عزة إسماعيل: «اعتراف مؤجل» برنامج يفتح أبواب البوح بلا مواجهة

لا أنتزع الاعتراف.. لكن أمهّد له الطريق

في مشهد إعلامي تتشابه فيه الصياغات، وتكاد تتكرر فيه الأسئلة، خرج برنامج اعتراف مؤجل من الإطار التقليدي، ليصنع مساحته الخاصة.. مساحة لا تقوم على المواجهة، بل على المكاشفة، ولا تعتمد على الضغط، بل على ذكاء السؤال.

وخلال شهر رمضان الماضى، استطاع البرنامج الذي قدمته الإعلامية عزة إسماعيل عبر أثير الإذاعة المصرية من خلال موجات البرنامج العام أن يلفت الانتباه سريعًا إلى تجربة حوارية غير تقليدية، تقوم على فكرة تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها شديدة العمق في جوهرها.

للاقتراب من كواليس "اعتراف" مؤجل" وفلسفته وسر اختياره لهذا العنوان اللافت، وكيف تحوّل السؤال فيه من أداة استجواب.. كان هذا الحوار مع الاذاعية عزة إسماعيل مقدمة البرنامج.

انطلق برنامج "اعتراف مؤجل" من فكرة تبدو قريبة من كل إنسان.. أن بداخل كل منا ما لم يقل بعد. كيف ولدت هذه الفكرة.. ولماذا اخترت هذا العنوان تحديدا ليكون عنوانا لتجربة حوارية مختلفة ؟

أنا على يقين بأن داخل كل إنسان مساحة صامتة.. مساحة ممتلئة بما لم يقل، بما تأجل، بما اختار صاحبه أن يحتفظ به بعيدًا عن الضوء، ربما خوفا أو حكمة، أو لأن اللحظة المناسبة لم تأت بعد.. ومن هذه القناعة ولدت فكرة "اعتراف مؤجل".. ليس كبرنامج يبحث عن إجابات جاهزة، بل كمساحة تنتظر لحظة الصدق حين تنضج.

الاعتراف في تصوري لم يكن يوما شيئا يمكن انتزاعه بالضغط، أو اقتناصه بالمواجهة الحادة، بل هو حالة إنسانية خاصة، لا تحدث إلا حين يشعر الإنسان بالأمان الكافي ليقول ما لم يقله من قبل.. ومن هنا جاء اختيار الاسم.

اعتراف مؤجل" لم يكن مجرد عنوان جذاب، بل كان توصيفا دقيقا لفلسفة البرنامج.. فالاعتراف هنا ليس مؤجلا بالزمن فقط، بل مؤجل بالإحساس... مؤجل حتى تكتمل لحظة الصدق ويشعر الضيف بأنه لا يُحاسب، بل يفهم. كنت أبحث عن اسم يحمل هذه الفكرة دون مباشرة، اسم يثير الفضول، ويطرح سؤالا ضمنيا لماذا تأجل الاعتراف.. ومتى يحين وقته؟... وأظن أن نجاح العنوان جاء من كونه لامس شيئا حقيقيا داخل كل من لأننا جميعا نحمل في داخلنا "اعترافا مؤجلا" بشكل أو بآخر.

هل يقوم "اعتراف" مؤجل" على فكرة الضغط على الضيف لانتزاع الاعتراف.. أم أنه يعتمد على منطق مختلف في إدارة الحوار؟

على العكس تماما .. البرنامج لا يؤمن بفكرة الضغط ولا يعتمد على إحراج الضيف أو وضعه في زاوية ضيقة... الفكرة الأساسية هي وضع الضيف أمام نفسه.. ولكن بشكل لائق وهادئ وذكي نحن لا نمارس ضغطا مباشرا بل تعتمد على ما يمكن تسميته الضغط غير المرئي .. وهو ضغط ناعم، يتكون من صياغة سؤال دقيق يحمل داخله أكثر من مستوى، ويجعل الضيف يتوقف لحظة ليرى نفسه من زاوية ربما لم ينتبه لها من قبل. الضيف في اعتراف مؤجل لا يشعر بأنه في مواجهة مع المذيع.. بل في حوار مع ذاته.. وهنا تحديدا تبدأ لحظة الاعتراف.

ما هي استراتيجية صياغة الأسئلة في اعتراف مؤجل ". وكيف تبنى الأسئلة بحيث تدفع الضيف للاعتراف دون مواجهة مباشرة ؟

صياغة السؤال هي العمود الفقري للبرنامج واى نجاح تحقق كان قائقا بالأساس على فكرة السؤال الذكي السؤال في اعتراف مؤجل لا يطرح بشكل مباشر أو تقليدي، بل تبنى بعناية شديدة، بحيث يحمل في داخله أكثر من طبقة طبقة ظاهرية تبدو هادئة وطيقة أعمق تلامس منطقة حساسة في تجربة الضيف نحن لا نسأل لتحصل على إجابة. بل نسأل لتفتح بابا قد يكون مغلقا منذ سنوات.. كما تعتمد على التدرج.. فلا نبدأ بالسؤال الصادم، بل تصل إليه تدريجيا عبر مسار يجعل الضيف يدخل في الحالة دون مقاومة.. وفي لحظة معينة يجد الضيف نفسه يتكلم لا لأنه مطالب بالإجابة، بل لأنه يريد أن يقول.. وهنا تحديدا يتحقق "الاعتراف المؤجل".

حدثينا عن كواليس البرنامج. وهل هناك مواقف أو لحظات خاصة ظلت عالقة في الذاكرة بعيدا عن الميكروفون ؟

الحقيقة أن كواليس اعتراف مؤجل لم تكن قائمة على أحداث استثنائية بقدر ما كانت قائمة على حالة إنسانية ممتدة حالة من الود والثقة والنقاش الحقيقي الذي يبدأ قبل التسجيل، ويستمر بعده في أكثر من حلقة لم يكن الحوار ينتهي بانطفاء الميكروفون، بل يبدأ بشكل أعمق

الذكر على سبيل المثال، ما جمعني بالدكتور مصطفى حجازي من نقاشات ثرية، وحسن استقبال بالغ، ومساحة واسعة من الحوار الإنساني قبل وأثناء التسجيل وقد عبر عن تقديره لتجربة البرنامج، مشيرا إلى أن اللغة الحوارية المستخدمة، خاصة الفصحى الهادئة كانت أحد أسباب تحفسه للمشاركة واصفا البرنامج بعد الحلقة بأنه يتمتع بقدر كبير من المهنية والتميز وفي حلقة اللواء سمير فرج، كان هناك تقدير واضح لما يقدمه البرنامج. حيث التي - بعيدا عن الهواء على طبيعة الحوار واعتبره من أقوى الحوارات التي خاضها. أما الدكتور وسيم السيسي، فقد حملت كواليس حلقته بعدا إنسانيا مختلفا.. إذ تحدث عن استمراره في إجراء العمليات الجراحية بنفسه، رغم خبرته الطويلة. وروى تفاصيل عملية دقيقة استمرت الساعات طويلة لمريضة كانت في حالة حرجة واللافت أنه أثناء وجودنا في الحلقة أجرى اتصالا للاطمئنان عليها. في مشهد إنساني صادق يعكس التزاما مهنيا وإنسانيا عميقا، شعرت معه بأنني لا استمع فقط لطبيب، بل الإنسان يحمل مسئولية حياة بكل ما فيها من ثقل ورحمة

هذه الكواليس لم تكن مجرد مواقف. بل كانت امتدادا طبيعيا لروحالبرنامج، التي تقوم على القرب لا الرسمية، وعلى الحوار لا الاستجواب.

هل هناك لحظات فارقة أو اعترافات إنسانية داخل البرنامج لم تستطيعى نسيانها ؟

نعم كانت هناك لحظات لا تنسى. لحظات تجاوزت فكرة الحوار ووصلت إلى منطقة إنسانية خالصة. ومن أكثر اللحظات تأثيرا كانت لحظة بكاء الفنان أحمد ماهر أثناء حديثه عن أحد أدواره التي جسد فيها شخصية أساءت في سياقها إلى مقام النبي شخصية أبي جهل.. كان اعترافه مشحونا يصدق شديد لدرجة انه - بعد انتهاء التصوير - ابتعد لفترة طويلة، في حالة من الانكسار والتأمل لا يعلم مداها إلا الله، وكأنه كان في مواجهة حقيقية مع نفسه.

