قمة موسكو.. محطة مرتقبة لتعزيز الشراكة ودعم التنمية بالقارة السمراء



في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها في إفريقيا وترسيخ شراكتها مع دول القارة، مستندة إلى التعاون الاقتصادي والتجاري ونقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر البشرية.

وبين تأكيد موسكو دعم نظام عالمي متعدد الأقطاب، وتجاوز التبادل التجاري مع الدول الإفريقية 27 مليار دولار خلال عام 2025، تبرز قمة روسيا وإفريقيا 2026 بوصفها محطة مرتقبة لدفع التعاون نحو مشروعات عملية تخدم التنمية والمصالح المشتركة.

وتنطلق اليوم الأربعاء القمة الثالثة الروسية الإفريقية، وتستمر على مدى يومين بمشاركة 48 دولة، بينها 22 دولة ممثلة على مستوى رؤساء الدول، ومن المتوقع حضور أكثر من 2000 ضيف، سيشاركون في نحو 40 جلسة نقاش تهتم بمجالات مختلفة، بينها قضايا السيادة، والتنمية المستدامة، والتكنولوجيا.

وتكتسب القمة أهمية خاصة في ضوء ما تحمله من رسائل سياسية واقتصادية، إذ تسعى موسكو إلى تأكيد استمرار علاقاتها مع الدول الأفريقية، وتحويل الروابط التاريخية إلى مشروعات واستثمارات تحقق مصالح مشتركة، فيما تتطلع دول القارة إلى توسيع خياراتها الاقتصادية والتنموية وتعزيز استقلالية قراراتها.

وتأتي هذه القمة عقب قمتين سابقتين بين روسيا وإفريقيا، عقدت أولاهما في سوتشي عام 2019، والثانية في سان بطرسبرغ سنة 2023، وعكستا مساعي موسكو لتعزيز حضورها بالقارة الإفريقية.

قمة موسكو 2026.. ملفات اقتصادية وتنموية تتصدر جدول الأعمال

تستهدف القمة تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين موسكو والدول الإفريقية، مع بحث سبل التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والاستثمار والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.

قضايا التكنولوجيا والاقتصاد والتنمية وتطوير العلاقات الثنائية ستتصدر أجندة القمة، إلى جانب التعاون في مجالات الأمن والاستقرار الإقليمي.

ومن المتوقع أن تشهد الاجتماعات توقيع اتفاقيات في مجالات التجارة والاستثمار والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، إلى جانب اعتماد خطة عمل للفترة من 2027 إلى 2029.

كما يحظى الأمن الغذائي باهتمام خاص، في ظل اعتماد عدد من الدول الأفريقية على واردات الحبوب والأسمدة الروسية.

كما تعتزم روسيا عرض منظومة دفاعية جديدة متعددة الطبقات لمكافحة الطائرات المسيرة، صُممت لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، بما يشمل الجسور والمباني ومرافق الطاقة والصناعة.

الرئيس السيسي يرأس وفد مصر بالقمة

ووصل الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الاربعاء، إلى العاصمة الروسية موسكو، لترؤس وفد مصر في القمة الروسية – الأفريقية الثالثة.

هذه المشاركة تُعد الثالثة للرئيس في أعمال القمة الروسية – الأفريقية، حيث شارك في القمة الأولى التي عقدت في مدينة سوتشي الروسية في أكتوبر 2019 تحت الرئاسة المشتركة للرئيس والرئيس الروسي، وذلك خلال فترة تولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي، كما شارك سيادته في أعمال القمة الثانية التي عقدت بمدينة سان بطرسبرج عام 2023.
 
ومن المُقرر أن يلقي الرئيس كلمة مصر خلال الجلسة العامة للقمة صباح غدٍ الخميس، كما يعقد عدداً من اللقاءات الثنائية على هامش أعمالها، في مقدمتها لقاء مع الرئيس فلاديمير بوتين، رئيس روسيا الاتحادية.

