القانون الدولي الإنساني:ثقافة الحماية التي تحفظ الإنسانية وتُمهّد لبناء السلام

تبدو الحرب للوهلة الأولى لحظةً ينكسر فيها النظام وتعلو فيها لغة القوة، لكن التجربة الإنسانية الطويلة علّمت العالم أن أخطر ما في الحرب ليس السلاح وحده، بل أن يعتاد الناس فكرة أن كل شيء يصبح مباحًا بمجرد اندلاع القتال. من هنا وُلدت الحاجة إلى القانون الدولي الإنساني: ذلك الفرع من القانون الدولي الذي يقول بوضوح إن النزاع المسلح لا يُسقط كرامة الإنسان، وإن الخصومة لا تُخرج الجريح أو الأسير أو المدني من حماية القانون، وإن القوة، مهما اشتدت، تظل محكومة بحدود لا يجوز تجاوزها.

بقلم المستشار/ حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام وعضو الجمعية المصرية للقانون الدولي

هذه المعرفة لا تخص العسكريين والقانونيين وحدهم. المواطن العادي، والطالب، والإعلامي، وصانع المحتوى، والمتطوع، وكل من يتابع أخبار النزاعات، يحتاجون إلى حدٍّ أساسي من الوعي بهذا القانون. فالقانون الدولي الإنساني لا يمنحنا فقط مصطلحات قانونية؛ بل يمنحنا طريقة أرقى لفهم الحرب، ورؤية أوضح لحماية الضحايا، ومعيارًا نميّز به بين القتال المنضبط والانفلات، وبين الضرورة العسكرية والانتهاك، وبين الألم الإنساني العابر في الأخبار والجريمة التي يجب أن تُسمّى باسمها.
القانون الذي يبدأ عندما تشتعل الحرب
ينتمي القانون الدولي الإنساني إلى القانون الدولي العام، ويُسمى أيضًا قانون الحرب وقانون النزاعات المسلحة. وظيفته الأساسية لا تتمثل في الحكم على مشروعية بدء الحرب، فهذه مسألة يحكمها بالأساس ميثاق الأمم المتحدة وقواعد حظر استخدام القوة والدفاع الشرعي، وإنما تتمثل في تنظيم السلوك عند وقوع النزاع المسلح فعلًا. فهو يسأل: مَن يجوز استهدافه؟ ومَن تجب حمايته؟ كيف يُعامل الأسرى والمُحتجزون؟ ما حدود استخدام الأسلحة؟ كيف تَصل المساعدات؟ وكيف تُصان كرامة الإنسان في أكثر اللحظات قسوة؟
وتنطبق قواعد هذا القانون على نوعين رئيسيين من النزاعات. الأول هو النزاع المسلح الدولي، ويقع بين دولتين أو أكثر. والثاني هو النزاع المسلح غير الدولي، ويقع داخل الدولة بين القوات الحكومية وجماعة مسلحة منظمة، أو بين جماعات مسلحة منظمة، متى بلغ العنف مستوى معينًا من الشدة وتوافر التنظيم لدى الأطراف. وتؤكد الأدبيات القانونية والإنسانية أن القانون الدولي الإنساني يطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، مع اختلاف نطاق بعض القواعد بحسب طبيعة النزاع. وتشكل المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الحد الأدنى للحماية في النزاعات غير الدولية، وتحظر الاعتداء على الحياة والسلامة، وأخذ الرهائن، والاعتداء على الكرامة، وتنفيذ العقوبات من غير ضمانات قضائية أساسية.
أما القلب الصلب لهذا القانون فهو اتفاقيات جنيف الأربع لعام ١٩٤٩ وبروتوكولاتها الإضافية. وقد وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذه الاتفاقيات وبروتوكولاتها بأنها تضم أهم القواعد التي تحد من بربرية الحرب، وتحمي المدنيين والطواقم الطبية والعاملين في الإغاثة، ومن لم يعودوا قادرين على القتال كالجرحى والمرضى والغرقى وأسرى الحرب.
التمييز والتناسب والاحتياطات: حدود القوة أثناء النزاع المسلح
يمكن للقارئ غير المتخصص أن يدخل إلى جوهر القانون الدولي الإنساني من خلال ثلاثة مبادئ كبرى. أولها مبدأ التمييز، ومعناه أن أطراف النزاع يجب أن تميز في كل وقت بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. فالمدني لا يجوز أن يكون هدفًا للهجوم، والمدرسة، والمستشفى، ودار العبادة، وشبكات المياه والكهرباء، والمنازل، تبقى في أصلها أعيانًا مدنية مَحمية، ما لم تتحول وفق شروط دقيقة إلى أهداف عسكرية بسبب استخدامها الفعلي في العمل العسكري. وتقرر القاعدة الأولى في دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي للجنة الدولية للصليب الأحمر أن أطراف النزاع يجب أن تميز دائمًا بين المدنيين والمقاتلين، وأن توجه الهجمات إلى المقاتلين فقط.
وثانيها مبدأ التناسب. هذا المبدأ يَحظر الهُجوم الذي يُتوقع أن يسبب خسائر عَرضية في أَرواح المَدنيين أو إصابات بينهم أو أضرارًا بالأَعيان المَدنية تكون مُفرطة مُقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة. ومعنى ذلك أن وجود هدف عسكري لا يمنح إذنًا مفتوحًا بإلحاق أي قدر من الضرر بالمدنيين.
وثالثها مبدأ الاحتياطات، وهو يَفرض اتخاذ كل الاحتياطات المُمكنة عمليًا لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين أو تقليله إلى أدنى حد. ويشمل ذلك التَحقق من الهدف، واختيار الوسائل والأساليب الأقل ضررًا، وتَوجيه التَحذير الفَعَّال مَتى سَمحت الظروف، وإلغاء أو تعليق الهجوم إذا ظَهر أن الهَدف غير عسكري أو أن الضرر المُتوقع سيكون مُفرطًا. هذه المبادئ تجعل القانون الدولي الإنساني قانونًا عمليًا لا مجرد لغة نبيلة؛ لأنه يدخل في تفاصيل التخطيط والتنفيذ والتقييم.
حماية المدني والجريح والأسير: الخصومة لا تُسقط الكرامة الإنسانية
من أعمق أفكار القانون الدولي الإنساني أن الإنسان لا يفقد صفته الإنسانية بسبب موقعه في النزاع. المَدني مَحمي لأنه لا يَشارك في القتال. والجَريح محمي لأنه يحتاج إلى علاج. والأسير محمي لأنه أصبح خارج القتال. والمُحتجز لا يجوز أن يُعذب أو يُهان. والميت له حُرمة. والعائلة لها حق في معرفة مصير مفقودها. والطبيب والمسعف لا يمثلان طرفًا في القتال، بل يمثلان وظيفة إنسانية يجب احترامها.
وهنا تظهر أهمية المادة الثالثة المشتركة مرة أخرى؛ فهي تُقرر، حتى في النزاعات غير الدولية، مُعاملة إنسانية للأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم من ألقوا السلاح أو أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو غير ذلك. هذه القاعدة تكشف جوهر القانون: الخصم، عندما يصبح أسيرًا أو جريحًا أو خارج القتال، لا يكون مباحًا، بل يدخل في دائرة الحماية.
ولا تقف الحماية عند الأشخاص فقط، بل تمتد إلى العمل الطبي والإنساني. فالمستشفيات، والطواقم الطبية، وسيارات الإسعاف، والعاملون الإنسانيون، يؤدون وظائف لا غنى عنها لبقاء الناس على قيد الحياة. ولذلك فإن احترامهم ليس مجاملة إنسانية، بل التزام قانوني وأخلاقي، لأنه يحافظ على آخر الجسور التي تسمح بإنقاذ الحياة وسط العنف.
الصليب الأحمر والهلال الأحمر: الحياد الذي يجعل العمل الإنساني ممكنًا
