لم يعد العالم يُدار فقط بما نراه، بل بما نشعر به تجاه ما نراه. هذه ليست جملة إنشائية بقدر ما هي توصيف دقيق لتحول هادئ وعميق حدث في بنية السياسة والاقتصاد معًا.
نهال الشافعىماجستير علوم سياسية و استراتيجية ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية.
فبينما انشغل الجميع بمتابعة تطورات التكنولوجيا أو موازين القوى التقليدية، كانت هناك طبقة أخرى تتشكل في صمت، طبقة لا تتعلق بالوقائع نفسها، بل بطريقة استقبالنا لها. لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل كيف نشعر تجاه ما يحدث، لأن هذا الشعور هو ما يحدد في النهاية رد الفعل، ومن ثم القرار.
انفجار المعلومات… وانسحاب العقل
في الماضي، كانت المعلومة هي مركز القوة؛ من يملكها يملك القدرة على التأثير، وكان الصراع يدور حول إخفائها أو كشفها. لكن مع الانفجار المعلوماتي، تغيّرت المعادلة بالكامل. لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فيضها.
أصبح الإنسان محاطًا بكم هائل من الأخبار، التحليلات، الصور، والتفسيرات، إلى درجة تفوق قدرته الطبيعية على الاستيعاب أو التحقق. هنا تحديدًا، لم يعد العقل هو الأداة الأسرع في التعامل مع هذا التدفق، بل الشعور. لم يعد الفرد يسأل دائمًا: هل هذا صحيح؟ بل: كيف أشعر تجاهه؟ هل يقلقني؟ هل يغضبني؟ هل يطمئنني؟
الإحساس قبل التحقق
هذا التحول البسيط ظاهريًا كان كافيًا لإعادة تشكيل قواعد اللعبة بالكامل. لأن المشاعر، على عكس الأفكار، لا تحتاج إلى وقت طويل لتتشكل، ولا تمر بنفس مراحل التدقيق والتحليل. هي فورية، مباشرة، وتدفع إلى الفعل بسرعة.
ومن هنا، تحولت من مجرد استجابة إنسانية إلى أداة يمكن توظيفها. لم يعد الهدف الأساسي هو إقناعك بفكرة، بل دفعك إلى حالة شعورية معينة، لأن هذه الحالة ستقودك تلقائيًا إلى تبني مواقف أو قرارات دون حاجة إلى إقناع طويل.
سوق غير مرئي للانفعالات
مع الوقت، لم يعد الأمر مجرد تأثير عشوائي، بل أصبح أقرب إلى نظام متكامل. هناك من ينتج محتوى مصممًا لإثارة مشاعر محددة، وهناك من يوزعه، وهناك من يقيس ردود الفعل ويعيد ضبط العملية.
وهكذا نشأ ما يمكن وصفه بسوق غير مرئي، تُتداول فيه المشاعر كما تُتداول السلع. ليست سلعة مادية يمكن لمسها، لكنها ذات قيمة عالية، لأن تأثيرها مباشر على السلوك.
القيمة فيما يُشعَر لا فيما يُقال
في هذا السوق، لا تُقاس القيمة بما يُقال، بل بما يُثيره. المحتوى الذي لا يحرّك شيئًا داخلك، لا قيمة له، مهما كان دقيقًا أو مهمًا. أما المحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الحماس، فهو الأكثر انتشارًا، وبالتالي الأكثر تأثيرًا.
ومع الوقت، يتم إنتاج المزيد من هذا النوع، ليس لأنه الأكثر صدقًا، بل لأنه الأكثر قدرة على البقاء داخل هذا النظام.
العواطف كسلاح سياسي: الغضب والخوف والأمل
في عالم السياسة الحديثة، لم تعد المشاعر مجرد ردود فعل فردية، بل أصبحت أدوات استراتيجية يمكن توظيفها لإعادة توجيه الانتباه، ضبط التفاعل، وحتى صناعة القبول أو الرفض. الغضب، على سبيل المثال، يستخدم كوقود سريع للانتشار، يدفع الأفراد إلى التفاعل والمشاركة وإعادة النشر فورًا، ما يجعله أداة مثالية في بيئة تعتمد على السرعة والتفاعل.
أما الخوف، فيعمل على إعادة ترتيب أولويات الإنسان، ويجعله أكثر استعدادًا للقبول أو التراجع أو البحث عن الأمان بأي شكل، في حين يُستخدم الأمل كصمام توازن، ليس لإشعال التفاعل، بل للحفاظ على الحد الأدنى من الثقة ومنع الانهيار الكامل للمجتمع.
في هذه البيئة، تتحول العواطف من مجرد شعور إنساني إلى أدوات قوة سياسية حقيقية، بحيث لا تحدد ما يشعر به المواطن فقط، بل توجه قراراته وخياراته، حتى قبل أن يدرك أنه متأثر بها.
السياسة كإدارة شعور
في هذا السياق، لم تعد السياسة كما كانت. لم تعد تعتمد فقط على البرامج أو الرؤى أو حتى الخطابات العقلانية، بل أصبحت مرتبطة بشكل كبير بإدارة الحالة الشعورية للمجتمع.
لم يعد السؤال: ما الذي سنقدمه؟ بل: كيف سنجعل الناس يشعرون؟ لأن الشعور هو ما يحدد القبول أو الرفض، الدعم أو المعارضة. يتم خلق حالة من القلق قبل قرارات صعبة، بحيث تبدو هذه القرارات كحل ضروري. يتم تضخيم الغضب في اتجاه معين، لتوجيه الانتباه بعيدًا عن اتجاه آخر. ويتم ضخ قدر محسوب من التفاؤل، للحفاظ على الحد الأدنى من الثقة.
