حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات وتقارير الخبراء العسكريين عن أسباب الفشل الإسرائيلى على المستوى العسكرى والمعلوماتى

ما إن اندلع بركان العاشر من رمضان حتى تبارى الخبراء والمحللون فى تسجيل وقائع ما جرى في أعظم حروب مصر المعاصرة. ولم يمض أكثر من عامين على انتهاء الملحمة. إلا وقد صدرت عشرات الدراسات المستفيضة، يتقدمها كتاب ( حرب رمضان.. الجولة العربية الإسرائيلية الرابعة وهو الكتاب الصادر عام 1975، والذي شارك في صياغته ثلاثة من كبار المؤرخين العسكريين الذين خاضوا غمار المعركة، ثم أخذوا يحللون النتائج. ويستخلصون العبر ويسجلون الدروس المستفادة، فجاءت خلاصة ما كتبوا شهادة للتاريخ ووثيقة للأجيال القادمة.

جاء كتاب حرب رمضان - الجولة العربية الاسرائيلية الرابعة" حاملاً توقيع كل من اللواء حسن البدري.. واللواء طه المجدوب.. والعميد ضياء الدين زهدي... ويتعين علينا فى البداية أن نقف طويلاً لنتأمل دلالة ما كتبه المؤلفون الثلاثة فى صدر صفحة الإهداء: إلى شهداء العرب.. كل الشهداء على درب الكفاحالطويل.. من معركة بدر الأولى عام ٦٢٤ ميلادية... إلى بدر الثانية - حرب رمضان - وما سوف يتلوها من حروب".

وقد حرص ثلاثتهم أن يختتموا ما كتبوا بتقييم جاء تحت عنوان "حرب" رمضان في الميزان" وفي ذلك يستخلص المؤلفون عددا من الحقائق الكاشفة إذ يأتي على رأس قائمة التحليل العسكري لحرب رمضان أن خطة الهجوم المصرية التي سعت إلى اقتحام قناة السويس، وإقامة رؤوس كباري على الضفة الشرقية، قد حققت كل أهدافها، حيث أقيمت رؤوس الكبارى الخمسة طبقا للخطة الموضوعة وفي زمن أقصر مما كان مأمولا.. وليس في السوابق شئ مشابه لهذا النجاح أو قريب منه، فأقصى ما يطمع فيه المخطط أن ينجح في تحقيق نصف ما طمعت فيه خطته، ولكن حرب رمضان حققت كل ما تمناه، وبأسرع مما توقع.. وسبب ذلك في نظر غالبية من تصدى لحرب رمضان بالدراسة هو المفاجأة والتدريب الجيد على مهام القتال من جانب مصر... والغرور القاتل من جانب إسرائيل.

وكان مما اتفقت عليه الآراء في حرب اكتوبر الجولة الرابعة - أن نظرية الحدود الآمنة التي اصطنعتها اسرائيل لتخفى سياستها التوسعية العدوانية في اغتصاب أرض العرب، وفرض الأمر الواقع فى المسرح تحت ستار ضرورات أمنها القومى، هذه النظرية العدوانية قد انهارت تماما.

وظهر زيفها للعالم أجمع.. وبمثل ما انهارت نظرية الأمن الاسرائيلية القائمة على أكذوبة الحدود الآمنة انهارت استراتيجية العمل من خطوط داخلية.

وفضلا على انهيار نظرية الحدود الآمنة، والفشل الذي أصاب استراتيجية العمل من خطوط داخلية فقد اجتمعت الكلمة بالتبعية - على نجاحالاستراتيجية العربية فى ممارسة العمل من خطوط -خارجية بكل ما وفرته من مزايا أجبرت القيادة الاسرائيلية - لأول مرة فى تاريخ الصراع - على بعثرة قواتها وتشتيت جهودها في مختلف الجبهات المحيطة بها، فعانت من جراء ذلك على المستوى التكتيكي والتعبوي والاستراتيجي أشد المعاناة ووقع الجمود الفكرى فى قياداتها الرئيسية، والشلل العضوى فى تشكيلاتها الميدانية بمجرد أن اشتعلت نيران الجولة الرابعة، ثم استمر تأثيرها عظيما طوال المرحلة الأولى للعمليات

ثم كان ما اتفقت عليه الدراسات التي عقدت عن الجولة الرابعة من أن استمرار اعتماد اسرائیل على سلاح الردع - الطيران والمدرعات - وعلى سرعة التعبئة والحشد والفتح التعبوي في مختلف الجبهات، لن يحقق لها في المستقبل التفوق نفسه الذي تمتعت بمزاياه العميقة في الماضي.

وكانت الجولة الرابعة هي المرة الأولى التي واجهت فيها القيادة العسكرية الاسرائيلية مشكلة امتداد خطوط مواصلاتها إلى الجبهات المختلفة، فعانت بالتبعية من المشاكل والمصاعب التكتيكية والإدارية المترتبة على ذلك والتي كان من أبرزها طول فترة الفتح التعبوي في المسرح بعد اتمام التعبئة القومية والحشد ووصول القوات بعد أن قطعت مسافات شاسعة مجزأة ومنهكة إلى خطوط المواجهة فيما بين منطقة التعبئة وأرض المعركة، الأمر الذي كان على النقيض تماما في الجولات الثلاث السابقة عندما كان العرب عموما هم الذين يعانون من هذه المشاكل والمصاعب الخطيرة. لقد استغرق الفتحالتعبوي من الأركان العامة الاسرائيلية النصف الثاني من ليلة ٥/٤ يونية ١٩٦٧ على حين استغرق منها كل أيام ٨،٧٠٦ أكتوبر

ويعود الفضل في ذلك إلى مباغتة العرب الإسرائيل وإلى نجاح العرب في ممارسة استراتيجية العمل من خطوط خارجية بتنسيق الهجوم في لحظة واحدة من جبهتي القتال الشمالية والجنوبية، ثم . وبالدرجة الأولى - إلى امتداد خطوط المواصلات الاسرائيلية بما أجبر القوات الاسرائيلية الرئيسية على قطع مسافات شاسعة من الأرض قبل الوصول إلى الخطوط الأمامية حيث كانت المعارك محتدمة

في أعنى صورها.

والفلت الآراء جميعها على فضل جهاز المخابرات الاسرائيلية في تقدير الموقف العسكري، رغم توفر الشواهد وتوالى المعلومات من مصادر موثوق بها عن قرب الهجوم العربي وأرجعت الدراسات العديدة التي قام بها الخبراء العسكريون في البحث عن اسباب هذا الفشل إلى الصلف والغرور القاتل الذي أصاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد الجولة الثالثة، والمفاهيم الخاطئة التي صنعتها خيالات صفورهم عن الفجوة الحضارية التي تفصل بينهم وبين العرب وعن التخلف التكنولوجي الذي يمسك بتلاليب أعدائهم فلا يدع لهم فرصة لممارسة العمل الايجابي أو إنجاز المهام المعقدة التي يتصف بها القتال في الربع الأخير من القرن العشرين.

لقد دار القتال في الجولة الرابعة على مستوى تكنولوجي ارفع بكثير عما سيلله من حروب، كما تم تجربة واختبار كفاءة عدة أسلحة ومعدات تحت النيران لأول مرة وكانت نتائج هذه التجارب والاختبارات بالغة الأهمية عظيمة التأثير في شكل وسعة المعارك المقبلة، ومن هنا كان اهتمام العالم أجمع في الوقوف على أسرارها، والحصول على دروسها المستفادة وبسبب شدة الاهتمام والعجلة الزائدة للحصول على النتائج والدروس المستفادة شاب هذا العمل نوع من التسرع في القفز إلى الخلاصات والنتائج التي لم تكن بالضرورة ترتكز على الاحصاءات الدقيقة أو المعلومات الصحيحة لقد نجح العرب مرة أخرى في حجب هذه الإحصاءات والمعلومات ضمانا لقصر الاستفادة منها عليهم وعلى أصدقائهم فقط.

ولم يتعرض سلاح الى الجدل والنقاش بمثل ما تعرضت له الصواريخ العربية أرض جو، والصواريخ المضادة للدبابات في هذه الجولة، اذ تضاربت في شأنها آراء الخبراء، وما زالت بدرجة يبدو أنه لن يحسمها الا اشتعال جولة خامسة، وذلك على الرغم من اقتناع الكافة بأن الصواريخ أرض جو قد أثبتت فاعليتها ضد الفانتوم، وأن الصواريخ المضادة للدبابات قد أعادت الدبابة الى حجمها الحقيقي بعد أن كانت الدعاية الاسرائيلية المغرضة قد أحالتها في الجولة الثالثة الى عملاق رهيب او شيطان مريد. ويذكر خبراء الحرب كيف استخدم هذان السلاحان بكثرة في مسرحى فيتنام وشبه القارة الهندية دون أن يلفتا اليهما الانظار.. ثم كيف شدت هذه الصواريخ انتباه الكافة في الجولة الرابعة بفضل نجاحتكتيكات العرب في استخدامها بأساليب وأنماط متطورة. ويتوقع الخبراء أن يترتب على هذا النجاحالعظيم إدخال تغييرات ذات شأن على شكل المعركة المقبلة سوف تعيد الثقة إلى قلوب جنود المشاة الذين استردوا اليوم قدراتهم على التصدى للدروع والمصفحات وقتلها.

لا يغرب عن البال أن وقفة جندي المشاة في وجه الدبابة مهما كان سلاحه قويا أو باترا، فإنها تتطلب منه أن يتحلى بمعنويات عالية، وأن يتصف بقدر كبير من البسالة والشجاعة، خاصة وأنه حتى بعد نجاحه في إصابة الدبابة بصاروخه الموجه إصابة مباشرة من قرب فما زال الاحتمال كبيرا أن تنهال عليه منها أو من دبابة أخرى قريبة - نيرانها المصوبة من رشاشاتها سريعة الطلقات، أو من داناتها شديدة الانفجار، كما تظل الفرصة أن تنقض عليه الدبابة فتسحقه بجنازيرها الفتاكة.

وفي مجال الشئون الإدارية والفنية، فقد أثبت العرب في جولتهم الرابعة نجاحا منقطع النظير في حل أعقد مشاكل الإعاشة والإمداد. وأعوص مواقف الاخلاء والعلاج والإصلاح، في مواجهة أشق طروف القتال وأعتى أشكال الصراع، وتمكنها على امتداد أيام المعركة أن يلبوا مطالب التشكيلات والوحدات المقاتلة بحاجتها من الذخائر والوقود والمؤن والمياه بكميات تفوق التصور، ومعدلات منقطعة النظير. على حين كان غريمهم يعاني من نقص هذه المطالب وندرة الاحتياجات نتيجة سوء الخدمة الإدارية والفنية في المسرح رغم ذلك الجسر الجوى الهائل الذي تدفق على اسرائيل دون انقطاع من الترسانات والمستودعات الأمريكية الغنية.

وعن مبادىء الحرب التي احسن تطبيقها، فإن العرب بشهادة كل خبراء فن الحرب وفلاسفة التاريخ العسكرى قد حققوا المفاجأة، والمبادأة، والتعاون والأمن والاقتصاد في المجهود والروح المعنوية بصورة تكاد تكون مثلا يحتذى للآخرين في تطبيق هذه المبادئ التي لا غنى عنها للنصر.

فهل هناك قدر من المفاجأة يفوق ما حققه العرب بمباغتة عدوهم بالقتال وهو في إغفاءة القيلولة من يوم الغفران فينجحوا في اقتحام أهول المواقع واحتلال أقوى الحصون فيما لا يتجاوز المائتي دقيقة.. وهي ذات الحصون التي صرفت اسرائيل ألفى يوم أو تزيد في اقامتها وتجهيزها بأفتك آلات الحرب وأخطر أدوات القتال.

وهل هناك أفضل من هذه المبادأة التي حققها العرب عصر السادس من أكتوبر ۱۹۷۳، فكالوا لاسرائيل الضربة الأولى للمرة الأولى في تاريخ الصراع وهدموا بذلك نظرية الهجوم المسبق وضربة الإجهاض التي تمتعت اسرائيل في ظلها بالطمأنينة امدا طويلا، وهددت بها العرب دهرا امتدت سنينه فتجاوزت ربع القرن ؟

وهل هناك أوثق من التعاون الذي نسج العرب خيوطه فيما بين جبهتي الشمال والجنوب، وداخل كل جبهة منهما، فجاءت أنشطتهما القتالية شديدة التنسيق كانها السيمفونية التي يضبط إيقاعها المايسترو الحاذق فترتبط بهذه النغمات مختلف أوجه الأداء القتالي للأطراف المتصارعة وفق مشيئة القائد العام للجبهات العربية المتحالفة.

وهل هناك أمن أكثر رسوخا من أن يحشد العرب كل هذه القوات وتلك الأسلحة والمعدات في المناطق الأمامية من الجبهات، فلا يتعرض فرد منها أو معدة واحدة لأعمال العدو المضادة طوال فترة التحضير للعمل الهجومى التي امتدت أيامها طويلا واستمر نشاطها كثيفا دون أي تدخل من العدو سواء كبر شأنه أم صغر.

وهل هناك اقتصاد في المجهود أفضل من أن يستدرج العرب طائرات اسرائيل ومدرعاتها - يدها العليا وذراعها الطويلة - الى فخ مدبر، وأرض قتل معدة من قبل، حيث يقضون على أغلبها بأقل مجهود وأرخص ثمن.

وهل هناك روح معنوية يمكن أن تفوق معنويات ذلك المقاتل العربي الذي اندفع يعبر المواقع الأسطورية ويقتحم الحصون الشيطانية بصدره العاري وايمانه العميق، فكأنه يطير فوق الماء ويخترق السدود ويقتحم النيران محطما كل ما أطلقته دعاية إسرائيل من أكاذيب وافتراءات عن ضعف حيلته أمامها، وسوء المصير الذي ينتظره على حصونها وقلاعها، والنهاية الأليمة التي سوف يلقاها على يده صقور المؤسسة العسكرية الاسرائيلية الكواسر

لقد اتفقت آراء المعلقين والخبراء العسكريين على أن جهاز التخطيط العربي أصاب التوفيق في انتخاب أسلوب القتال الذي يضمن له كل ركائز القوة ويضع أمام إسرائيل كل العراقيل والصعاب، حيث كانت خطة الاقتحام على طول خط المواجهة من جنوب بور سعيد شمالا الى شمال عيون موسى جنوبا على جبهة بلغ اتساعها نحو مائة وخمسة وسبعين كيلو مترا، إذ ضمن العرب بذلك أن يستولوا بقفزة واحدة على كل خط بارليف بتحصيناتة الأسطورية وموانعه الطبيعية والصناعية، ثم يتركون العدو يتخيط بحثا عن رد الفعل الأفضل حيال هذا العمل الجرىء، خاصة وأن المعروف عن جهاز الحرب الاسرائيلي أنه يحسن القتال على المواجهات الضيفة، حيث تتاح له فرصة حشد وتركيز يده العليا وذراعه الطويلة - الطيران والمدرعات - بكثافة عالية لإجراء عمليات القطع والتطويق والاندفاع الى مؤخرة العدو عن طريق الأجناب المفتوحة لهز اتزانه التعبوي في المسرحتمهيدا للهزيمة. وعندما فرض عليه جهاز التخطيط المصرى المعركة بشكلها المنتشر على هذا النحو حرمه في الوقت نفسه من ممارسة أسلوب القتال على مواجهات ضيقة، وأجبره على دخول معركة من اختيار العرب مكانا وزمانا، وتكتيكا واسلوباً.

وأخيرا، فقد أجمع المعلقون والخبراء أن الغرور القاتل والصلف المقيت اللذين كانا قد استشرى أمرهما بين صفوف أفراد المؤسسة العسكرية الاسرائيلية فأدار رءوسهم، وحلق بهم في عالم الخيال، وطمس بصائرهم هذان الغرور والصلف هما سبب ما حاق باسرائيل من هزيمة.

تم يشهد شاهد من أهلها، فيستمع العالم أجمع الى ابراهام كاتزير رئيس دولة اسرائيل - وهو يكشف للشعب يوم ٢٤ أكتوبر طرفا من الحقيقة الأليمة حين يقول: "لقد كانت اسرائيل تعيش فيما بين ۱۹٦٧ ، ۱۹۷۳ في نشوة لم تكن الظروف تبررها بل كنا نعيش في عالم من الخيال لا صلة له بالواقع، وهذه الحالة النفسية هي المسئولة عن الأخطاء التي حدثت قبل الحرب، وفي الأيام الأولى منها، لأنها كانت قد تفشت في كل المجالات العسكرية والسياسية والاجتماعية، وأحدثت فيها

مواطن ضعف خطيرة يجب على الاسرائيليين جميعا أن يتحملوا مسئوليتها، وعلينا أن نتعلم بعد هذه الحرب العظيمة أن تكون أكثر تواضعا كما يتحتم علينا أن نبذل كل طاقتنا لإزالة الفجوة الاجتماعية والتغلب على المادية التي أحدقت بنا... فهل تراهم يفعلون !

 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

المزيد من سياسة

تفاصيل الخطة الإسرائيلية «ضم راكـض» لالتهام أراضى الضفة

د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...

«أديس أبابا» تبحث عن منفذ بحرى.. وتطمع فى الأراضى الصومالية

أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت

سيناريوهات انهيار سد النهضة الإثيوبى وخططة مصر للمواجهة

الأقمار الصناعية رصدت الكارثة

بتوجيهات رئاسية.. المحاكم العسكرية تنتظر مافيا المتاجرين بقوت الشعب

محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق