في ظل وضع قابل للانفجار .. وفي أعقاب ضربتين متتاليتين في بيروت وطهران وتوجيه أصابع الإتهام لإسرائيل بالوقوف وراءهما باستهداف قياديين بارزين في حزب الله وحركة حماس.. تبدو الأمور في منطقة الشرق الأوسط تسير نحو تصعيد أكبر مع اتساع دائرة الصراع وعلى كل الجبهات.
عمليتي اغتيال "شبه متزامنتين".. جرت الأولى في العاصمة اللبنانية بيروت، واستهدفت القيادي رفيع المستوى في حزب الله فؤاد شكر، في حين كانت العاصمة الإيرانية طهران مسرحا للعملية الثانية، واستهدفت الرقم السياسي الأهم في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إسماعيل هنية.
وبقدر بعد المسافة بين بيروت وطهران.. اتسعت مسارات التصعيد في المنطقة لتشمل مختلف السيناريوهات المحتملة، وبات الصراع في هذه المنطقة الملتهبة من العالم مفتوحا على كل الاحتمالات في وقت شهد اقترابا كبيرا من شفا حرب إقليمية.
حرب إقليمية نتيجة صراع وتوتر كبير نشأ في اتجاهين جغرافيين مختلفين لكنها تجمع في نفس الوقت بين أطراف متقاربة ومتحالفة تضم حركة حماس وحزب الله وعلاقتهما الوثيقة بالنظام الإيراني وربما يشمل جماعة الحوثي في اليمن كل تلك الأطراف في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي.
ومع تصاعد التوتر دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين جميع الأطراف إلى وقف الإجراءات التصعيدية، وهي الرسالة التي تم تفسيرها على أنها موجهة نحو إسرائيل في أعقاب مقتل شكر وهنية.
وأفاد مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية "بنتاجون"، بتمركز مدمرات أمريكية في منطقة الخليج وشرق البحر المتوسط، بما في ذلك حاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت" وفرق الهجوم البرمائي، وأكثر من 4 آلاف جندي من مشاة البحرية والبحارة.
كما تم توجيه عدد من السفن الحربية المتمركزة في البحر الأحمر، التي تشن عمليات ضد الحوثيين في اليمن، إلى الخليج والبحر المتوسط، في ظل تصاعد التوترات بالمنطقة.
- إغتيال هنية
حركة حماس الفلسطينية أعلنت استشهاد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، أثناء تواجده في العاصمة الإيرانية طهران للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان.
واتهمت الحركة إسرائيل بالوقوف وراء عملية الاغتيال، وقالت إن هنية قضى مع حارسه الشخصي في "غارة صهيونية غادرة" على مقر إقامته في طهران، وقالت إن الهجوم تم بصاروخ "موجه نحو جسده مباشرة"، أُطلق من خارج المجال الجوي الإيراني.
وفي حين لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن الهجوم كما لم يعلق أي من مسؤوليها.. اتهمت إيران مباشرة إسرائيل باغتيال هنية، ونشر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، تغريدة على موقع إكس قال فيها، "النظام الصهيوني المجرم والإرهابي قتل ضيفنا العزيز في بيتنا" وهدد وتوعد إسرائيل بـ"عقوبة قاسية".
- غموض كبير
غموض كبير يشوب عملية إغتيال إسماعيل هنية من حيث كيفية تنفيذها في قلب العاصمة الإيرانية طهران باستهداف ضيفا عالي المستوى في مقر إقامة مؤمن يتبع الحرس الثوري الإيراني، وفي ظل حالة استنفار عسكري إيراني عام ودائم.
الاحتمالات المتوفرة لتنفيذ هذه الضربة تبدو متعددة، وكما يقول المحللون منها ما يفترض أن العملية تمت عن طريق إطلاق صاروخ من مقاتلات خارج المجال الجوي الإيراني.
افتراض آخر أن عملية الاستهداف تمت من مكان قريب من مقر إقامة إسماعيل هنية عبر استخدام مسيرات مفخخة.
والاحتمال الثالث، يقتضي استخدام غواصة تمتلكها البحرية الإسرائيلية وهي قادرة على إطلاق صواريخ يتراوح مداها الأقصى بين 1500 و2500 كيلو متر.
- اغتيال شكر
غموض كبير أحاط بمصير القيادي في جماعة حزب الله فؤاد شكر، ففي الوقت الذي أكدت فيه وسائل إعلام عبرية مقتله نفت ذلك في البداية مصادر مقربة من الحزب وأكدت أنه نجا من الضربة الإسرائيلية التي استهدفته.
