عماد الأزرق:زيارة رئيس مجلس الدولة الصينى لمصر تتويج للشراكة الاستراتيجية

العلاقات المصرية الصينية سوف تسبب قلقاً بالغاً للولايات المتحدة الأمريكية

زيارة رسمية إلى مصر استمرت يومين، أكد خلالها رئيس مجلس الدولة الصينى متانة العلاقات الصينية المصرية وعمقها الاستراتيجي، وتعهد بتعميق التعاون بين البلدين, فى ضوء هذه الزيارة التى قد تنمى وتدعم العلاقات "المصرية – الصينية" وسط اضطرابات عالمية و إقليمية.. كان لمجلة الإذاعة والتليفزيون هذا الحوار مع الدكتور "عماد الأزرق" عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، ورئيس مركز التحرير للدراسات والبحوث..

ما هى دلالات زيارة هذا المسئول الصينى الكبير للقاهرة فى هذا التوقيت المتزامن مع اجتماعات تجمع دول "بريكس" الأخيرة فى البرازيل؟

تكتسب زيارة رئيس مجلس الدولة الصينى "لى تشيانغ" أهمية كبيرة، خاصة وأنها تأتى فى ختام الاحتفال بعام الشراكة الإستراتيجية الشاملة الذى أعلنها الرئيسان "عبد الفتاح السيسي"، و"شى جين بينغ" خلال لقائهما ببكين العام الماضي، وتؤكد هذه الزيارة الرفيعة المدى الذى وصلت إليه العلاقات بين البلدين فى مختلف المجالات الإستراتيجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها..

أيضا تأتى الزيارة فى أعقاب انعقاد قمة تجمع بريكس بالبرازيل، وبعد عام ونصف من انضمام مصر إلى تجمع بريكس، وفى ذلك دلالة مهمة على الدور الذى يمكن أن تلعبه مصر فى هذا الإطار متعدد الأطراف وبما يحقق أهداف التجمع ومصالح أعضائه، خاصة وأن مصر من الدول التى لم تهتز أو تبدى أى قلق من تهديد الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" بفرض 10 % رسوم جمركية إضافية على الدول الأعضاء بتجمع بريكس حال اتخاذ إى إجراءات عدائية للولايات المتحدة وإن كان لم يحدد ماهية هذه الإجراءات العدائية.

رغم أنه لم يمض على انضمام مصر إلى تجمع بريكس إلا عام ونصف فقط إلا إنها أصبحت عضوا مؤثرا بالتجمع، خاصة فى ظل التنسيق المستمر وإبداء التعاون الكامل مع دول التجمع وفى مقدمتها الصين روسيا الهند البرازيل وغيرها، بل أن مصر أصبحت أكثر انفتاحا وتقاربا مع إيران العضو الجديد بالتجمع، رغم ما اعترى علاقة البلدين من أزمات لسنوات طويلة سابقة.

 ماذا عن التوافق المصرى الصينى بشأن إتمام التعامل التجارى بين البلدين بالعملة المحلية ؟، وانعكاسات ذلك على حصيلة مصر من الدولار الأمريكي؟

البلدان قطعا شوطا مهما فى سبيل إتمام التعامل التجارى بينهما بالعملة المحلية، وقد ظهر هذا واضحا من خلال توقيع محافظى البنكين المركزيين فى مصر والصين بالقاهرة، بالتزامن مع زيارة رئيس مجلس الدول للصينى لمصر، على مذكرات تفاهم سيعزز الجانبان بموجبها التعاون المالى الثنائي، ويشجعان التسوية بالعملات المحلية ويتعاونان فى مجالات العملات الرقمية والابتكار الرقمى للبنك المركزي.

وقد أكد بان قونغ شنغ محافظ بنك الشعب الصينى (البنك المركزى الصيني) أنه فى مواجهة حالة عدم اليقين الخارجية، يتعين على البنكين المركزيين المصرى والصينى مواصلة تعميق التعاون العملى فى مجالات مثل عمليات المبادلة والتسوية بالعملة المحلية وربط أنظمة الدفع والتسوية والاستثمار والتمويل فى الأسواق المالية وإنشاء المؤسسات المالية فى كل من البلدين.

ولا شك أن هذا يأتى فى إطار ما أكد عليه رئيس مجلس الدولة الصينى لى تشيانغ، خلال لقائه مع رئيس الوزراء الدكتور "مصطفى مدبولي" من استعداد الصين التام للعمل مع مصر على تعزيز تنمية التجارة البينية وخلق المزيد من مجالات التعاون البارزة، فضلا عن خلق محركات جديدة للنمو الاقتصادي.

 كيف تنظر الولايات المتحدة لترفيع العلاقات بين القاهرة وبكين إلى المستوى الاستراتيجى ؟

إن ما وصلت إليه العلاقات المصرية الصينية من شراكة إستراتيجية شاملة ورفيعة المستوى لاشك أنه يسبب قلقا بالغا للولايات المتحدة الأمريكية ويثير حفيظة الإدارة الأمريكية، التى كانت تنظر لمصر دوما باعتبارها حليفا إستراتيجية لها، وما يزيد من حدة هذا القلق الأمريكى هو فشلها فى استعادة زخم علاقاتها مع مصر، وعدم امتثال مصر لكافة الضغوط الأمريكية، على عكس ما حدث مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، أيضا فإن حجم التعاون العسكرى المتنامى بين مصر والصين، واتجاه القاهرة للتعاون مع بكين فى ظل القيود التى تضعها واشنطن على أنواع متعددة من التسليح التى تحتاج إليها مصر، والحصول على بدائل صينية ربما تكون أفضل من نظيرتها الأمريكية يسبب قلقا بالغا إضافيا من واشنطن تجاه العلاقات المصرية الصينية الإستراتيجية..كما أن مواقف القيادة السياسية المصرية من الأوضاع الإقليمية خاصة ما يتعلق بالأوضاع فى قطاع غزة والبحر الأحمر والمخططات الأمريكية للمنطقة جعل هناك قناعة أمريكية بأن الدعم والمساندة الصينية الروسية شجعت مصر على اتخاذ مواقف حادة من التوجهات الأمريكية

 كيف يرى الخبراء سياسة التوازن التى تتبعها الدولة المصرية مع الدول الكبرى التى بينها توترات سياسية وتجارية ؟

إن مصر تجيد بشكل لافت انتهاج سياسة التوازنات بين الدول الكبرى المختلفة، ونجحت باقتدار فى إدارة علاقاتها سواء السياسية والعسكرية والاقتصادية مع دول بينها توترات سياسية وتجارية مثل روسيا والصين وإيران وأوكرانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها.

ورغم ما وصلت إليه العلاقات المصرية الأمريكية من وضع مأزوم إلا أن القاهرة حريصة فى ذات الوقت على الحفاظ على قنوات الاتصال مع عدد من مكونات الإدارة الأمريكية، والزيارات المتبادلة والتواصل بين الجانبين فى مختلف ملفات الاهتمام المشترك، يؤكد حرص القاهرة على عدم استعداء واشنطن أو الدخول فى خصومة معها وتحقيق التوازن فى علاقاتها الخارجية بما يحفظ لمصر أمنها القومى ومصالحها الحيوية.

 ماذا عن الدور الذى يمكن أن تلعبه الجمهورية الصينية فى حسم بعض الملفات الشائكة التى تموج بها منطقة الشرق الأوسط؟

إن الصين حريصة على بذل كل الجهود لتحقيق الأمن الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط لما تمثله هذه المنطقة من أهمية جيوسياسية بالغة للصين، باعتبارها المصدر الرئيسى لموارد الصين من الطاقة، ومنطقة الممرات التجارية الهامة وهو أمر بالغ الأهمية فى السياسة الخارجية الصينية، بالإضافة لما تمثله من فرص استثمارية وأسواق هامة.

والصين بالفعل كانت قد بذلت جهود كبيرة ونجحت فى إعادة العلاقات الإيرانية – السعودية، كما نجحت فى جمع الفصائل الفلسطينية والمصالحة بينها، وكانت بكين فى طريقها لإعادة هندسة المنطقة واحتواء أزماتها لولا التدخلات الأمريكية وسعيها لإعادة تموضعها بالمنطقة وإعادة هيمنتها عليها لقطع الطريق على الصين سعيا لإزاحة الصين وروسيا من المنطقة.

 ماذا عن توسع الاستثمارات الصينية فى السوق المصري، وما حقيقة قرار الدولتين باعتماد العملات المحلية فى التبادل التجارى بينهما، وانعكاسات ذلك على اقتصاد الدولتين ؟

لم يعد يمر يوم إلا وهناك توقيع اتفاق مشروع استثمارى أو وضع حجر أساس أو افتتاح أحد المشروعات الاستثمارية الصينية، فى أنحاء مصر، ويكفى للتدليل على حجم الاستثمارات الصينية فى مصر الإشارة إلى منطقة تيدا الاقتصادية الصينية بالعين السخنة، والتى أصبحت تضم حاليا 185 مصنع تعمل بالفعل تبلغ استثماراتها 3 مليارات دولار ويعمل بها نحو 10 ألاف عامل بالإضافة إلى العمالة غير المباشرة، وتدفع ضرائب سنويا بنحو 300 مليون دولار، بل أن الاستثمارات الصينية أصبحت تنتشر فى ربوع مصر فى مختلف المحافظات والمدن.

ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة المزيد والمزيد من الاستثمارات فى اطار اتفاق الرئيسان السيسى وشى على توطين الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة فى مصر. وسيكون لاتفاق البلدين على التعامل بالعملات المحلية أثر كبير فى زيادة الاستثمارات الصينية فى مصر وتعزيز التبادل التجارى وتنشيط السياحة الصينية الوافدة إلى مصر.

 هل ينجح هذا التوجه فى كسر هيمنة الدولار الأمريكى على المبادلات التجارية بين الصين ومصر، وكيف تستفيد العملة المحلية (الجنيه) من هذا القرار ؟، وكيف ستتعامل الإدارة الأمريكية مع هذا النوع من القرارات ؟

 من المتوقع أن يؤثر هذا التوجه إيجابا على العملات المحلية سواء اليوان الصينى أو الجنيه المصري، فاليوان الصينى سيعزز مكانته الدولية كعملة دولية فى مواجهة الدولار خاصة مع اتجاه دول اقتصادية كبرى مثل روسيا والبرازيل وإيران وباكستان وغيرها للتعامل بالعملات المحلية.

كما من شأن ذلك أن يؤثر إيجابا أيضا على الجنيه المصري، الذى سيتحرر من نحو 20 مليار دولار حجم التبادلات مع الصين سواء تجارية أو استثمارية أو سياحية وغيرها، كما أنه سيخفض الطلب على الدولار فى مصر بشكل كبير، وسيعمل على زيادة الاستثمارات الصينية بمصر وإعادة تصديرها للخارج ما يعنى زيادة حصيلة مصر من العملات الأجنبية، وسيعزز الثقة فى الاقتصاد المصري.

الرئيس ترامب توعد الدول التى يمكن أن تلجأ إلى هذه الخطوة دون تحديد إلى فرض 10 % رسوم جمركية إضافية على الـ 10 % التى كانت مقررة من قبل على الصادرات المصرية للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن أعتقد أن ما يحققه تبادل العملات المحلية مع الصين وروسيا وغيرها ستكون نتائجه الإيجابية أكبر وأكثر تأثيرا من النتائج السلبية لمضاعفة الرسوم الجمركية الأمريكية على الصادرات المصرية لها.

 ماذا عن الدور الذى يمكن أن تلعبه الدولة المصرية فى إحياء مشروع "الطريق والحرير" الذى تسابق "بكين" الزمن لإنجازه، وما هى انعكاسات هذا المشروع على الاقتصاد ؟

إن مصر قادرة على أن تلعب دورا محوريا مهما فى مبادرة الحزام والطريق الصينية، باعتبار مصر تمتلك أهم ممر ملاحى فى العالم، وتمتع مصر بموقع جيوسياسى بالغ الأهمية يعتبر ملتقى طرق العالم القديم، فضلا عن الدور التنموى الذى يمكن أن تلعبه مصر فى محيطها العربى والأفريقي، وكذلك باعتبارها منطقة لوجستية عالمية للإنتاج وإعادة التصدير إلى العالم، ما يخفض بقوة تكاليف النقل واللوجستيات، وامتلاك مصر لرؤية تنموية طموحة للقارة الأفريقية والمنطقة العربية خاصة ما يعرف بممر القاهرة – كيب تاون التنموي، والقاهرة – نواكشوط، وربط دول حوض النيل وغيرها من المشروعات التنموية

هذه المبادرة ستساهم بشكل كبير فى دعم الاقتصاد المصري، من خلال إتاحة مصادر تمويل متعدد سواء تابعة لمبادرة الحزام والطريق أو بريكس وغيرها، كما أنها ستجعل من مصر أكثر جاذبية للاستثمار بما توفره من دعم قوى للبنية التحتية لمصر، وكذلك إيجاد آليات متعددة لدعم الاقتصاد المصرى بمختلف مجالاته.

 	صفاء الخميسي

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

يحيى حمزة: عايشت أحداث «المصيدة» ورصدت ظاهرة النصب الالكترونى

في موسم رمضاني تتزاحم فيه الأعمال بحثاً عن لفت الانتباه يطل مسلسل «المصيدة» باعتباره مشروعاً درامياً يراهن على ملف معاصر...

حنان مطاوع: أنا وقعت فى «المصيدة»

دائماً ما يمثل شهر رمضان مناسبة جيدة لظهورها، وكأنها تنتظره كل عام لتظهر لنا تألقها وتميزها الشديد، وتواصل هذا العام...

استيراد الدواجن المجمدة يعيد الاستقرار للأسواق ويخفض الأسعار

أكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية أن أسعار الدواجن من المتوقع انخفاضها خلال الأسبوع الأول...


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص