في خطوة على طريق الحرب التجارية بين واشنطن وبكين.. وفي نفس يوم تنصيب الرئيس الأمريكي ترامب كشفت شركة "ديب سيك DeepSeek" الصينية الرائدة في مجال الذكاء الصناعي، عن تطبيقها الرسمي لمنافسة نظيره الأمريكي "تشات جي بي تي ChatGPT " التابع للشركة الأمريكية "أوبن إيه آي".
وربما لم يتخيل الخبراء في عالم الذكاء الاصطناعي أن تتمكن الصين من التغلب على الحظر التكنولوجي المفروض عليها، وأن تقدم للعالم روبوت دردشة يتصدر قائمة التطبيقات التي أقبل المستخدمون على تحميلها من المتاجر الإلكترونية، بما أثر على السوق التكنولوجية الأمريكية.
فقد استطاع "ديب سيك" أن يحظى باهتمام صناعة التكنولوجيا بأكملها في الولايات المتحدة وخارجها، منذ أن صدر في 20 يناير، وتقول شركة "سنسور تاور" التحليلية إن التطبيق حقق 3 ملايين عملية تحميل منذ إطلاقه.
وعلى الرغم من الحظر المفروض على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين، إلا أن بكين تغلبت على هذا التحدي وتمكنت من صنع روبوت تقول إن تكلفته لا تساوي شيئا أمام تكلفة "تشات جي بي تي".
حيث يقول باحثون شاركوا في تطوير "ديب سبك" أنه تم تطويره بأقل من 6 ملايين دولار وهو رقم أقل بكثير من المليارات التي أنفقها المنافسون الدوليون على برامجهم الخاصة، حيث تفخر الشركة بأن تطبيقها "يتمتع بأداء على قدم المساواة مع "شات جي بي تي" عندما يتعلق الأمر بالرياضيات والترميز وكتابة الاستجابات.
وهو ما تسبب في خسارة شركة "إنفيديا" العملاقة لصناعة الرقائق، ما يقرب من 600 مليار دولار (أي نحو 482 مليار جنيه استرليني) من قيمتها السوقية، فيما تعد أكبر خسارة في يوم واحد في تاريخ الولايات المتحدة،حتى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إنه بمثابة "جرس إنذار" للشركات الأمريكية التي حثها ترامب على أن تركز اهتمامها على "التنافس في سبيل الفوز".
ومنذ إطلاق OpenAI لنموذج "تشات ي بي تي" في أواخر عام 2022، دخلت الشركات الصينية سباق تطوير نماذج ذكاء اصطناعي مماثلة، ورغم الإحباط الأولي من أداء النماذج الصينية مقارنة بالأمريكية، إلا أن "ديب سيك" قلبت هذا التصور بفضل كفاءة نماذجها وتكلفتها المنخفضة.
* ماهو ديب سيك؟
من كتابة التقارير والإجابة على مختلف التساؤلات إلى التخطيط للرحلات والتمارين الرياضية وتعلم مهارات جديدة.. وجدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي طريقها إلى حياة العديد من البشر حول العالم.
و"ديب سيك" هو روبوت محادثة مجاني يعمل بالذكاء الاصطناعي، مثل "تشات جي بي تي" و"جيميني" وهذا يمكن التطبيق من التنبؤ بعادات تسوق الأشخاص، وإنشاء محتوى جديد بالنصوص والصور، وأيضا التحدث مثل الإنسان، ويقول مطوروه إنه مصمم "للإجابة عن أسئلتك وتحسين حياتك بكفاءة".
ويعتمد الروبوت على نموذج الذكاء الاصطناعي المسمى R1 الذي يحتوي على نحو 670 مليار باراميتر، ما يجعله أكبر نموذج لغوي مفتوح المصدر.
* الحظر الأمريكي
تزامن ظهور "ديب سيك" مع حظر الولايات المتحدة لبيع تقنيات الرقائق المتقدمة المستخدمة في تطوير الذكاء الاصطناعي للصين، ما دفع المطورين الصينيين إلى مشاركة أعمالهم فيما بينهم، وتجربة أساليب جديدة للتكنولوجيا حتى يواصلوا عملهم في ظل عدم توفر إمدادات مستقرة من تلك الرقائق المتقدمة.
ونتج عن ذلك التعاون نماذج للذكاء الاصطناعي تتطلب قدرات حوسبة أقل كثيرا من ذي قبل، كما يعني ذلك أن تكلفة هذه النماذج أقل أيضا مما كان يعتقد في السابق، بالإضافة إلى قدرتها أن تحدث تحولا جذريا في هذه الصناعة.
من الذي أسس ديب سيك؟
أسس لينج وينفينج، خريج هندسة المعلومات والإلكترونيات البالغ من العمر 40 عاما، الشركة التي انتجت تطبيق "ديب سيك" عام 2023 في مدينة هانجتشو جنوب شرقي الصين.
وتقول تقارير إن وينفينج احتفظ برقائق إلكترونية من نوع "إنفيديا أيه 100" التي تم حظر تصديرها إلى الصين حاليا.
ويعتقد الخبراء أن هذه المجموعة من الرقائق، التي يقدرها البعض بنحو 50 ألفا، ساعدته في إطلاق تطبيق "ديب سيك"، من خلال الجمع بين هذه الرقائق وأنواع أخرى أقل تكلفة لا تزال متاحة للاستيراد في الصين.
* حرب الذكاء الاصطناعى تشتعل
في وقت قصير أصبح "ديب سيك" حديث الساعة في الأوساط التقنية والاقتصادية، متفوقا على منافسيه في الولايات المتحدة، ما دفع العديد من المحللين والمستثمرين إلى إعادة تقييم الوضع في سوق الذكاء الاصطناعي.
ومنذ إطلاق نماذجها المتقدمة أثبتت "ديب سيك" قدرتها على تقديم أداء متفوقا أو مماثلا لنماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، لكن الميزة الأبرز التي تميز هذه النماذج الصينية عن غيرها هي التكلفة المنخفضة بشكل غير مسبوق.
ووفقا للتقارير، فإن تكلفة استخدام نموذج "ديب سيك" أقل من 20 إلى 50 مرة مقارنة بنماذج "OpenAI" و"جوجل"، وهذا ما جعل "ديب سيك" تتحول بسرعة إلى منافس قوي في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي بل وتحدي مباشر للسيطرة الأمريكية على السوق، حيث أن النماذج المغلقة المصدر التي تقدمها شركات مثل "OpenAI" و"جوجل" كانت تهيمن على السوق لسنوات.
ومع هذه التحولات الكبيرة، أصبح العالم على أعتاب حقبة جديدة في الذكاء الاصطناعي، حيث يتوقع أن تسهم "ديب سيك" بشكل كبير في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، ما سيؤدي إلى تغييرات جذرية في أساليب العمل في العديد من القطاعات.
* تأثير اقتصادي
لم تقتصر تأثيرات "ديب سيك" على قطاع التكنولوجيا فقط، بل امتدت لتؤثر بشكل كبير على أسواق الأسهم الأمريكية، بعد أن تفوقت "ديب سيك" على "ChatGPT" في المتاجر الرقمية، وشهدت أسواق الأسهم العالمية موجة من الهبوط الحاد.
وأحدث صعود تطبيق "ديب سيك" اضطرابا في الأسواق، حيث انخفضت أسهم شركة "ايه إس إم إل" الهولندية لصناعة الرقائق الإلكترونية بأكثر من 7%، بينما انخفضت أسهم شركة "سيمنز إنرجي" المتخصصة في صناعة الأجهزة ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، بمقدار الخمس.
وبينما يرى البعض أن "ديب سيك" تمثل تهديدا حقيقيا لهيمنة الشركات الأمريكية الكبرى، يشكك آخرون في مدى تأثيرها على المدى الطويل، فبالرغم من التكلفة المنخفضة والكفاءة العالية التي تقدمها "ديب سيك"، فإن شركات مثل "إنفيديا" تظل رائدة في مجال توفير الشرائح الحاسوبية التي تدير مراكز البيانات، التي تعد المصدر الرئيسي لإيرادات هذه الشركات.
من ناحية أخرى، يرى بعض الخبراء أن "ديب سيك" قد لا تشكل تهديدا مباشرا على مراكز البيانات التي تعتمد عليها الشركات الكبرى، لكنها بالتأكيد تهدد هيمنة هذه الشركات على التطبيقات المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الشخصية، وبالنسبة لبعض المحللين فإن "ديب سيك" قد تفتح الباب أمام دخول تقنيات جديدة في أسواق الذكاء الاصطناعي، مما يجعل من الصعب على الشركات الأمريكية الاستمرار في فرض سيطرتها على هذا المجال.
* ردود خاضعة للرقابة
يواجه "ديب سيك" اتهامات بفرض رقابة على عدد كبير من الاستفسارات حيث أظهر اختبار أجرته إحدى شركات الذكاء الاصطناعي أن النموذج يرفض الإجابة على استفسارات محددة حول الصين، خاصة تلك التي تتعارض مع سياسات الحزب الشيوعي الصيني.
وأوضح الاختبار أن النموذج إما يرفض الإجابة تماما أو يقدم ردودا عامة على أكثر من 1,000 استفسار تتعلق بمواضيع حساسة أو أنه قد تم تجهيزه بخصائص غريبة، مثل تقديم إجابات حيادية وملتوية في بعض الأحيان أو رفض الإجابة على أسئلة سياسية معينة.
وكشفت شركة مختصة في اختبار نماذج الذكاء الاصطناعي أنها قامت بإنشاء مجموعة بيانات تحتوي على استفسارات حول مواضيع حساسة يرجح أن تخضع للرقابة وتشمل هذه المواضيع قضايا دائمة مثل استقلال تايوان، الروايات التاريخية حول الثورة الثقافية، وأسئلة حول شي جين بينغ.
ووفقا للاختبار، وعند سؤال التطبيق عما إذا كانت هناك انتهاكات لحقوق الإنسان في شينجيانج، أجاب أن "ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان لا أساس لها من الصحة ولها دوافع سياسية".
وتختلف هذه الإجابة المخيفة اختلافا كبيرا عن برنامج الدردشة الآلي المفضل الأصلي "تشات جي بي تي"، والذي يقدم فقط إجابة واضحة بنعم.
وعند سؤاله عن تايوان، أجاب الذكاء الاصطناعي أن البلاد "جزء لا يتجزأ من الصين".
تماما مثل مواقع الويب المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي في الصين، من الواضح أن برامج الدردشة الآلية مقيدة بشدة أيضا، لدرجة أنه يرفض أيضا الإجابة على الأسئلة السياسية.
ويرى الخبراء أن هذا النوع من الرقابة لايعد مفاجئا، نظرا لأن نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتخذ من الصين مقرا لها ملزمة بالالتزام باللوائح الصارمة التي تفرضها الدولة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث...
اعلان المتحف المصري الكبير منشأة محايدة كربونيا وزيارة ويل سميث الأهرامات خلال إجازته في مصر.. كانت أهم حصاد وزارة السياحة...
"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونا".. كلمات الأديب الكبير نجيب محفوظ ، وشعار معرض الكتاب 2026 في دورته السابعة...
في تظاهرة ثقافية عربية كبرى تحتضنها القاهرة للمرة الثالثة.. وتحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية.. وبالتزامن مع اليوم...