أعرافي.. الرجل الثالث في المجلس المؤقت والمرشح الأوفر حظًا في خلافة خامنئي 

د. محمد عمر سيف الدين – باحث في الشؤون الإيرانية

عقب تأكيد وسائل الإعلام الرسمية في إيران خبر مقتل المرشد الأعلى "علي خامنئي" خلال الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على طهران يوم السبت 28 فبراير 2026، شُكل وفقًا للدستور الإيراني، مجلس مؤقت من رئيس الجمهورية "مسعود بزشكيان"، ورئيس السلطة القضائية "غلام حسين مُحسني إيجئي"، وفقيه من مجلس صيانة الدستور "علي رضا أعرافي"، يتولى إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، ريثما يجتمع "مجلس خبراء القيادة"، المكون من 88 فقيهًا، ويختار مرشدًا جديدًا تتوفر فيه صفات القدرة على الفتوى، والعدل، والتقوى، والشجاعة، والرؤية السياسية الثاقبة، وحسن التدبير والإدارة والقيادة.

يعتبر "أعرافي" الرجل الثالث في المجلس المؤقت، أحد الأسماء المرشحة بقوة لخلافة "خامنئي"، نظرًا لقربه من المرشد الراحل، وخلفيته الطويلة في الحوزات الدينية، فضلًا عن آرائه المتماشية مع أيديولوجيات الثورة الإيرانية وأفكار التيار الأصولي المهيمن على صناعة القرار السياسي داخل النظام الثيوقراطي. 

النشأة والدراسة

ولد "علي رضا أعرافي" عام ١٩٥٩م في مدينة "مِيبُد" بمحافظة "يزد". كان أبوه "محمد إبراهيم أعرافي" من رجال الدين الناشطين في عصره، حيث لعب دورًا بارزًا في معارضة نظام الشاه "محمد رضا بهلوي"، وكان على صلة وثيقة برجال الدين المقربين من قائد الثورة "الخميني". أما أمه؛ فكانت ابنة الشيخ "كاظم ملك أفضلي أردكاني".

تلقى "أعرافي" تعليماته الدينية الأولية، بما فيها قراءة القرآن الكريم، والآداب الدينية، والأحكام الشرعية، في طفولته على يد أبيه وبعض الأساتذة الآخرين. في عام ١٩٧٠م، انتقل إلى مدينة "قم"، وبعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية، بدأ دراسته في الحوزة العلمية اعتبارًا من عام ١٩٧١م.

عقب استكمال تعاليمه الأساسية، شرع منذ عام ١٩٧٧م في مرحلة "البحوث الخارجية"؛ وهي آخر المراحل الدراسية في الحوزات العلمية الشيعية، حيث يقوم الطالب فيها بتحضير مواد المحاضرات بنفسه من أصول وفقه وتفسير وغيرها، واستخلاص رأيه الخاص فيها، وحجته في المناقشات مع أساتذة التكليف. خلال هذه الفترة؛ تتلمذ على يد عدد من مراجع التقليد الشيعية الكبار، أمثال: مرتضى حائري، ومحمد فاضل لنكراني، وحسين وحيد خراساني، وجواد تبريزي، وعلي مشكيني، وحسن حسن زاده الآملي. بالإضافة إلى ذلك؛ حضر دروس الفلسفة لدى "محمد تقي مصباح يزدي".

قام "أعرافي" بالتدريس سنوات طويلة في الحوزة العلمية والجامعات الإيرانية المختلفة، مثل: جامعة "العلامة طباطبائي"، وجامعة "تربيت مدرس" (إعداد المعلمين). كما تولى الإشراف والمشاركة في الإشراف على عدد كبير من الأطروحات العلمية.

بدأ "أعرافي" نشاطه السياسي منذ صباه، حيث رافق أباه في نضاله الوطني ضد النظام الملكي، مما أدى إلى اعتقاله، وهو في السادسة عشرة من عمره، وسجنه فترة من الوقت.

في عام ١٩٧٩م، دُشن "مجلس الإشراف على الطلاب غير الإيرانيين"، وكان يتولى تنظيم شؤون الطلاب الأجانب في حوزة قم العلمية. في عام ١٩٨٦م، بعد تغيير هيكل المجلس الإداري واتساع نشاطاته، تغير اسمه إلى "المركز العالمي للعلوم الإسلامية".

كان المركز يُدار بشكل مستقل حتى عام ١٩٩٣م، ثم أصبح يُدار تحت إشراف المرشد الأعلى مباشرة. في عام ٢٠٠٢م، تقلد "أعرافي" رئاسة هذا المركز بأمر من "علي خامنئي". في أبريل ٢٠٠٨م دُمج هذا المركز مع "منظمة المعاهد والحوزات العلمية خارج إيران"، وتأسست هيئة جديدة باسم "جامعة المصطفى العالمية"، حيث تولى "أعرافي" رئاستها منذ انطلاق نشاطها حتى عام ٢٠١٨م.

المناصب العلمية والدينية

تقلد "أعرافي" عددًا من المناصب العلمية والدينية الرفيعة في الدولة؛ منها: عضو هيئة أمناء جامعة علوم ومعارف القرآن الكريم، عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية، عضو "جماعة المدرسين" في الحوزة العلمية بقم، مدير الحوزة العلمية في "قم" والحوزات العلمية للرجال والنساء في مدينة "ميبد" والحوزات العلمية في عموم البلاد، إمام الجمعة في مدينة "ميبد"، وإمام الجمعة في مدينة "قم".

ترشح "أعرافي" في انتخابات مجلس خبراء القيادة عام ٢٠١٦م عن دائرة محافظة طهران الانتخابية، لكنه لم يوفق في الحصول على الأصوات اللازمة. في انتخابات مجلس خبراء القيادة التكميلية عام ٢٠٢١م، جرب حظه مرة أخرى عن دائرة طهران، ونجح في الفوز بمقعد في المجلس.

خلال الدورة السادسة لانتخابات مجلس خبراء القيادة في فبراير ٢٠٢٤م، حاز أعرافي على المركز الأول عن دائرة طهران بحصوله على ٨٨٨,٦١٨ صوتًا. كما عُيّن عضوًا في مجلس صيانة الدستور بأمر من "خامنئي" منذ ١٥ يوليو ٢٠١٩م.

في غضون السنوات القليلة الماضية، كان اسم "علي رضا أعرافي" مجهولًا لدى الكثيرين؛ وإذا نُشرت أخبار عنه، كان يسبق اسمه لقب "حجة الإسلام"، بينما يحمل الآن لقب "آية الله".

في انتخابات مجلس خبراء القيادة الأخيرة عام ٢٠٢٤م، لم يتوقع أحد أن يحصل على المركز الأول عن دائرة طهران، متفوقًا على شخصيات بارزة مثل العالم الديني والسياسي المعروف "محمد علي موحدي كرماني"، والرئيس الراحل "إبراهيم رئيسي".

حظي "أعرافي" بثقة "خامنئي"، وكان ضمن الدائرة المقربين منه. علاقته الوطيدة بالمرشد الأعلى مهدت له طريق التدرج في المناصب العلمية والدينية رويدًا رويدًا، مما جعله اسمًا مطروحًا لخلافة "خامنئي".

المواقف السياسية

دأب "أعرافي" خلال خطاباته ومواقفه السياسية العامة على أن يعكس رؤية المرشد الأعلى ويستعرض آراءه في أطر نظرية. في ١٦ أبريل ٢٠١٦م تحدث عن ضرورة بلورة "رؤية عقلانية" قادرة على مواجهة "العقلانية الغربية"، وفي الوقت ذاته تشمل مفاهيم مثل التفاوض، والمقاومة، والجهاد، والثورة.

كانت مواقف "أعرافي" في مجالي القضايا الداخلية والسياسة الخارجية متماشية تمامًا مع سياسات المرشد الأعلى المعلنة؛ حيث شدد على استمرار البرامج الدفاعية، وضرورة الرد على المواقف الأمريكية، وبرامج زيادة السكان. كما طالب في ١٧ فبراير ٢٠١٧م، منتقدي النظام بـ "التوبة والاستغفار"، كـرد على مشروع الرئيس الأسبق "محمد خاتمي" الخاص بـ "المصالحة الوطنية". هذا إلى جانب وصف الولايات المتحدة خلال خطبة الجمعة في "قم" بأنها "محور انتهاك حقوق الإنسان في العالم".

تُشير خلفية "علي رضا أعرافي" العلمية والعملية إلى أنه أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد الوجوه المؤثرة في الهيكل الديني والسياسي في إيران. مجموعة المسؤوليات المسندة إليه في الحوزات العلمية، والمؤسسات التعليمية الدولية، ومجلس خبراء القيادة، إلى جانب ثقة "علي خامنئي" به، جعلته يتبوأ مكانةً تؤهله إلى قيادة إيران مستقبلًا، خاصة في ظل تنحي الجيل الأول من رجالات الثورة الدينيين عن المشهد السياسي الإيراني تدريجيًا.

 	د. محمد عمر سيف الدين

د. محمد عمر سيف الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ايران
البرنامج النووي الإيراني في مرمى ضربات إسرائيل
امريكا وايران

المزيد من تقارير عرب وعالم

أعرافي.. الرجل الثالث في المجلس المؤقت والمرشح الأوفر حظًا في خلافة خامنئي 

عقب تأكيد وسائل الإعلام الرسمية في إيران خبر مقتل المرشد الأعلى "علي خامنئي" خلال الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على طهران...

الأسبوع الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

بعد ثلاث جولات من المفاوضات النووية غير المباشرة بين طهران وواشنطن، بوساطة عمانية، سادتها أجواء إيجابية وفقًا لما صرح به...

الحرب في أوكرانيا تبدأ عامها الخامس.. سلام غائب وتحديات متزايدة

الحرب الروسية الأوكرانية تدخل عامها الخامس.. بلا مؤشرات في الأفق بقرب التوصل إلى اتفاق سلام ينهي حرب الاستنزاف الطويلة .....

"الحج السعودية": الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن وتضاعف أعداد المعتمرين

استعرضت وزارة الحج والعمرة حصيلة أبرز جهودها خلال عام 2025م، مؤكدةً أن ذلك جاء نتيجة عمل مؤسسي متكامل ركّز على...


مقالات

فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص
حـي شـبرا
  • الخميس، 05 مارس 2026 09:00 ص