زاخاروفا: شراكة قائمة على المساواة والمنفعة المتبادلة

أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، تضامن موسكو مع الدول الإفريقية في سعيها إلى إقامة نظام عالمي أكثر عدالة وتعددية، وتعزيز مكانة القارة باعتبارها مركزًا مستقلًا ومؤثرًا في التنمية العالمية.

جاء ذلك خلال لقائها رؤساء المؤسسات الإعلامية والصحفيين وممثلي وسائل الإعلام الإفريقية، في إطار المنتدى الإعلامي «روسيا – إفريقيا»، الذي عُقد في موسكو أمس.

وأوضحت زاخاروفا أن السياسة الخارجية الروسية، وفق مفهومها المحدّث المعتمد عام 2023، تدعم تطلعات الدول الإفريقية إلى تعزيز دورها الدولي، مشيرة إلى أن أولويات التعاون تشمل دعم السيادة الإفريقية، وتسوية النزاعات وفق مبدأ «حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية»، وتعزيز التعاون في إطار الاتحاد الإفريقي ومنتدى الشراكة الروسية ال‘فريقية، إلى جانب توسيع التجارة والاستثمارات والعلاقات الثقافية.

وأكدت أن موسكو تنظر إلى الدول الإفريقية باعتبارها شركاء مستقلين ومتساوين، وأن العلاقات بين الجانبين تستند إلى الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة والالتزام بالقانون الدولي.

وأضافت زاخاروفا خلال المنتدى الإعلامي الروسي الإفريقي المنعقد أمس، أن إمدادات الأسمدة المعدنية "ارتفعت من 1.5 مليون طن عام 2025 إلى أكثر من 2.2 مليون طن خلال السنة الجارية"، مشيرة إلى وجود "22 لجنة حكومية مشتركة بين روسيا والدول الإفريقية لتعزيز التعاون الثنائي".

تعاون تاريخي في الصناعة والتعليم

استعرضت زاخاروفا جوانب من التعاون التاريخي بين الجانبين، مشيرة إلى مشاركة متخصصين سوفييت في بناء نحو 30 منشأة كبرى للطاقة في أفريقيا، وثلاث مصافٍ للنفط، و29 مؤسسة للصناعات الهندسية وتشغيل المعادن، و40 منشأة زراعية، ونحو 100 مؤسسة تعليمية.

وأضافت أن قرابة 480 ألف متخصص أفريقي تلقوا تدريبهم المهني في الاتحاد السوفييتي وروسيا، فيما يدرس حاليًا أكثر من 40 ألف طالب أفريقي في الجامعات الروسية.

موسكو صدرت "أكثر من 18 مليون طن من الحبوب إلى الدول الإفريقية العام الماضي"، وحوالي "13 مليون طن إضافية خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026".

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أوضحت أن روسيا تمتلك 48 سفارة في القارة، مع التخطيط لافتتاح سفارة جديدة في ليبيريا، بعد افتتاح بعثات جديدة واستئناف العمل في بعثات أخرى منذ عام 2022.

التجارة والحبوب والأسمدة في صدارة التعاون الاقتصادي

بحسب البيانات التي عرضتها زاخاروفا، تجاوز حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الأفريقية 27 مليار دولار خلال عام 2025، فيما بلغت صادرات الحبوب الروسية إلى القارة أكثر من 18 مليون طن خلال العام نفسه، ونحو 13 مليون طن إضافية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.

كما ارتفعت إمدادات الأسمدة المعدنية من 1.5 مليون طن عام 2025 إلى أكثر من 2.2 مليون طن خلال العام الجاري، مع وجود 22 لجنة حكومية مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي.

وتعكس هذه الأرقام أهمية الأمن الغذائي والزراعة والتجارة في الشراكة الروسية الأفريقية، إلى جانب التعاون في الطاقة والصناعة والاستثمار.

لافروف: مستعدون لدعم التنمية ونقل التكنولوجيا

من جانبه، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، استعداد بلاده لمساعدة الدول الأفريقية في المجالات الاقتصادية والتنموية والقطاعات الحيوية، استمرارًا لما وصفه بالنهج التاريخي الذي بدأ منذ عهد الاتحاد السوفيتي.

