اللواء دكتور سمير فرج: اقتصاد الحرب انتصار مصرى فى مواجهة المستحيل

تنمية الدولة و إزالة أثار الحرب تحققت بعزيمة مصرية قوية

خلال فترات الحروب، تصاب الدول بإرهاق اقتصادى واجتماعى وتنموى لذا يكون لاقتصاد الكوارث وإدارة الأزمات دور كبير لتحقيق التوزان المطلوب لكى تتعافى الدولة و تقف مرة أخرى على قدميها، و هو ما حدث فى مصر منذ بداية الدخول فى الحروب و حتى انتصارنا فى اكتوبر 1973، حيث دعمت الدولة القوات المسلحة بالموازنات المالية منذ 1967 وحتى 1973 بحوالى 5 مليارات جنيه، وفقا لتقارير الموازنة العامة للدولة فى ذلك التوقيت التى تم تقديمها للبرلمان, وخلال فترة الحروب التى مرت بها مصر حتى الانتصار عانت اقتصاديا من تبعات الحرب، والتى أثرت بلا شك على إنتاج الدولة ومنتجات المواد البترولية، وإيرادات السياحة وغيرها من القطاعات التى تأثرت بشكل كبير وملحوظ وهو ما أثر بشكل طبيعى على الاقتصاد..

فى ذكرى إنتصارات أكتوبر العظيمه التى أتمت عامها الـ51 كشف لنا اللواء أركان حرب الدكتور "سمير فرج" المفكر الاستراتيجي، وأحد أبطال القوات المسلحة الذين شاركوا فى حرب أكتوبر.. ملحمة مشاركة المصريين فى هذا التحدى, و كيف أدارت الدولة اقتصاد الحرب, وكيف تلاحمت وتناغمت إرادة الشعب مع الإرادة السياسية ومع القوات المسلحة, وكيف شارك الشعب بأكمله فى انتصار 1973.

 حدثنا عن الاقتصاد المصرى فترة حرب 73 و ما بعدها ؟

لا يمكن النظر إلى اقتصاد فترة 1973 وما بعدها بمعزل عن السنوات التى سبقتها، فالاقتصاد المصرى كان يتجه بخطى واثقة حتى و ان كانت بطيئة شيئا ما إلى الأمام، وحقق نموا حقيقيا زاد على 6% بحلول عام 1965، وارتفع معدل الاستثمار إلى 17.8% من الناتج المحلى بدلا من 12.5 فى نهاية الخمسينيات، وزاد نصيب الصناعة فى الصادرات إلى 25 % بدلا من 18%، وزادت العمالة الصناعية خلال هذه السنوات بأكثر من ضعف الزيادة فى إجمالى القوى العاملة، وهى زيادة لم يعرفها الاقتصاد المصرى منذ عهد محمد على.

 كيف عاش المصريون اقتصاديا فى تلك الفترات الصعبة؟

لم يكن انتصار مصر فى حرب 1973 مجرد انتصار سياسى، أو عسكرى، إنما كان انتصارا فى مواجهة الظروف المعاكسة، وضعف التنمية، وتراجع مستوى المعيشة، وتعنت وحصار اقتصادى من دول الغرب والولايات المتحدة, فقد كان انتصارا للإرادة فى مواجهة الانكسار، وللقوة فى مواجهة الضعف، وللتحدى فى مواجهة محاولات الخضوع من قبل آخرين, خاصة بعد التحدى الذى ترتب على هزيمة 1967 من انخفاض فى موارد العملات الأجنبية، و انقطاع القروض الأجنبية والمعونات بشكل مفاجئ، وهو ما يمثل 1/5 من الاستثمارات، مما جعل الاستمرار فى معدل نمو مرتفع مع تحمل أعباء الإنفاق العسكرى استعدادا لحرب جديدة و هو أمر كان فى حكم المستحيل، وقضى على طموحات وتجربة التنمية، وأدى إلى انتكاسة الاقتصاد، وقت حرب 67 التى فرضت على مصر منحنى وطريقا مختلفا غير المخطط لها أن تسلكه.

 ما هى الخسائر الماديه التى أصابت مصر أثناء وعقب الحرب؟

بقيام الحرب فقدت مصر آبار البترول فى سيناء، وخربت معامل تكرير البترول فى السويس، وأغلقت قناة السويس التى كانت تدر لمصر فى المتوسط سنويا 164 مليون دولار فى السنوات الـ7 قبل الحرب، وإضافة إلى ذلك انخفاض كبير فى إيرادات السياحة التى كانت تدر نحو 100 مليون دولار، فضلا عن الإنفاق الذى فرضه تهجير نحو مليون شخص من قناة السويس، والتكلفة الاقتصادية الضخمة.

وكان أمام الرئيس جمال عبد الناصر، واحد من بدائل ثلاثة، إما أن يضحى بالإنفاق العسكرى ويقبل الهزيمة والصلح وأى عرض للتسوية، فى سبيل الاستمرار فى التسوية، أو البديل الثانى أن يضحى بـ«التنمية والحرب»، فى سبيل رفع معدلات الاستهلاك، أو الامر الثالث أن يضحى بالاستمرار فى التنمية مع السماح بالحد الأدنى من الزيادة فى الاستهلاك، فى سبيل الاستعداد للمعركة المقبلة، وهو الخيار الذى لم يكن لسواه بديل، ولا لغيره ملجأ أو طريق.

 كيف واجهت مصر و شعبها هذه التحديات السياسية و الاقتصادية ؟

واجهت مصر فى أعقاب 67 ظروفا سياسية واقتصادية بالغة القسوة والخطورة، حتى المعونات والمنح العربية التى قدرت وقتها بـ286 مليون دولار سنويا، كانت تضيع فى خدمة الديون، وكان من الطبيعى أن ينخفض معدل النمو فى الحرب إلى حوالى 3 %، وتتدهور المرافق العامة والبنية الأساسية، ويتراجع مستوى المعيشة وتنخفض الأجور، ويقل ميزان المدفوعات، ورغم ذلك فإنه حتى وفاة الزعيم عبد الناصر لم تتجاوز ديون مصر المدنية 1 مليار و300 مليون دولار، وهى نسبة لا تتجاوز 25 % من الناتج الإجمالى القومى آنذاك ووسط كل هذه الظروف السياسية والاقتصادية الحالكة السواد، ومع ارتفاع الديون الخارجية لمصر لتتجاوز 5 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث الأولى من السبعينيات، وتراجع الصادرات، لم يكن أمام مصر سوى خيار واحد، هو الحرب فى مواجهة المستحيل والانكسار.

 هل كانت النتائج العسكرية ايجابية من الناحية الاقتصادية على مصر ؟

بالطبع و أدت النتائج الإيجابية العسكرية للحرب، إلى تغيير فى المناخ السياسى بالمنطقة، بما تبعها من اتفاقيات ومبادرات لإحلال السلام الدائم فى المنطقة، وقد ساعد ذلك على انتعاش الاستثمار الخارجي، واتجاه رؤوس الأموال الأجنبية، والعربية، للاستثمار فى مصر، وهو ما غير الواقع الاقتصادى المصري، والذى كان على حافة الإفلاس إلى انتعاش، ونمو اقتصادى نسبي, وقد غير ذلك فى اتجاهات العلاقات الاقتصادية والتجارية العالمية، والتى تبعت التغير فى اتجاهات العلاقات السياسية، بزيادة الاعتماد على الدول الغربية اقتصاديا وتجاريا، وتقليل العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الكتلة الشرقية، التى يتزعمها الاتحاد السوفيتي.

و كانت أولى النتائج الاقتصادية عربيا، هى التضامن العربى الاقتصادي، والذى لم يشهد من قبل، تأثيرا فعالا للقدرات الاقتصادية العربية، فى الأحداث الإقليمية والعالمية، كما شهدته تلك الحرب, وكانت البداية قرارات مؤتمر قمة الخرطوم، الذى دعمت فيه دول النفط العربية (المملكة العربية السعودية، والكويت، وليبيا) دول المواجهة ماليا، ليمكنها الصمود وتخطى نتائج الحرب السابقة (يونيه 1967) استعدادا لجولة جديدة من الصراع مع إسرائيل.

 كيف غير الانتصار فى حرب اكتوبر 73 التوجهات الاقتصادية العربية ؟

غيرت حرب أكتوبر توجهات الاقتصاد العربي، نحو الكتلة الشرقية، ليتحول إلى الكتلة الغربية، شأنها فى ذلك، شأن السياسة المصرية، وقد أدى ذلك إلى تغيير فى النظام الاقتصادى المصرى ككل، فابتعد عن النظام الشمولي، والمركزية فى التخطيط والإدارة للشؤون الاقتصادية، اللذين يفرضهما النظام الشمولي، إلى الانفتاح الاقتصادي، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل الاقتصاد المصري، وإن كانت لم تتحقق كل النتائج المرجوة منه لعدة أسباب منها "اختلاف المفهوم، والنهج الذى سار عليه الانفتاح، حيث تحول إلى انفتاح استيرادي، أضعف من مشاركة القطاع الخاص الوطنى فى الإنتاج الصناعي".

كما أوضحت النتائج الاقتصادية للحرب، القيمة الاقتصادية الحقيقية، للاقتصاد العربي، والإمكانات العربية الاقتصادية الغير نفطية كذلك، وهو ما أدى إلى زيادة محسوسة، فى حجم التبادل التجارى البينى للدول العربية، والاتجاه إلى زيادة فاعلية التكامل الاقتصادى العربي.

 ماذا عن التغيير الاقتصادى لتلك الفترة على الصعيد الدولى ؟

على الصعيد الدولي، غيرت حرب أكتوبر، من بعض المفاهيم الاقتصادية العالمية، فقد كان الاعتقاد السائد، أن مستويات النشاط الاقتصادى المنخفضة، يتولد عنها معدلات أرباح منخفض، وهى بدورها ستخفض من معدلات الاستثمار والإنتاجية، وينتج عن ذلك معدلات تضخم منخفضة.

و أضاف: و لكن كان الاقتصاد الدولى وقتها، يشهد عدة تطورات، تزامنت مع الأحداث الاقتصادية للحرب، فزادت من آثار الأزمة الاقتصادية التى كان يمر بها الاقتصاد الغربي، والأمريكي، فى هذه الحقبة, وتراجعت القوة الاقتصادية الأمريكية، وزاد العجز الأمريكى فى الميزان لزيادة وارداتها، عن صادراتها, ومع زيادة القدرة الإنتاجية التى وفرها التطور التقنى للإنتاج الصناعى الياباني، اهتزت مكانة الولايات المتحدة، كزعيمة للعالم الغربى اقتصاديا وتقنيا, وزاد ذلك من آثار الأزمة الاقتصادية، والتى عرفت بسلاح النفط، بداية من 16 أكتوبر 1973، إذا كان هناك تضاعف لآثار الأزمة الاقتصادية على العالم الغربي، إذ نتج عنها توزيع متكافئ للأمة لآثار الأزمة على دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.

 	صفاء الخميسي

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

يحيى حمزة: عايشت أحداث «المصيدة» ورصدت ظاهرة النصب الالكترونى

في موسم رمضاني تتزاحم فيه الأعمال بحثاً عن لفت الانتباه يطل مسلسل «المصيدة» باعتباره مشروعاً درامياً يراهن على ملف معاصر...

حنان مطاوع: أنا وقعت فى «المصيدة»

دائماً ما يمثل شهر رمضان مناسبة جيدة لظهورها، وكأنها تنتظره كل عام لتظهر لنا تألقها وتميزها الشديد، وتواصل هذا العام...

استيراد الدواجن المجمدة يعيد الاستقرار للأسواق ويخفض الأسعار

أكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية أن أسعار الدواجن من المتوقع انخفاضها خلال الأسبوع الأول...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص