لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط اليوم: من سينتصر؟ بل أصبح السؤال الأكثر واقعية وخطورة: لماذا لم يعد أحد يسعى إلى الانتصار أصلًا؟ فالمشهد لم يعد صراعًا تقليديًا بين أطراف تتنافس على الحسم، بل تحول إلى حالة ممتدة من التوتر المُدار، حيث تُستخدم القوة لا لإنهاء الحرب، بل لإبقائها تحت السيطرة.
نهال الشافعيماجستير علوم سياسية واستراتيجيةورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
لم يعد ما تشهده المنطقة مجرد موجة تصعيد عابرة يمكن احتواؤها أو أزمة تقليدية لها بداية ونهاية واضحة، بل أصبحنا أمام نمط ممتد من التوتر الذي يعيد إنتاج نفسه بشكل مستمر، دون أن يصل إلى لحظة حسم. الضربات تتكرر، والردود تتوالى، والتصريحات تتصاعد، لكن النتيجة النهائية تظل مؤجلة، وكأن هناك إدراكًا ضمنيًا لدى جميع الأطراف بأن الانتصار لم يعد هدفًا، وأن استمرار التوازنات الهشة أصبح الخيار الأكثر أمانًا، والمفارقة الأكبر أن أخطر ما في هذه الحروب ليس حجم الصواريخ، بل حجم الاعتياد عليها.
في هذا السياق، لم تعد الحروب تُفهم باعتبارها مواجهة تهدف إلى الانتصار الكامل، بل تحولت إلى عملية معقدة لإدارة التوازنات، وإعادة توزيع النفوذ، واختبار حدود القوة دون تجاوزها بشكل يؤدي إلى انفجار شامل، وهنا يبرز مفهوم “الفوضى الخلاقة”، ولكن ليس بصورته التقليدية التي ارتبطت في السابق بتصريحات كوندوليزا رايس، بل كآلية حديثة لإبقاء المنطقة في حالة سيولة دائمة، تسمح بإعادة تشكيل المشهد تدريجيًا دون الحاجة إلى انهيار كامل، بحيث لم تعد الفوضى هدفًا في حد ذاتها، بل وسيلة لإنتاج واقع جديد أكثر قابلية للتحكم، يتم من خلاله إعادة ترتيب التوازنات عبر تفكيك الاستقرار وإعادة تركيبه بما يخدم مصالح القوى الكبرى، دون الدخول في مواجهات شاملة ذات كلفة مرتفعة أو نتائج غير مضمونة.
وبهذا المعنى، لم يعد الهدف إسقاط الدول بقدر ما أصبح إبقاءها في حالة ضعف مُدار، بحيث تظل قائمة شكليًا، لكنها غير قادرة على الفعل الإقليمي المؤثر، وهو ما يخلق بيئة لا تسمح بالاستقرار الكامل، لكنها في الوقت ذاته لا تصل إلى حد الانهيار التام، لتبقى المنطقة في حالة “لا استقرار محسوب” يمكن التحكم في إيقاعه.
الفوضى هنا لم تعد عشوائية، بل أصبحت أقرب إلى حالة “فوضى مُدارة”، يتم ضبطها بدقة، بحيث تأتي كل ضربة عسكرية، مهما بدت مفاجئة، ضمن حسابات معقدة لا تتعلق فقط بالهدف المباشر، بل بما تحمله من رسائل متعددة المستويات، قد تستهدف تعديل سلوك الخصم، وطمأنة الحلفاء، واختبار ردود الفعل الدولية، وفي الوقت نفسه إعادة رسم حدود الاشتباك دون إعلان ذلك بشكل صريح.
وفي قلب هذه المعادلة، تتعامل الولايات المتحدة مع هذه الصراعات ليس باعتبارها أزمات يجب إنهاؤها، بل كمسارات يجب ضبطها، حيث لا يبدو الهدف تحقيق نصر نهائي لطرف، بل منع أي طرف من تحقيق هذا الانتصار، بما يضمن بقاء ميزان القوى في حالة سيولة دائمة، وهو ما يفسر نمط التدخل الذي يحدث في اللحظات الحرجة لمنع الانفجار الكامل، دون أن يمتد إلى فرض تسوية نهائية، ليبقى المشهد في إطار “الاستقرار القلق”.
أما إسرائيل، فتتحرك داخل هذه البيئة بهامش واسع، حيث تتيح لها حالة الفوضى المستمرة تنفيذ عمليات عسكرية استباقية، وإعادة رسم قواعد الاشتباك بشكل متكرر تحت مظلة الحفاظ على الأمن، ففي بيئة مستقرة تزداد القيود السياسية والدبلوماسية، أما في بيئة فوضوية فإن هذه القيود تصبح أكثر مرونة، وتتحول القواعد نفسها إلى أدوات قابلة لإعادة التفسير، بما يسمح بتوسيع هامش الحركة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
ومع هذا التحول، لم يعد الصراع محصورًا في جبهة واضحة يمكن تتبعها أو احتواؤها، بل أصبح شبكة ممتدة من نقاط التوتر التي تتصل ببعضها بشكل غير مباشر، حيث يمكن لتصعيد في منطقة معينة أن ينعكس على مناطق أخرى بعيدة، ليس بالضرورة من خلال تحرك عسكري مباشر، بل عبر تأثيرات اقتصادية أو أمنية أو حتى نفسية، وهو ما يجعل من الصعب عزل الأزمات أو التعامل معها بشكل منفصل، لأن كل تطور أصبح جزءًا من معادلة أوسع.
وفي قلب هذه المعادلة، برز الاقتصاد كساحة رئيسية للصراع، ربما أكثر تأثيرًا من الميدان العسكري نفسه، حيث لم تعد الحروب بحاجة إلى تدمير شامل كي تُحدث أثرًا عميقًا، بل يكفي أن تُحدث اضطرابًا في تدفقات الطاقة أو حركة التجارة أو الممرات البحرية، حتى تمتد آثارها إلى نطاق عالمي، وهو ما يحول دولًا بعيدة عن الصراع إلى أطراف متضررة بشكل مباشر، تتحمل كلفة التوتر دون أن تملك أدوات التأثير في مساره.
لكن البعد الأكثر تطورًا وخطورة في هذه الحروب الحديثة يتمثل في الإعلام، الذي لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح ساحة موازية للصراع، وربما سابقة عليه، حيث لم تعد المعركة تبدأ بإطلاق الصواريخ، بل ببناء الرواية، والتحكم في إدراك الجمهور قبل أن تتشكل الوقائع نفسها، لتصبح السيطرة على الرواية في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من السيطرة على الأرض.
الإعلام في هذا السياق لا يكتفي بنقل ما يحدث، بل يعيد إنتاجه ويمنحه دلالات تتجاوز الحدث ذاته، فاختيار توقيت نشر الخبر، وطريقة صياغته، والصورة المصاحبة له، وحتى المصطلحات المستخدمة، كلها أدوات تُستخدم لتوجيه الفهم العام، بحيث يتحول الاختلاف في التغطية إلى صراع على تفسير الواقع نفسه، لا مجرد نقله.
ومع صعود المنصات الرقمية، أصبحت سرعة تداول المعلومات عاملًا حاسمًا في تشكيل مسار الأحداث، حيث لم يعد هناك وقت للتحقق الكامل قبل الانتشار، ولم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح جزءًا من عملية إعادة إنتاج الخبر، سواء بالمشاركة أو التعليق أو إعادة التفسير، وهو ما خلق بيئة تتداخل فيها الحقيقة مع الرواية، والمعلومة مع الانطباع، بشكل يجعل من الصعب أحيانًا الفصل بين ما حدث فعليًا وما يُراد تصديقه.
وفي ظل هذه الفوضى الإعلامية، أصبحت إدارة الانطباع هدفًا استراتيجيًا بحد ذاته، حيث إن الطرف الذي ينجح في إقناع جمهوره بأنه يسيطر على الموقف، حتى لو كانت المعطيات على الأرض معقدة، يكون قد حقق جزءًا مهمًا من معركة الردع، بل إن بعض العمليات قد تُصمم أساسًا لتحقيق تأثير إعلامي، وليس فقط نتيجة عسكرية مباشرة.
وفي ظل استمرار هذا النمط، تتشكل بيئة إقليمية جديدة، لا تقوم على الاستقرار بمعناه التقليدي، بل على القدرة على التكيف مع حالة التوتر المستمر، وعلى إدارة الأزمات المتلاحقة دون الانهيار، حيث تصبح الدول الأكثر قدرة على التوازن بين الصلابة الداخلية والمرونة الخارجية هي الأكثر قابلية للاستمرار.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج، رغم ما يبدو عليه من قابلية للإدارة، يظل يحمل في داخله احتمالات الانفلات، حيث إن خطأ في الحسابات، أو تصعيد غير محسوب، أو حتى رواية إعلامية تدفع نحو رد فعل متسرع، قد يكون كافيًا لنقل المشهد من حالة “الفوضى المُدارة” إلى واقع أكثر تعقيدًا يصعب احتواؤه.وفي ضوء ذلك، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو نهاية قريبة لهذه الحروب، بل نحو نمط مستدام من “اللا حسم”، حيث يستمر التصعيد في حدود محسوبة، وتبقى احتمالات الانفجار قائمة دون أن تتحقق، ليتحول السؤال من “من سينتصر؟” إلى “من يستطيع الاستمرار؟”، ومن يملك القدرة ليس فقط على إدارة الصراع، بل على إدارة صورته أيضًا.
ورغم تعقيد هذا المشهد، فإن التعامل مع واقع “الفوضى المُدارة” لا يعني الاستسلام له، بل يفتح الباب أمام أنماط مختلفة من التحرك، تعتمد على تقليل الخسائر وتعظيم القدرة على التكيف، حيث تصبح قوة الدولة الحقيقية مرتبطة بقدرتها على الصمود الاقتصادي، وتنويع مصادرها، وتعزيز مرونتها في مواجهة الصدمات الخارجية، إلى جانب انتهاج سياسة خارجية ذكية تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على توازن دقيق في العلاقات، وامتلاك إعلام واعٍ قادر على تقديم رواية متماسكة لا تنجر وراء التضليل أو التهويل.
وفي النهاية، ربما لا يكون الهدف الواقعي هو إنهاء حالة “الفوضى الخلاقة”، بل منع تحولها إلى “فوضى مدمّرة”، لأن الفارق بينهما لا يُقاس بحجم الصراع، بل بقدرة الدول على السيطرة على تداعياته.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا تبقى أن هذه الفوضى، مهما بدت قابلة للإدارة، لا يمكن ضمان بقائها كذلك إلى الأبد… فالتاريخ لا يعرف توازنات ثابتة، وما يُدار اليوم بدقة، قد ينفلت غدًا في لحظة لا يملك فيها أحد القدرة على السيطرة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط اليوم: من سينتصر؟ بل أصبح السؤال الأكثر واقعية وخطورة: لماذا لم يعد أحد...
لا تكتمل فرحة العيد إلا بلمة العائلة حول صينية الكحك تلك الحلوى التي تحمل إرثا يمتد لآلاف السنين. لكن من...
"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...
مع اقتراب المواسم والأعياد، يزداد إقبال السيدات على صالونات التجميل والبيوتي سنتر للقيام بجلسات التجميل المختلفة، من قص الشعر وصبغه،...