عالم بلا ضامن: لماذا بدأت القوى الإقليمية في بناء توازنها الخاص؟

لم تعد الأزمات الدولية تُقاس بحدّتها، بل بسرعة انفلاتها من أي إطار ضابط. فالعالم لا يشهد تصعيدًا استثنائيًا، بقدر ما يعيش لحظة تراجع صامت لمنظومة كاملة من القواعد التي حكمت التفاعلات الدولية لعقود. ومع كل أزمة جديدة، يتضح أن فكرة “الضامن الدولي” لم تعد قادرة على أداء دورها التقليدي، سواء عبر الدبلوماسية أو الردع أو حتى إدارة الصراعات بالوكالة.

نهال الشافعي
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 

تعثر المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن سوى أحد أعراض هذا التآكل. فالأزمة لم تتوقف عند خلاف على ملفات أو آليات، بل كشفت حدود قدرة القوى الكبرى على فرض تسويات شاملة في بيئات إقليمية شديدة التعقيد.

ومع تصاعد الضغوط المتبادلة، تحوّلت الدبلوماسية من أداة حل إلى أداة إدارة مؤقتة للتوتر، بما يفتح الباب أمام احتكاكات محسوبة قد تنزلق في أي لحظة إلى صدام أوسع.

في هذا السياق، لا تبدو إسرائيل استثناءً من منطق القوة المتصاعد، بل أحد أكثر تعبيراته وضوحًا. فالرؤية الإسرائيلية تقوم على افتراض أن غياب الاتفاقات الصلبة يمنح فرصة نادرة لفرض وقائع جديدة قبل أن تتغيّر موازين الردع.

من هنا، يصبح الضغط باتجاه الحسم العسكري أو شبه العسكري انعكاسًا لإدراك استراتيجي بأن الزمن لم يعد يعمل لصالح الانتظار، وأن مرحلة “إدارة الخطر” قد شارفت على نهايتها.

غير أن التحول الأهم لا يحدث فقط على مستوى القوى الكبرى أو اللاعبين التقليديين، بل داخل الإقليم نفسه. ففي ظل تراجع قدرة النظام الدولي على الضبط، بدأت بعض القوى الإقليمية في إعادة تعريف موقعها، لا بوصفها ساحات صراع، بل كفاعلين يسعون إلى تقليص كلفة الفوضى.

وهنا يبرز التقارب بين مصر وتركيا كحالة دالة، لا لأنها تنهي خلافات تاريخية، بل لأنها تعكس إدراكًا مشتركًا بأن كلفة الانتظار باتت أعلى من كلفة التفاهم.

هذا التقارب لا يمكن قراءته باعتباره تحالفًا تقليديًا أو اصطفافًا جديدًا، بل بوصفه محاولة لبناء “ضامن ذاتي” في بيئة دولية لم تعد تضمن شيئًا.

فالقاهرة وأنقرة، رغم تباين مصالحهما في ملفات متعددة، التقتا عند حقيقة مركزية: الفراغ في ميزان القوة الإقليمي سيُملأ حتمًا، إما بتدخلات خارجية أكثر خشونة، أو بتفاهمات إقليمية أقل كلفة. ومن هنا، يصبح التنسيق خيارًا دفاعيًا قبل أن يكون مشروع نفوذ.

تتضاعف دلالة هذا التحول مع انتهاء معاهدة نيو ستارت بين الولايات المتحدة وروسيا، وهو التطور الذي أعاد العالم فعليًا إلى منطق السباق المفتوح بلا سقوف واضحة. فحين تسقط آخر أدوات الضبط الاستراتيجي، تصبح المناطق غير المحصّنة بتوازنات إقليمية ذاتية أكثر عرضة لأن تتحول إلى مسارح اختبار لقوة الآخرين.

اللافت أن التحركات الإقليمية الجديدة لا تسعى إلى كسر النظام الدولي بقدر ما تحاول التكيّف مع غيابه الجزئي. فالعالم يقف اليوم بين نظام يحتضر وآخر لم يتشكل بعد، وفي هذا الفراغ، تبرز القوى القادرة على التنسيق وبناء المصالح المتبادلة بوصفها عناصر استقرار نسبي، لا بوصفها مصادر تهديد إضافية. وهذا ما يمنح مثل هذه التحركات قيمة تتجاوز لحظتها الزمنية.

في المحصلة، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان العالم يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، بل من يمتلك القدرة على تقليل خسائره في عالم أقل قابلية للتنبؤ.

فحين تتراجع القواعد، لا يبقى أمام الدول سوى خيارين: إما انتظار ارتدادات الفوضى، أو المبادرة بصناعة توازن يحمي الحد الأدنى من الاستقرار.

وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح النظام الإقليمي القادم، لا بقرارات القوى الكبرى وحدها، بل بقدرة الفاعلين الإقليميين على قراءة اللحظة قبل أن تفرض عليهم نتائجها.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

وانطلق مدفع الإفطار، حكايات رمضانية

شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...

متلازمة المناسبات السعيدة: لماذا نحزن حين يُفترض أن نفرح؟

في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...

في حضرة آل البيت.. هنا القلوب تشرق وتنتشي بسكينة المدينة المنورة

إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...

عالم بلا ضامن: لماذا بدأت القوى الإقليمية في بناء توازنها الخاص؟

لم تعد الأزمات الدولية تُقاس بحدّتها، بل بسرعة انفلاتها من أي إطار ضابط. فالعالم لا يشهد تصعيدًا استثنائيًا، بقدر ما...