لا يمكن الحديث عن القانون الدولي الإنساني من غير الحديث عن الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. تتكون هذه الحركة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والجمعيات الوطنية في الدول المختلفة. وتقوم الحركة على سبعة مبادئ أساسية: الإنسانية، وعدم التَحيُّز، والحياد، والاستقلال، والخدمة التطوعية، والوحدة، والعالمية. هذه المبادئ ليست شعارات عامة؛ إنها شروط عملية للوصول إلى الضحايا في أوضاع شديدة الحساسية. فالحياد يفتح الأبواب، وعدم التحيز يجعل المساعدة قائمة على الحاجة لا الانتماء، والاستقلال يحمي العمل الإنساني من أن يتحول إلى أداة في الصراع.
وتؤدي اللجنة الدولية للصليب الأحمر دورًا خاصًا في النزاعات المسلحة: حماية ومساعدة المتضررين، تذكير الأطراف بالتزاماتها، زيارة المُحتجزين في سياقات معينة، المساعدة في إعادة الروابط العائلية، نشر المعرفة بالقانون الدولي الإنساني، والعمل من خلال حوار إنساني مهني مع أطراف النزاع. وفي النزاعات غير الدولية، تنص المادة الثالثة المشتركة على أن هيئة إنسانية غير متحيزة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يجوز لها أن تعرض خدماتها على أطراف النزاع؛ وهذه قاعدة مهمة لأنها تفتح باب العمل الإنساني حتى في أكثر النزاعات تعقيدًا.
أما جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر الوطنية فتعمل داخل بلدانها في مجالات الإغاثة، والاستجابة للكوارث، والصحة، والخدمات الاجتماعية، والتوعية، وبناء قدرات المجتمعات. ويعرض الهلال الأحمر المصري، في تعريفه الرسمي لمجالات عمله، الإغاثة ومواجهة الكوارث، والتنمية الصحية، والتنمية الاجتماعية، وهي مجالات تكشف أن العمل الإنساني لا يبدأ فقط عند الحرب، بل يمتد إلى بناء قدرة المجتمع على النجاة والتعافي.
ثقافة القانون الدولي الإنساني: كيف يشارك الناس في احترامه
القانون الدولي الإنساني لا يحتاج فقط إلى توقيع الدول على المعاهدات، بل يحتاج أيضًا إلى ثقافة عامة ترفض التعود على القسوة. ولهذا توجد التزامات دولية بنشر قواعده وتعليمها؛ فقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن نشر القانون الدولي الإنساني التزام قائم في المعاهدات، وأن على الدول أن تعمل على تعليم قواتها المسلحة وتوعية الجمهور بهذه القواعد.
ويستطيع الأفراد العاديون أن يسهموا في احترام هذا القانون بطرق واقعية. أولها عدم نشر صور مُهينة للأسرى أو الجرحى أو القتلى، لأن الكرامة لا تسقط في زمن النزاع. وثانيها دعم الخطاب المسؤول الذي يرفض استهداف المدنيين أو تبرير التعذيب أو السخرية من الضحايا. وثالثها استخدام المصطلحات بحذر، فهناك فرق بين مدني ومقاتل، وبين هدف عسكري وعين مدنية، وبين ضرر عَرَضي وجريمة مُتعمدة. ورابعها دعم العمل الإنساني الموثوق من خلال التطوع أو التبرع أو نشر الوعي عبر القنوات المعتمدة. وخامسها تعليم الأطفال والشباب أن حماية الضعفاء وقت الحرب ليست موقفًا سياسيًا، بل قاعدة إنسانية وقانونية.
وهنا يتضح أن احترام القانون الدولي الإنساني لا يبدأ فقط في غرفة العمليات العسكرية أو قاعة المحكمة، بل يبدأ أيضًا من الوعي العام: من إعلام لا يُسطح المُصطلحات، ومن مدرسة تعلّم قيمة الإنسان، ومن أسرة ترفض لغة الانتقام، ومن مستخدم للمنصات لا يحول آلام الضحايا إلى مادة للتشفي أو التحريض.
