في فسيولوجيا التوتر المزمن… وكيف يستعيد الجسد سكينته

الجرس الذي لا يهدأ

في داخل كل منا جرس إنذار قديم قدم الإنسان. صمم ليرن لحظة الخطر ثم يصمت، فيمنح الجسد قوة خارقة لثواني معدودة، ثم يعيده إلى سكينته. غير أن إيقاع الحياة الحديثة علم هذا الجرس أن يظل يرن… بلا انقطاع. وفي هذا الرنين الذي لا يهدأ تكمن حكاية يستحق الجسد أن ننصت إليها.

بقلم/ أ.د. حسام عبد الغفار
 
كيف يعمل النظام؟ حين يلوح خطر — حقيقي أو متخيل — تندفع من الغدة الكظرية موجة أدرينالين، فيتسارع القلب ويرتفع الضغط ويتوقد الذهن. ثم يتولى محور الوطاء–النخامية–الكظر إفراز الكورتيزول: يعبئ الطاقة، ويؤجل الهضم والترميم، ويكبح جزءا من المناعة ريثما تمر العاصفة. إنه نظام بديع حين يعمل لحظات ثم يخمد؛ لأنه خلق للطوارئ، لا للإقامة الدائمة.

لكن الجرس قد لا يصمت. فاللوزة الدماغية، حارسة الخطر فينا، لا تفرق تفريقا حادا بين تهديد يطارد الجسد وآخر يطارد النفس. فيستقبل الجهاز العصبي ضغوط اليوم — عملا وأخبارا ومقارنات ومخاوف مالية — كأنها مواجهات بقاء، فيبقى مرفوعا، والجسد في حال استنفار خفي طوال اليوم، ولسنوات طوال.
المشكلة ليست في الجرس، بل في أن يظل يرن.

وللجسد دفتر حساب صامت. سماه العلماء «الحمل التكيفي» (Allostatic Load): مجموع ما يتركه هذا الاستنفار المزمن من أثر متراكم على القلب والأوعية والاستقلاب والمناعة. فالكورتيزول الدائم يرفع سكر الدم ويوجه الدهون إلى البطن، ويبقي الالتهاب على نار هادئة، وينهك الذاكرة والمزاج. الجسد لا ينسى؛ لكن ما يتركه الإجهاد يقاس بميزان العلم، لا بميزان الخوف.

وما يقوله الميزان؟ بينت المراجعات العلمية أن ارتفاع هذا الحمل يرتبط بزيادة في خطر الوفاة الإجمالي بنحو 22%، وفي الوفاة القلبية الوعائية بنحو 31%. إنه عامل خطر يضاعف ويؤجج ما قد يكون كامنا، لا سببا وحيدا يلغي ما عداه. وهذا التمييز وحده كفيل بأن يحول الخوف إلى وعي يصلح ولا يرعب.

فما الذي يعيد الجرس إلى سكونه؟
يجيب العلم بوضوح وبلا مبالغة. النفس العميق البطيء يهدئ الجهاز العصبي الودي وينزل نبض القلب.

والحركة والمشي المنتظم من أرسخ ما ثبت أثره في خفض التوتر وتحسين المزاج وصحة القلب. والنوم المنتظم سبع إلى ثماني ساعات ركن لا يستغنى عنه؛ فالحرمان منه يرفع الكورتيزول ويبقي الجسد في طوارئ دائمة. والتعرض للطبيعة والضوء والسكون يخفف هرمونات الشدة.

أما أمتنها دليلا فالصلة الإنسانية الآمنة؛ فالعزلة عامل خطر على الصحة والعمر، والدفء الإنساني دواء لا يشترى.

وللأعشاب حديث يقتضي أمانة. فبعضها — كالأشواجاندا والبابونج واللافندر والشاي الأخضر والمغنيسيوم — أظهر آثارا مهدئة خفيفة إلى متوسطة، لكنها تبقى مساعدا لا علاجا، وبعضها لا يخلو من محاذير ومنع في حالات بعينها؛ فلا تؤخذ إلا باستشارة الطبيب. إن من تمام الأمانة ألا نمنح يقينا زائفا باسم «الطبيعة».

وتبقى الحكمة، بعد إرادة الله، في أن نتعلم متى نقول لأنفسنا: «كفى». أن نمنح أعصابنا حقها من السكون قبل أن يستنزفنا استنفار لا يهدأ، وأن نميز — في زمن الضجيج — بين يقظة تحمينا وخوف ينهكنا.

فربما لم يكن الجسد يطلب دواء بقدر ما يطلب أن ننصت إليه… وأن نهدئه، برفق، قبل أن يرفع صوته.

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

في فسيولوجيا التوتر المزمن… وكيف يستعيد الجسد سكينته

في داخل كل منا جرس إنذار قديم قدم الإنسان. صمم ليرن لحظة الخطر ثم يصمت، فيمنح الجسد قوة خارقة لثواني...

التعاون يصنع السلام... والمرأة تكتب فصله الأول

السلام لا تبدأ صناعته على موائد المفاوضات، بل في المجتمعات التي تؤمن بالتعاون والعدالة والثقة. فقبل أن تُوقَّع الاتفاقيات، تُبنى...

إنليل… الإله الذي كانت الممالك تخشاه

حين كانت الرياح تحمل صوت الآلهة.. في ليالي بلاد الرافدين القديمة، وحين كانت العواصف تضرب المدن الطينية، والرياح تعصف فوق...

فازت مصر .. في خسارة صفق لها العالم

المونديال ليس مجرد بطولة تتقاذف فيها الأقدام كرة تسحر القلوب, فتصنع ذاكرة الشعوب، بل هو عيد كوني ينتظره العالم؛ ليحتفي...