كما لمستنى كثيرا حالة الفنان نضال الشافعي الذي قدم اعترافا يحمل قدرا كبيرا من الصراحة والمرارة، حين تحدث عن أن الحفاظ على القمة في عالم الفن لا يرتبط فقط بالموهبة، بل تحكمه أحيانا اعتبارات السوق وضلاع القرار. وقد عين بنيرة تمزج بين الألم والسخرية عن واقع قاس يعيشه كثير من الفنانين

لكن اللحظة الأكثر إنسانية في حديثه كانت حين تطرق إلى فقدان زوجته تم والدته، وقال إنه لا يملك رفاهية الحزن، لأنه مسئول عن أبنائه، وإنه مضطر لأن يبدو قويا دائما.. هذه اللحظات تحديدا. هي التي تصنع اعتراف مؤجل" لأنها لا تأتي نتيجة سؤال فقط، بل نتيجة ثقة، وتوقيت وصدق نادر

خلال الحلقات بالتأكيد مررت باعترافات صادمة أو غير متوقعة. ... ما أبرز الاعترافات التي فاجأتك على المستوى الشخصي؟

بالفعل... هناك اعترافات لم تكن مجرد إجابات بل كانت لحظات صدق خالصة فاجأتني قبل أن تفاجئ المستمع من أكثر هذه الاعترافات تأثيرا كان اعتراف فضيلة الشيخ عويضة عثمان أمين عام الفتوى بدار الإفتاء المصرية، حين صرحبكل شفافية بأنه لو عاد به الزمن ربما لم يكن ليختار هذا الطريق، نظرا لما تحمله هذه المهنة من نقل شديد ومسئولية عظيمة، لكنه في الوقت ذاته عبر عن يقين عميق بأن هذا الاختيار كان اصطفاء إلهيا، وأن عزاءه الحقيقي يكمن في أن الله قد اختاره ليكون في هذا الموضع، وأن يمنحه البصيرة والسداد

كما كان من الاعترافات اللافتة ما صرح به الدكتور وسيم السيسي الطبيب وباحث علم المصريات، حين أعلن عن رغبته في التبرع بجسده بعد وفاته لكلية الطب التي تعلم فيها. موتها ذلك عبر البرنامج، ومشيرا إلى أنه سيكتب على جسده عبارة تحمل دلالة إنسانية عميقة: "هؤلاء موتى تعلمون الأحياء".

ومن الاعترافات التي حملت بعدا نفسيا عميقا ما رواه الكاتب الصحفي عصام كامل رئيس تحرير موقع وجريدة "فيتو" المعروف بحدة مواقفه وجرأة طرحه حين عاد بذاكرته إلى بداياته المهنية، وتحدث عن موقف خلال إحدى المداهمات حين اضطر لالتقاط صور لوقائع حساسة، كان أطرافها من صغار السن... ورغم أنه لم ينشر هذه الصور فإن اللحظة ظلت عالقة في داخله، تطارده بتأنيب ضمير مستمر حتى الآن

هذه الاعترافات لم لكن مجرد محتوى إذاعي بل كانت مواجهات حقيقية مع النفس خرجت في لحظة صدق لا تتكرر كثيرا.

 	سها سعيد

سها سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

هاجر الشرنوبى: رمضان يجمعنى دائما بمصطفى شعبان

إن قصة العمل هى التى تحدد عدد حلقاته كان نفسى أشارك فى سلسلة «المداح» منذ البداية

محمود عزب: دراما رمضان أعادت اكتشافى

التمثيل الصامت فى «الست موناليزا» كان صعباً جداً ومرهقاً نفسياً التمثيل هو إحساس ولغة جسد وتعايش مع الشخصية وتقمصها

عزة إسماعيل: «اعتراف مؤجل» برنامج يفتح أبواب البوح بلا مواجهة

لا أنتزع الاعتراف.. لكن أمهّد له الطريق

علاء عرابى: حكايتى مع ميكرفون «الإذاعة» بدأت ب «رؤيا»

اللهجة الصعيدية كانت أبرز التحديات التى واجهتنى « رسالة إلى الشباب» يخاطب الجيل الجديد بأسلوب معاصر