ثم أعلن حزب الله مقتل القائد العسكري فؤاد شكر بغارة اسرائيلية استهدفت مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت.
وقال حزب الله في بيان "نزفه شهيدا كبيرا على طريق القدس"، واصفا إياه بأنه "رمز من رموز المقاومة الكبار من صانعي انتصاراتها وقوتها واقتدارها ومن قادة ميادينها الذين ما تركوا الجهاد حتى النفسِ الأخير".
- من هو إسماعيل هنية؟
ولد إسماعيل هنية في مخيم الشاطئ للاجئين في قطاع غزة في 23 مايو عام 1963، وتخرج عام 1987 من الجامعة الإسلامية في غزة، بعد حصوله على درجة الليسانس في الأدب العربي، ثم حصل على شهادة الدكتوراه من نفس الجامعة عام 2009.
تم اعتقاله من جانب السلطات الإسرائيلية لمدة ثلاث سنوات عام 1989، ثم تم إبعاده إلى مرج الزهور قرب الحدود اللبنانية، برفقة عشرات من كوادر حركة حماس، وظل هناك لمدة عام واحد ثم عاد إلى القطاع، ليعمل كعميد بالجامعة الإسلامية في غزة.
وكانت نقطة التحول في مسيرته عام 1997، حين تم تعيينه رئيسا لمكتب مؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين، ثم تم انتخابه رئيسا للحركة في قطاع غزة عام 2004، خلفا للعبد العزيز الرنتيسي، الذي اغتالته مروحية إسرائيلية.
وخاض هنية الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، متصدرا قائمة "التغيير والإصلاح" التي حصدت غالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وتولى في فبراير 2006، منصب رئيس وزراء فلسطين، وظل في هذا المنصب حتى شهر يونيو 2014، وكان آخر منصب تولاه هنية، هو منصب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس منذ مايو 2017.
تعرض هنية لعدة محاولات اغتيال، أولها نتج عنها إصابته بجروح، خلال الغارة الجوية التي استهدفت مؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين، ثم تعرض موكبه لإطلاق نار في قطاع غزة في شهر ديسمبر 2006، وتم قصف منزله في مخيم الشاطئ جوا، خلال العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة، في يوليو 2014.
فقد ثلاثة من أبنائه ونحو 60 من أقاربه، خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية حاليا في قطاع غزة.
- من هو فؤاد شكر؟
ولد فؤاد شكر في بلدة النبي شيت شرق لبنان في 15 أبريل 1961، ويعمل في حزب الله منذ أكثر من 30 عاما، هناك معلومات تفيد بأنه القائد العسكري الأول للحزب في جنوب لبنان، فيما تشير معلومات أخرى إلى أنه من كبار مستشاري الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله.
ووفقا لموقع "أكسيوس" الأمريكي، فإن فؤاد شكر هو المسؤول عن جميع العمليات العسكرية لحزب الله.
الجيش الإسرائيلي قال قبل سنوات إن شكر "يتولى الإشراف على مشروع الصواريخ الدقيقة لحزب الله"، وتشير وسائل إعلام إسرائيلية إلى أنه "الرجل الثاني في حزب الله".
برنامج "مكافآت من أجل العدالة" التابع لوزارة الخارجية الأمريكية ذكر أن شكر يخدم في أعلى هيئة عسكرية لحزب الله وهي "مجلس الجهاد".
تتهمه الولايات المتحدة أنه لعب دورا أساسيا في الهجوم على مشاة البحرية الأمريكية "المارينز" في بيروت عام 1983 الذي أسفر عن مقتل 241 من أفراد الجيش الأمريكي وإصابة 128 آخرين.
ووصفه نائب الرئيس الأمريكي السابق مايك بنس، بأنه "أحد العقول المدبرة" لهذا الهجوم.
وفي عام 2015، صنفت وزارة الخزانة الأمريكية شكر كإرهابي لعمله لصالح حزب الله أو نيابة عنه، وفي عام 2017 رصدت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 5 ملايين دولار أمريكي لمن يدلي بمعلومات تساعد في إلقاء القبض عله، وقالت حينها إن هذه المكافأة تعد "خطوة جديدة لزيادة الضغوط على حزب الله وقادته".
كما صنفته وزارة الخارجية الأمريكية عام 2019 "كإرهابي عالمي وأدرج إسمه على قائمة العقوبات الأمريكية ما يعني حظر جميع ممتلكاته، إضافة إلى منع الأمريكيين بوجه عام من إجراء أي معاملات معه.
