عيذاب.. تواصل حضاري بين مصر والبقاع المقدسة بالحجاز

درب الحجيج عبر قوص

يقع ميناء عيذاب على البحر الأحمر في أملاك الدولة المصرية يقابلها من الغرب على النيل بلدة أبو سمبل، ومن جهة الشرق من الجزيرة العربية بلدة رابغ شمال ثغر جدة وعلى بعد 130كم منها، وقرب عيذاب تقع منزلة حميثرى التي توفى فيها ولي الله الشيخ أبو الحسن الشاذلي قطب الطريقة الشاذلية عام (656هـ / 1258م) عند سفره إلى الحج في طريقه إلى عيذاب بقرب الحد الفاصل بين مصر والسودان في الجنوب الغربي لعيذاب وعلى بعد 140كم منها.

 د. عبد الرحيم ريحان
رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية
دكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية- جامعة القاهرة

ووجدت بعيذاب آثار من عصر البطالمة من تماثيل صغيرة عليها كتابات يونانية، وكان سكانها من قبائل البجة يبنون بيوتا وعشش لإنزال الحجاج وهي المرسى الوحيد لكل من أراد الحج من أهل أفريقيا وكانت المراكب القادمة من الشرق بطريق البحر الأحمر تمر على عدن ثم عيذاب حيث تنقل منها البضائع بالجمال إلى قوص ومنها إلى المدن المصرية في النيل إلى القاهرة وبعد اتخاذ الحجاج المصريين طريق طور سيناء إلى الحرمين الشريفين ضعفت حركة عيذاب الاقتصادية والاجتماعية حتى قضى عليها ملك النوبة داود عام (760هـ / 1358م).

موقع عيذاب

تتميز عيذاب بموقع خاص أهلّها للقيام بوظائفها التجارية والدينية والسياسية والحربية؛ فقد كان موقعها موانئ تاريخية متعاقبة قبل قيام عيذاب منها الموانئ البطلمية ميوس هورمس (أبو شعر القبلي) وبرنيقة (الهراس).

ومعنى هذا أن هذه المنطقة لها خصائص معينة تجعلها مؤهلة لقيام الموانئ على جانبي البحر الأحمر على نحو ما شهد الجانب الغربي من الموانئ البطلمية.

أمّا الجانب الشرقي فقد شهد قيام ميناء الشعيبة التي كانت ساحل مكة قبل الإسلام ثم ظهر ميناء جدة عام 26هـ في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه ، والسبب المباشر لقيام هذه الموانئ يرجع إلى سيادة الرياح الشمالية في النصف الشمالي من البحر الأحمر التي تهب طوال العام.

وكان لعيذاب علاقات تجارية مع ميناء جدة والذي زاد من فاعليتها اتخاذ طريق عيذاب – جدة مسارا لقوافل الحج القادمة عبر الأراضي المصرية، كما كان للميناء دور في التجارة العالمية العابرة بين الشرق والغرب في العصر الإسلامي حيث كانت السفن المحملة بسلع الشرق الأقصى وعالم المحيط الهندي بجانبيه الإفريقي والعربي تنتهى إلى عيذاب بمعرفة تجار الكارم الذين قاموا بنقل التوابل والزعفران وغير ذلك من منتجات الشرق إلى دول الغرب عبر الأراضي المصرية.

وقد ساعد على ازدهار عيذاب عاملين رئيسين وهما نشاط الصليبيين في بلاد الشام ونشأة إمارات لهم مما أدى لتهديد طرق القوافل عبر سيناء فتحولت إلى عيذاب وقد توقف درب الحاج المصري عبر سيناء زمن الحروب الصليبية طوال فترة لا تقل عن قرنين من الزمان من (450هـ - 666هـ / 1058- 1267م).

كما نتج عن الشدة في عهد المستنصر بالله (469هـ / 1076م) تخريب دلتا مصر وتدهور إنتاجها فتحول طريق القوافل الواردة من البلاد الواقعة غرب مصر إلى عيذاب بطريق قفط وظلت عيذاب مشهورة 215 عام في خدمة التجارة والحج، وكانت بمثابة رأس الجسر حيث تتجمع عندها كل تجارة آسيا وشرق أفريقيا وتمر عن طريقها إلى حوض البحر المتوسط وقد تحولت عيذاب إلى مركز لبناء وصناعة السفن من الخشب الذي كان يستورد لذلك الغرض.

