربونية.
وثانيها الفرز المبدئي للمخلفات داخل البيت بقدر الإمكان، ولو بين مخلفات عضوية ومخلفات قابلة للتدوير، لأن ذلك هو المدخل الطبيعي لأي منظومة رشيدة لإدارة المخلفات.
وثالثها تقليل هدر الغذاء، وهو ما تؤكد عليه تقارير الأمم المتحدة الحديثة بوصفه عنصرًا مهمًا في مواجهة الهدر والانبعاثات وتعزيز الاستفادة من الموارد. كما أن الأسرة تستطيع أن تبني وعيًا بيئيًا حقيقيًا لدى الأطفال من خلال الممارسة اليومية لا من خلال الشعارات. تعليم الطفل عدم إهدار الماء، وعدم إلقاء المخلفات عشوائيًا، واحترام المساحات الخضراء، واستخدام الحقيبة القابلة لإعادة الاستخدام، وإطفاء الأجهزة غير الضرورية، كلها أمور تبدو صغيرة، لكنها تصنع مع الوقت سلوكًا مدنيًا مسؤولًا. والبيئة، في النهاية، لا تُحمى فقط بالقوانين، بل تُحمى أيضًا بعادة يومية تتكرر حتى تتحول إلى ثقافة عامة. ومن المهم كذلك أن يعرف المواطن أن وزارة البيئة تتيح قنوات للتواصل وتلقي الشكاوى البيئية، بما في ذلك الهاتف، والبريد الإلكتروني، وتطبيق واتساب. وهذه نقطة مهمة لأن حماية البيئة لا تكتمل من دون مشاركة مجتمعية، ولا من دون أن يشعر المواطن أن الإبلاغ عن الممارسات الضارة أو التعديات البيئية جزء من الواجب المدني، لا فعل هامشي. فالقانون يضع الإطار، لكن المجتمع هو الذي يمنحه حيوية التطبيق.
القطاع الخاص: كيف يتحول الامتثال البيئي إلى قيمة اقتصادية؟
إذا كان المواطن مسؤولًا عن سلوكه اليومي، فإن القطاع الخاص مسؤول عن أثره الأوسع على الموارد والطاقة والمخلفات والانبعاثات. والمطلوب اليوم لم يعد فقط تجنب المخالفة البيئية، بل الانتقال إلى منطق أوسع هو الامتثال المنتج: أي أن تصبح كفاءة الطاقة، والحد من المخلفات، وإعادة الاستخدام، وتقليل المواد الخام غير الضرورية، جزءًا من نموذج الأعمال نفسه.
ووزارة البيئة المصرية تؤكد، في تحركاتها الأخيرة، أن تطوير قطاع المخلفات وإعادة التدوير والاقتصاد الدائري يفتح فرصًا استثمارية حقيقية، وأن من بين الفرص التي تُعرض حاليًا في مصر مشروعات الوقود المشتق من المخلفات، وصناعات إعادة التدوير، ومعالجة المخلفات العضوية والحمأة، وأنظمة إدارة المخلفات الذكية، والمنصات الرقمية. وهذا الاتجاه ليس مصريًا فقط، بل ينسجم مع التوصيات الدولية الحديثة. فبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والتحالف العالمي للاقتصاد الدائري وكفاءة الموارد، يدعوان إلى انتقال عادل نحو اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الموارد، وأقل هدرًا، وأكثر قدرة على تحقيق النمو مع الحد من التلوث وفقدان التنوع البيولوجي وتفاقم أزمة المناخ. والمعنى العملي لذلك بالنسبة إلى القطاع الخاص في مصر هو أن تبني نموذج الأعمال القائم على الاقتصاد الدائري لم يعد رفاهية، بل أصبح جزءًا من التنافسية الحديثة، ومن صورة المنشأة الجادة، ومن قدرتها على التكيف مع الأسواق والتمويل والمتطلبات التنظيمية المستقبلية. كما أن الدولة المصرية خطت بالفعل خطوات تنظيمية في هذا المسار. فقد أشارت وزارة البيئة إلى تطوير تراخيص مخلفات الهدم والبناء، ومنع الإلقاء العشوائي، وخفض رسوم تراخيص تجميع قش الأرز للحد من الحرق، ودعم الربط الإلكتروني بين الجهات، فضلًا عن تحديث مواصفات قياسية لمواد البناء تسمح باستخدام ناتج التدوير. وهذه الرسائل مهمة جدًا للقطاع الخاص، لأنها تعني أن الامتثال البيئي لم يعد عبئًا خارجيًا فحسب، بل صار جزءًا من بنية السوق والتنظيم والاستثمار.
من الجهد الحالي إلى الخطوة التالية: كيف نعزز المسار القانوني والسياساتي؟
الجهد القائم في الدولة المصرية واضح، لكنه يحتاج دائمًا إلى البناء والتوسيع والتكامل.
وأول توصية هنا هي تعميق الدمج بين التشريع البيئي والسياسات الاقتصادية، بحيث لا يُنظر إلى البيئة باعتبارها مجرد باب للمنع والعقاب، بل باعتبارها أيضًا بابًا لكفاءة الموارد، وخفض الكلفة، ورفع التنافسية، وخلق فرص عمل جديدة. وهذا ينسجم مع رؤية مصر 2030 ((Egypt Vision 2030))، التي تؤكد البعد البيئي للتنمية المستدامة، وتربطه بالحفاظ على الأصول الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة ودعم القدرة التنافسية الاقتصادية. كما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 ((National Climate Change Strategy 2050)) التي تضع ضمن أهدافها تحقيق نمو اقتصادي منخفض الانبعاثات، وتعظيم كفاءة استخدام الموارد والطاقة، وتعزيز التكيف والمرونة. والتوصية الثانية هي توسيع منطق الاقتصاد الدائري ((Circular Economy)) تشريعيًا ومؤسسيًا. فالتقارير الأممية الحديثة، خاصة التوقعات العالمية لإدارة المخلفات 2024 ((Global Waste Management Outlook 2024))، تؤكد أن مسار “العمل كالمعتاد” في إدارة المخلفات مسار مكلف اقتصاديًا وبيئيًا، وأن التحول نحو مجتمعات أقل نفايات وأكثر دائرية يحقق مكاسب أعلى على المدى الطويل.
وفي السياق المصري، يمكن ترجمة ذلك إلى دعم أكبر لفرز المخلفات من المصدر، وتوسيع الحوافز للمشروعات الصغيرة والمتوسطة العاملة في التدوير والاسترداد، وتعزيز أدوات المسؤولية الممتدة للمنتج. والتوصية الثالثة هي التركيز على السلوك المجتمعي والاتصال العام. فنجاح أي قانون بيئي يظل محدودًا إذا بقي مفهومًا فقط داخل الدوائر التخصصية. ولهذا يجب توسيع الحملات القانونية التوعوية الموجهة إلى المواطنين بلغة واضحة، وربطها بالسلوك اليومي: استهلاك أقل، هدر أقل، فرز أفضل، نقل أنظف، شراء أذكى، ومساءلة مدنية عند رؤية الإضرار بالبيئة. كما ينبغي توسيع توظيف المنصات الرقمية، والبيانات العامة، والشفافية في الإبلاغ والرصد، لأن البيئة اليوم لم تعد تُحمى بالرقابة التقليدية وحدها، بل أيضًا بالمعلومة المتاحة والمشاركة المجتمعية. وأخيرًا، هناك توصية استراتيجية أراها حاسمة: تحويل احترام البيئة من ملف قطاعي إلى ثقافة دولة ومجتمع واقتصاد. وهذا يتطلب استمرار تطوير الأطر القانونية، وتحسين التنسيق المؤسسي، وجذب استثمارات خضراء، وربط التعليم والإعلام والقطاع الخاص بخطاب بيئي قانوني وتنموي موحد. فالبيئة السليمة لا تُبنى بقرار منفرد، بل بمسار متصل يشارك فيه المواطن، والأسرة، والمدرسة، والمنشأة، والوزارة، والبلدية، والمستثمر، والإعلام. وهنا بالضبط تظهر قيمة القانون: أنه يضع القاعدة، ويمنح الحماية، ويوجه السلوك، ويفتح الباب لاقتصاد أقدر على الاستمرار وأقل كلفة على المجتمع. وفي الختام، فإن البيئة في مصر لم تعد موضوعًا مؤجلًا ولا ملفًا مخصصًا للخبراء فقط. إنها حق دستوري، والتزام قانوني، ومصلحة عامة، ومسؤولية يومية. وكلما اقترب هذا المعنى من الناس، صار القانون أكثر فاعلية، وصارت حماية البيئة أكثر رسوخًا، وصار الاقتصاد الدائري ((Circular Economy)) أكثر قابلية للتحول من شعار إلى ممارسة. وفي هذا كله، تبقى الفكرة الأهم بسيطة وواضحة: حماية البيئة ليست عبئًا على التنمية، بل هي شرط من شروطها، وضمانة من ضمانات استمرارها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يكن قرار اليابان بالعودة إلى استيراد النفط الروسي مجرد استجابة ظرفية لأزمة طارئة، بل يعكس تحوّلًا أعمق في بنية...
لم تعد البيئة شأنًا يخص الخبراء وحدهم، لأن أثرها يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في كل بيت وشارع ومنشأة، ويظهر...
ينظر إلى العلاقة بين الوزراء وأعضاء البرلمان، سواء في مجلس النواب أو الشيوخ، باعتبارها من أهم العناصر التي تؤثر في...
في زمن لم يعد فيه “الصوت” مرتبطًا بالمنصات التقليدية، بل بشاشة هاتف صغيرة قادرة على الوصول إلى ملايين المتابعين في...