وأوضح لافروف أن موسكو تركز على مساعدة الدول الأفريقية في دخول قطاعات جديدة، واكتساب المهارات، وإتقان التقنيات الحديثة، وتأهيل الكوادر البشرية اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة.

وقال: «نحن هنا في روسيا مستعدون لأصدقائنا، كما كان ذلك خلال الاتحاد السوفيتي، نساعدهم في العمل في قطاعات جديدة، وتعلم المهارات، وإتقان تقنيات جديدة، وتعليم الكوادر للقيام بذلك».

وأعرب لافروف عن تطلعه إلى أن تسفر قمة روسيا وأفريقيا 2026 عن حلول عملية ونتائج ملموسة تصب في مصلحة الدول الأفريقية وشعوبها، مؤكدًا أن

وبين توسيع التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز إمدادات الغذاء والأسمدة، ونقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر، تسعى موسكو إلى دفع شراكتها مع أفريقيا نحو مجالات أوسع، بالتوازي مع تأكيد دعمها تعزيز دور القارة في النظام الدولي.

 

الدول الإفريقية .. مكانة بارزة في السياسة العالمية

إفريقيا تحتل مكانة بارزة على الساحة الدولية، من خلال جوانب متعددة ، حيث أصبح الاتحاد الإفريقي عضوًا في مجموعة العشرين الكبرى،
وتتولى جنوب إفريقيا رئاستها، هذا يعكس أن إفريقيا تكتسب صوتًا أكثر قوة في الساحة الدولية”،

كما يوجد في مجموعة بريكس تكتل إفريقي: الدول الأعضاء هي جنوب إفريقيا ومصر وإثيوبيا، بينما الشركاء هم نيجيريا وأوغندا.

كما انضمت الجزائر إلى البنك الجديد للتنمية، وهو في الواقع شريك في التحالف، و الدول الإفريقية ترغب في أن تكون قطبًا في السياسة العالمية، وأن تدمج نفسها بشكل متزايد في الهيكل الدولي، وتسعى للتأثير في المؤسسات الحالية وتدعم إنشاء مؤسسات جديدة.

و تسعى إفريقيا لأن يكون لها صوت أكثر وضوحا في الشؤون العالمية، و لديها استراتيجيات تنموية وطنية طويلة الأجل حتى 2040 أو 2050.

من سوتشي إلى موسكو.. ثلاث قمم تؤسس لشراكة استراتيجية

- الأولى.. قمة سوتشي عام 2019 .. عُقدت في أكتوبر 2019 برئاسة مشتركة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأعادت إطلاق العلاقات بحضور ثلاثة وأربعين رئيس دولة، ووقعت خلالها 92 اتفاقا بقيمة تزيد على تريليون روبل.

وشكلت نقطة تحول نحوأسس مؤسسية جديدة، وأطلقت المنتدى الاقتصادي الروسي-الإفريقي

- الثانية.. قمة سانت بطرسبورغ 2023.. عقدت في يوليو 2023 ، و استكملت مسار تعزيز الحوار السياسي والأمني بين موسكو والعواصف الإفريقية وسط تحولات دولية متسارعة.

وعقدت تحت ضغط غربي مباشر على العواصم الإفريقية لمقاطعتها، ومع ذلك حضرتها وفود من غالبية دول القارة، وأعلن خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توريد الحبوب مجانا إلى ست دول إفريقية، وخرجت بإعلان وخطة عمل لمنتدى الشراكة للفترة 2023-2026.

- الثالثة.. قمة موسكو .. وتأتي بعد مسار تحضيري أكثر انتظاما من سابقتيها، شمل اجتماعا وزاريا ثانيا في القاهرة في 20 ديسمبر 2025، ثم مشاورات رفيعة المستوى في أديس أبابا في 7 يوليو 2026 بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف.

واتفق الطرفان خلال هذه المشاورات على مراجعة خطة 2023-2026 واعتماد خطة جديدة للفترة 2027-2029، وإجراء مشاورات سياسية سنوية وحوارات قطاعية.

ويمثل ذلك التطور المؤسسي الأهم منذ عام 2019؛ إذ تنتقل العلاقة من لقاءات القمة كل بضع سنوات إلى آلية متابعة ثابتة مع المؤسسة القارية.

العلاقات الروسية الافريقية.. إرث تاريخي

تمر العلاقات الروسية-الإفريقية بمحطات وتطورات بارزة في التعاون السياسي والاقتصادي، مدعومة بإرث تاريخي من دعم الاتحاد السوفييتي لحركات التحرر الوطني في القارة، وصولاً إلى الشراكة المؤسسية الحديثة.

أولاً: محطات التعاون السياسي والدبلوماسي

- الحقبة السوفييتية:

قدم الاتحاد السوفييتي دعماً سياسياً وعسكرياً لمحركات التحرر في دول مثل الجزائر، أنغولا، موزمبيق، وجنوب إفريقيا.
كما أسهم في تدريب مئات الآلاف من الكوادر والمهنيين الأفارقة في الجامعات السوفييتية.

- التمثيل الدبلوماسي.. تمتلك روسيا حالياً 48 سفارة في القارة الإفريقية، مع خطط لافتتاح سفارات جديدة مثل ليبيريا.

ثانياً: محطات التعاون التجاري والاقتصادي

حجم التبادل التجاري:
بلغ حجم التجارة بين روسيا والدول الإفريقية نحو 27 مليار دولار في عام 2025.

أبرز الصادرات والقطاعات:

الطاقة والنووي: تشارك شركات مثل "روساتوم" في توقيع اتفاقيات تعاون نووي (كما في مالي وبوركينا فاسو)، إضافة إلى مشروعات كبرى مثل محطة الضبعة للطاقة النووية في مصر. وتعمل "لوك أويل" في قطاع الإنتاج بنيجيريا.

الأمن الغذائي والزراعة: تشكل صادرات الحبوب والأسمدة الروسية ركيزة أساسية للأمن الغذائي في العديد من دول القارة.

التكنولوجيا والتحول الرقمي: تساهم شركات تكنولوجيا المعلومات الروسية في مشاريع مراكز البيانات والأمن السيبراني، ويقوم المركز الأفرو-روسي بتدريب الكوادر في مجالات التقنية.

التسويات المالية: اعتمد الجانبان بشكل متزايد على أنظمة دفع بديلة لنظام "سويفت"، حيث بلغت نسبة المعاملات التجارية بالعملة المحلية (الروبل) نحو 84% في عام 2025.

 

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ذكرى استقلال أوكرانيا.
تقرير
قمة ألاسكا بين بوتين وترامب
قمة باريس
العقوبات على روسيا

المزيد من تقارير عرب وعالم

قمة موسكو.. محطة مرتقبة لتعزيز الشراكة ودعم التنمية بالقارة السمراء

في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها في إفريقيا وترسيخ شراكتها مع دول القارة، مستندة...

انتخابات البرازيل.. لولا دا سيلفا يفوز بولاية رابعة تاريخية

فوز دراماتيكي للرئيس البرازيلي اليساري لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رابعة تاريخية، متغلباً على السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو بفارق...

من مكة إلى العالم.. مؤتمر ومعرض الحج يعرض أحدث الحلول للارتقاء بخدمة الحجاج

من أجل الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، ورفع مستوى الجاهزية لموسم الحج المقبل ، تستضيف جدة  النسخة السادسة من...

الأنظمة الصوتية في الحرمين الشريفين.. منظومة تقنية متكاملة لتوفير بيئة إيمانية

تمثل الأنظمة الصوتية في المسجد الحرام والمسجد النبوي منظومة تقنية متكاملة تتجاوز مهمة نقل الصوت، لتسهم في توفير بيئة صوتية...