ويعد عيذاب ميناء تجاريا عالميا نتيجة عدة اعتبارات أهمها حماية الحكومة في مصر زمن سلاطين المماليك لسفن الكارم وحرصها على تيسير انتقالهم عبر الأراضي المصرية وصولا إلى مدينة قوص فالعاصمة ومنها إلى ميناء الإسكندرية ولم يقتصر الواصل من السلع إلى عيذاب على ما كان يأتي من جدة بل كانت السفن القادمة من اليمن ودول المحيط الهندي تصل إلى عيذاب، وقد اهتم سلاطين المماليك بتخصيص أسطول بعيذاب لتلقي تجار الكارم فيما بين عيذاب وسواكن وما حولها لحمايتهم.

وكانت عيذاب ضمن ثغور مصر ورباطاتها الساحلية ومن ثم فقد كانت معدة لحماية حدود مصر الجنوبية الشرقية بما فيها من جند وسلاح مما يعطي للقائمين على التجارة العابرة قدرا من الأمان والحماية.

كان لموضع عيذاب كمرفأ طبيعي صالح لرسو السفن وإقلاعها دون أن تتعرض لأخطار الملاحة على السفن الشراعية أكبر الأثر في أن تكون من أهم الموانئ المصرية التجارية على البحر الأحمر.

وقد قصد عيذاب الرحالة الأندلسي ابن جبير عام (579هـ/1183م) وقال عنها (أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائدا عن مراكب الحجاج الصادرة والواردة.

وقد أشار وهو في طريقه لعيذاب إلى كثافة الحركة التجارية ممثلة في القوافل الواردة والصادرة لاسيما القوافل العيذابية المحملة بسلع الهند الواصلة إلى اليمن ثم من اليمن إلى عيذاب وكان أكثر ما شاهد من التوابل الفلفل الأسود حتى خيل إليه من كثرته أنه يوازي التراب قيمة.

وأخذت أهمية عيذاب في الانحدار بعد عام (660هـ / 1261م) وبدأ مينائي الطور والسويس يحلان محلهما وأخذت القوافل الكارمية البحرية تتجه من عدن إلى الطور أو السويس ثم تنقل قوافلهم البرية حمولات تلك السفن عبر طور سيناء والشرقية إلى القاهرة ومنها بالنيل أو البر إلى الإسكندرية ومنها إلى أوروبا.

طريق الحج 1
طريق الحج 1
طريق الحج 1

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

طريق الحج 4
نزلة السمان
عاشقة الاقصر
كشف محرم بك الاثري
د. عبد الرحيم ريحان
الرقص فن مصري قديم
خبيئة معبد الأقصر
الحج المسيحي

المزيد من مقالات

الحاج المسلم والمسيحي على نفس السفينة عبر موانئ خليج السويس

بدأ طريق الحج البحري عبر خليج السويس منذ عام 1303هـ الموافق 1885م حين بطل استخدام الطريق البري عبر وسط سيناء،...

"رتشارد بيرتون".. رحّالة بريطاني يروي ذكريات سفينة حجاج من السويس إلى الطور

قام الرحالة البريطاني رتشارد بيرتون برحلة بحرية شهيرة إلى مصر والحجاز في (23 رمضان 1269هـ / أول يوليو 1853م) ووصف...

من صون الخصوصية إلى الحق في الأمان الرقمي

أصبحت البيانات الشخصية جزءا من الحياة اليومية على نحو لم يعد يسمح بالتعامل معها بوصفها شأنا تقنيا يخص الخبراء وحدهم....

قلاع سيناء.. حصن منيع لقوافل الحج

تحول درب الحاج المصري عبر سيناء خلال الفترة الأيوبية خاصة في عهد صلاح الدين إلى طريقا حربيا في المقام الأول...