التوجيه الذي يبدو حرية
هنا، يحدث تحول مهم جدًا، لأن الفرد لا يشعر أنه يتعرض للتوجيه. هو لا يُجبر على تبني رأي معين، بل يشعر أنه يتفاعل بشكل طبيعي مع ما يحدث. لكن هذا “الطبيعي” قد يكون في كثير من الأحيان نتيجة تصميم دقيق، حيث تم ترتيب الأحداث والمعلومات بطريقة تؤدي إلى هذا الشعور تحديدًا.
وهنا يصبح الفرق بين الاختيار الحر والتوجيه غير المرئي فرقًا دقيق جدًا، يكاد يختفي.
مجتمعات تُحلل وأخرى تُستهلك
الأكثر تعقيدًا في هذا المشهد هو أن المجتمعات لا تتأثر بنفس الدرجة. هناك مجتمعات تمتلك أدوات تحليل، ومؤسسات قادرة على تفسير ما يحدث، ومن ثم لديها قدر من الحماية. وهناك مجتمعات أخرى، خاصة في الدول النامية، تجد نفسها في موقع المتلقي فقط. لا تنتج المحتوى، ولا تتحكم في تدفقه، ولا تملك أدوات كافية لفهم آلياته. في هذه الحالة، لا يتم فقط استهلاك المعلومات، بل يتم استهلاك المشاعر المصاحبة لها، وكأنها جزء طبيعي منها.
التبعية الجديدة: استعمار الوعي
وهنا يظهر نوع جديد من التبعية، لا يتعلق بالاقتصاد أو السياسة بشكل مباشر، بل بالوعي نفسه.
يصبح المجتمع أكثر عرضة لأن يتحرك وفق موجات شعورية تأتيه من الخارج، دون أن يدرك ذلك.
قد يغضب لما يُراد له أن يغضب منه، ويخاف مما يُراد له أن يخاف منه، ويتجاهل ما يُفترض أن يكون أكثر أهمية بالنسبة له.
وهنا لا تكون المشكلة في نقص المعرفة، بل في توجيه الإحساس.
الاستهلاك حتى النفاد
لكن هذا النمط لا يمكن أن يستمر بلا تكلفة. الاستهلاك المستمر للمشاعر، خاصة في صورتها المكثفة، يؤدي مع الوقت إلى حالة من الإرهاق.
الإنسان لا يستطيع أن يظل في حالة غضب دائم، أو خوف مستمر، أو حتى حماس متواصل.
مع الوقت، يحدث نوع من التبلد. يفقد كل شعور حدّته، ويصبح كل شيء أقل تأثيرًا.
وهنا نصل إلى مرحلة خطيرة، لأن المجتمع يفقد قدرته على التفاعل الحقيقي، ليس لأنه لا يفهم، بل لأنه لم يعد يشعر بنفس القوة.
اللامبالاة كبيئة مثالية للسيطرة
في هذه المرحلة، لا تعود الحاجة كبيرة إلى أدوات التأثير، لأن اللامبالاة نفسها تصبح بيئة مناسبة لاستمرار الأمور كما هي؛ لا مقاومة، ولا حماس، ولا حتى اهتمام كافٍ لإحداث تغيير.
وكأن السوق الذي قام على تحفيز المشاعر، يصل في النهاية إلى استهلاكها بالكامل.
حرية ظاهرية… وتوجيه خفي
وربما المفارقة الأهم أن كل هذا يحدث في وقت يُنظر إليه على أنه عصر الحرية. حرية الوصول إلى المعلومات، حرية التعبير، حرية التفاعل.
لكن هذه الحرية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة استقلالًا كاملًا في تكوين المواقف، إذا كانت المشاعر التي تقود هذه المواقف قابلة للتوجيه.
فالفرد قد يختار، لكن اختياره يمر عبر شعور، وإذا كان هذا الشعور موجهًا، فإن مساحة الحرية تصبح أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.
حيث يُصنع القرار فعلا
في النهاية، لا يمكن اختزال الأمر في مؤامرة أو تخطيط شامل، بقدر ما هو نتيجة لتطور طبيعي في طريقة تفاعل الإنسان مع بيئة معقدة وسريعة. لكن إدراك هذه الحقيقة يظل ضروريًا. ليس بهدف الشك في كل شيء، بل لفهم أن ما نشعر به ليس دائمًا معزولًا عن السياق الأكبر.
وأن القرار، مهما بدا شخصيًا، يمر بمراحل قد لا ننتبه لها. لأن المسألة لم تعد فقط فيما نعرفه، بل فيما نشعر به أثناء معرفته. وبين المعرفة والشعور، تتشكل المسافة التي يُصنع فيها القرار.
وفي هذه المسافة تحديدًا، تُدار لعبة معقدة، هادئة، لكنها شديدة التأثير… لعبة لا تعتمد على فرض ما يجب أن نفكر فيه، بل على توجيه ما يجب أن نشعر به، حتى نصل نحن بأنفسنا إلى النتيجة المطلوبة، دون أن نشعر أننا وصلنا إليها إلا بإرادتنا الكاملة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...
في كثير من البيوت لا يُقال شيء بشكل صريح، لكن الأدوار تُفهم ضمنيًا؛ فالابن الأكبر لا يكون مجرد ترتيب في...
لم يعد العالم يُدار فقط بما نراه، بل بما نشعر به تجاه ما نراه. هذه ليست جملة إنشائية بقدر ما...
وادى النطرون هي ثالث منطقة باركتها العائلة المقدسة بعد سيناء والدلتا ورغم قرب موقع حصن بابليون من الدلتا لكن العائلة...