في قلب الانهيار اللبناني: دبلوماسية الطاقة المصرية كخيار واقعي

مع دخول لبنان عام 2026، بات واضحًا أن أزمة الطاقة لم تعد مجرد عنوان فرعي في سجل الانهيار الشامل، بل تحوّلت إلى إحدى أكثر أدوات قياس فشل الدولة اللبنانية في استعادة وظائفها الأساسية.

نهال الشافعى
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 وفي هذا السياق المتدهور، يعود بروتوكول التعاون الموقع سابقًا بين مصر ولبنان بشأن توريد الغاز الطبيعي إلى الواجهة، لا بوصفه حدثًا من الماضي، بل كجزء من مسار عملي ما زال يحاول التعامل مع جوهر الأزمة، في لحظة تضيق فيها الخيارات وتتعثر فيها مسارات الإنقاذ التقليدية.

لقد كشفت تطورات عامي 2024 و2025 أن أزمة الكهرباء في لبنان تجاوزت منطق الطوارئ، ودخلت مرحلة الانسداد البنيوي الكامل. فالدولة لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من الإمدادات، فيما ترسخ اقتصاد المولدات الخاصة كبديل دائم، حاملاً معه كلفة اقتصادية باهظة، وتشوهات اجتماعية، ومخاطر أمنية متزايدة. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال متعلقًا بتوفير الوقود فحسب، بل بكيفية إعادة تشغيل قطاع الطاقة على أسس أقل كلفة وأكثر قابلية للاستدامة.

من هنا، تبرز دلالة الغاز المصري باعتباره أحد الخيارات الواقعية القليلة التي لم تتعامل مع الأزمة بوصفها ظرفًا عابرًا، بل كمشكلة هيكلية تتطلب حلولًا أقل استنزافًا للموارد.

فالمسار المصري لم يُقدَّم كحل سحري، ولا كمبادرة سياسية دعائية، بل كأداة عملية تستهدف خفض كلفة الإنتاج، وتقليص الاعتماد على الفيول، وخلق هامش محدود لإعادة انتظام قطاع الكهرباء، ولو بصورة جزئية.

وتتضاعف أهمية هذا المسار مع المستجدات التي شهدها مطلع عام 2026، وفي مقدمتها إعلان لبنان عن توقيع اتفاق جديد مع تحالف دولي يضم شركات كبرى للتنقيب عن الغاز في مياهه الاقتصادية، في محاولة متجددة لإحياء ملف الموارد المحلية بعد سنوات من التعثر. بالتوازي، عاد الحديث بشكل عملي عن تشغيل محطة دير عمار بالاعتماد على الغاز المصري، عبر إعادة تأهيل خطوط الأنابيب والتنسيق الفني واللوجستي بين القاهرة وبيروت. هذه التطورات، رغم محدوديتها، تعكس تحولًا لافتًا من إدارة الأزمة بالخطاب إلى مقاربة أكثر تنفيذية، ولو ببطء.

في هذا الإطار، يمكن قراءة دبلوماسية الطاقة المصرية كجزء من مقاربة أوسع للتعامل مع الدول الهشة، تقوم على دعم القدرة الوظيفية للمؤسسات بدل الاكتفاء بإدارة الانهيار. فمصر، التي عززت موقعها خلال السنوات الأخيرة كمركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز، اختارت في الحالة اللبنانية توظيف هذا الموقع دون تحويله إلى أداة نفوذ سياسي مباشر، وهو ما منح هذا الدور قدرًا من القبول النسبي في بيئة شديدة الحساسية تجاه التدخلات الخارجية.

غير أن المقاربة الواقعية تفرض الاعتراف بأن حدود هذا الدور تظل مرتبطة بالداخل اللبناني نفسه. فغياب الإرادة السياسية، وتعثر الإصلاحات، واستمرار الفراغات المؤسسية، كلها عوامل تقيد قدرة أي مبادرة خارجية – مهما بلغت جديتها – على تحقيق اختراق حاسم. وهنا، لا تكمن إشكالية دبلوماسية الطاقة في فشلها، بل في كونها تتحرك داخل بيئة لم تحسم بعد خياراتها الداخلية.

إقليميًا، تكتسب هذه التحركات أهمية إضافية في ظل تصاعد التنافس على شرق المتوسط، حيث تتحول الطاقة إلى أداة لإعادة رسم التوازنات والنفوذ. وفي مقابل نماذج تستخدم الطاقة كوسيلة ضغط، تحاول القاهرة ترسيخ نموذج مختلف نسبيًا، يرى في الطاقة عامل تهدئة واستقرار، لا أداة ابتزاز سياسي، انطلاقًا من إدراك أن انهيار الدول الهشة لا يبقى محصورًا داخل حدودها.

في المحصلة، يعكس ملف الغاز المصري إلى لبنان – في ضوء مستجدات 2026 – محاولة عقلنة الانهيار لا القفز فوقه، ومقاربة تدريجية لإعادة وصل الدولة بوظائفها الأساسية، حتى وإن بدا الطريق طويلًا ومليئًا بالعقبات. وفي لحظة تتراجع فيها أدوات الإنقاذ التقليدية، تظل دبلوماسية الطاقة أحد المسارات القليلة التي ما زالت تمتلك قدرة، وإن محدودة، على إحداث أثر تراكمي هادئ، لكنه استراتيجي.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي

المزيد من مقالات

وانطلق مدفع الإفطار، حكايات رمضانية

شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...

في قلب الانهيار اللبناني: دبلوماسية الطاقة المصرية كخيار واقعي

مع دخول لبنان عام 2026، بات واضحًا أن أزمة الطاقة لم تعد مجرد عنوان فرعي في سجل الانهيار الشامل، بل...

إنذارات بلا صفارات

لم يكن الإعلان عن تسجيل حالات محدودة لفيروس «نيباه» في الهند حدثًا صحيًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان رسالة سياسية...

"البطالة الإلكترونية" ظاهرة تعصف بالتحول الرقمي!

لم يعد التحول الرقمي وعدًا خالصًا بالتطوير ورفع الكفاءة، بقدر ما أصبح، في كثير من السياقات، مصدرًا لقلق متزايد بشأن...