احترام القانون أثناء الحرب يفتح طريق بناء السلام بعدها
القانون الدولي الإنساني لا يصنع السلام وحده، لكنه يمنع الحرب من تدمير كل شروط السلام. فالانتهاكات الواسعة لا تنتهي آثارها بتوقف السلاح؛ إنها تترك وراءها أُسرًا تبحث عن مَفقُودين، وذاكرة مُثقلة بالإهانة، وجراحًا نفسية واجتماعية، وشعورًا عميقًا بالظلم. وكلما ازداد استهداف المدنيين، أو إهانة الأسرى، أو العبث بالجثامين، أو منع العلاج والإغاثة، أصبح طريق المصالحة أطول وأصعب.
وتؤكد تحليلات حديثة صادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن احترام القانون الدولي الإنساني أثناء النزاعات يخفف آثار القتال، وقد يساعد على بناء الحوار والثقة بين الأطراف، بما يدعم مفاوضات السلام والمصالحة اللاحقة. كما تشير تحليلات متخصصة إلى أن احترام القواعد الإنسانية، مثل المعاملة الإنسانية للمحتجزين، والتعامل اللائق مع الموتى، والرعاية الطبية للمدنيين والمقاتلين، يمكن أن يخفف التوترات ويهيئ ظروفًا أكثر ملاءمة لمحادثات السلام ويقلل تعقيد العدالة الانتقالية والمصالحة بعد النزاع.
ولهذا فإن القانون الدولي الإنساني ليس قانونًا للحرب فقط، بل جسرًا ضروريًا إلى ما بعدها. إنه يحمي المدنيين أثناء النزاع، ويحمي الأسرى من الانتقام، ويحمي الجرحى من الإهمال، ويحمي الموتى من الإهانة، ويحمي المجتمع من أن يخرج من الحرب وقد فقد كل قدرة على الثقة. فحين تُحترم القواعد، يبقى شيء من الإنسانية يمكن البناء عليه بعد الصراع.
وفي الختام، يقدم القانون الدولي الإنساني رسالة بسيطة وعميقة: الحرب لا تلغي الإنسان، والعداوة لا تلغي الكرامة، والخصومة لا تمنح حقًا مفتوحًا في الإيذاء. إن نشر ثقافة هذا القانون بين الناس ليس ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لحماية الضحايا، ودعم العمل الإنساني، وترشيد الخطاب العام، وحفظ طريق بناء السلام من أن يضيع تمامًا تحت الركام. وكلما عرف الناس قواعد الحرب، أصبحوا أقدر على رفض تجاوزها، وكلما احترموا دور الصليب الأحمر والهلال الأحمر والعمل الإنساني المحايد، بقيت للإنسانية مساحة تتحرك فيها حتى في أوقات الخطر.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حسام الدين علام
حسام الدين علام
حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
حسام الدين علام
حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام

المزيد من مقالات

القانون الدولي الإنساني:ثقافة الحماية التي تحفظ الإنسانية وتُمهّد لبناء السلام

تبدو الحرب للوهلة الأولى لحظةً ينكسر فيها النظام وتعلو فيها لغة القوة، لكن التجربة الإنسانية الطويلة علّمت العالم أن أخطر...

حين تحول الماء إلى كابوس

في فجر الحضارات الأولى، لم يكن الإنسان يخاف الحرب وحدها، بل كان يخاف السماء أيضا. كان سكان بلاد الرافدين يعيشون...

حين تبدأ الحماية قبل المائدة.. كيف تدعم المرأة الصحة والاستدامة؟

لم تعد سلامة الأغذية قضية مرتبطة فقط بما يصل إلى أطباقنا يوميًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة أشمل تتعلق بالأمن...

هل الصبر فضيلة دائما؟

منذ الصغر، نتعلم أن الصبر فضيلة. نسمع عنها في النصائح، وفي الحكايات، وفي المواقف اليومية. يُطلب منا أن نصبر حين...