كما أن الجيش الإسرائيلي حدد مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار، لمن يدلي بمعلومات عنه، وفقا لوسائل إعلام عبرية.
- ردود فعل عربية ودولية
ومنذ اغتيال اسماعيل هنية في طهران تتوالى ردود الفعل المنددة، من أطراف فلسطينية وعربية، فقد عم الإضراب العام شوارع الضفة الغربية المحتلة، ردا على اغتيال هنية، وجاء الإضراب استجابة لدعوات القوى والفصائل السياسية، والنقابات ومؤسسات أهلية، وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد وصف اغتيال هنية بأنه "عمل جبان وتطور خطير" في المنطقة.
على صعيد العالم العربي.. في القاهرة، أدانت مصر سياسة التصعيد الاسرائيلية الخطيرة خلال اليومين الماضيين واعتبرت مصر أن هذا التصعيد الخطير "ينذر بمخاطر إشعال المواجهة" فى المنطقة بشكل يؤدى إلى عواقب أمنية وخيمة، محذرة من "مغبة سياسة الاغتيالات وانتهاك سيادة الدول الأخرى وتأجيج الصراع في المنطقة".
وفي الدوحة وصفت وزارة الخارجية القطرية مقتل إسماعيل هنية بطهران أنه جريمة شنيعة وتصعيدا خطيرا وانتهاكا سافرا للقانون الدولي والإنساني.
وفي الأردن قالت الخارجية الأردنية إن "اغتيال إسرائيل لهنية خرق للقوانين الدولية وجريمة تصعيدية ستدفع إلى مزيد من التوتر والفوضى بالمنطقة".
وفي طهران حيث جرى اغتيال هنية، اعتبر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، أن اغتيال هنية مهد الطريق لعقوبة قاسية ستتعرض لها إسرائيل.
وفي تركيا وصفت الخارجية التركية ما جرى في طهران بأنها "عملية اغتيال دنيئة" تهدف إلى "مد نطاق الحرب من غزة إلى المستوى الإقليمي"، وتبين أن "حكومة نتنياهو ليس لديها نية لتحقيق السلام".
وفي روسيا اعتبرت الخارجية الروسية أن اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس "جريمة سياسة غير مقبولة على الإطلاق وستؤدي إلى مزيد من التصعيد في التوترات"، منوها أن قتل هنية "ستكون له تداعيات سلبية على محادثات وقف إطلاق النار في غزة".
من جانبها، أدانت الصين اغتيال إسماعيل هنية محذرة من احتمال أن يؤدي ذلك إلى "مزيد من عدم الاستقرار في الوضع الإقليمي".
- علامات استفهام
يطرح توقيت ومكان اغتيال اسماعيل هنية علامات استفهام كثيرة، إذ أنه يأتي وسط محادثات متسارعة لاتمام اتفاق لوقف الحرب في غزة، وتبادل الرهائن بين إسرائيل وحركة حماس، ومن المؤكد أنه سيؤدي إلى آثار سلبية على تقدم تلك المحادثات، وربما إلى حدوث انتكاسة لها.
وعلى صعيد الوضع في حركة حماس، استبعد محللون دوليون أن يزعزع اغتيال إسماعيل هنية استقرار الحركة على المدى الطويل، مشيرين إلى أن الحركة تعافت من اغتيالات سابقة لقادة سياسيين وعسكريين.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن هنية كان الشخصية الأبرز التي تدير علاقات "حماس" الدولية، وأحد الوجوه الأكثر شهرة في الحركة على مستوى العالم.
وأضافت الصحيفة أن هنية من مقره في الدوحة بدولة قطر، ساعد في قيادة الحركة في مفاوضات عالية المخاطر لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في نقطة تحول محورية في مسار تعزيز وحدة سوريا واستقرارها، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.. وتمهيد الطريق لاطلاق عملية...
بين طموحات الرئيس الأمريكي والتوسع الروسى والصينى فى القطب الشمالى.. وبين مساعي الأوروبيين لتعزيز وجودهم لمواجهة التهديدات الخارجية.. لم تعد...
دخلت خطة السلام في غزة منعطفا جديدا مع إعلان الولايات المتحدة رسميا انطلاق المرحلة الثانية من الخطة التي طرحها الرئيس...
النزاع في السودان يكمل يومه الألف.. في واقع مرير شهد أسوأ أزمة جوع وأكبر أزمة صحية وإنسانية وأضخم موجة نزوح...